الواقع السوري: حين تتحول العدالة إلى مهزلة دولية.. “نورنبرغ” مثلاً ليست قدوة بل فضيحة مؤجلة

سعد لوستان

في خضم التجريف المنهجي لذاكرة السوريين وحقوقهم، يواجه الشعب السوري اليوم، لا سيما جمهوره الثوري، مأزقاً سياسياً وأخلاقياً مزدوجاً يتمثل في إعادة تأهيل وتدوير مجرمي النظام السابق، بل وتسليمهم مناصب استشارية وأمنية حساسة في ترتيبات ما يُفترض أنه مستقبل ما بعد الكارثة. هذه ليست مجرد إعادة إنتاج للوجوه، بل إهانة متعمدة لتضحيات شعب قاسى لسنوات تحت سطوة القمع والقتل الممنهج.

الأدهى أن هؤلاء المجرمين، الذين راكموا الثروات الطائلة على جماجم الأبرياء، لا يُلاحقون، بل يُستدعون إلى موائد التفاوض والتحالف وكأنهم “شركاء في مستقبل البلاد” في ما يشبه صفقة سياسية أشبه ما تكون بغسيل جرائم جماعي ترعاه مراكز القرار الإقليمي والدولي

إن الإشكال الأكبر لا يكمن فقط في اختلال ميزان العدالة، بل في العجز البنيوي عند جمهور واسع من السوريين عن قراءة الوقائع التاريخية والسياسية وفهم كيف يعمل العالم. وهنا نضع “محاكمات نورنبرغ” كمثال صارخ لا يُحتذى به، بل يُفكك.

لقد أُلبست تلك المحاكمات لباس العدالة، بينما كانت في حقيقتها، ممارسة سياسية فظة انطلقت من مشروعية ومحاصصات ومصالح المنتصرين لا من شرعية القانون. فما سُمي بمحكمة، لم يحاكم سوى 24 فرداً فقط من منظومة نازية دمرت أوروبا، وتحت أربع تهم فضفاضة ومُعدة بعناية لتفصيل العدالة على مقاس المنتصرين 

وفي نورنمبورغ وعلى الرغم من وجود عشرات الآلاف من الجناة النازيين حينها، توفرت بشأنهم كل الأدلة الدامغة، فإن المحاكم الدولية غضّت الطرف، بل سهلت تهريب الكثير منهم إلى الأرجنتين وتايلاند ومصر وسوريا وعمق أفريقيا، برعاية مباشرة من أجهزة استخبارات الحلفاء وبتنسيق مع القيادات الصهيونية ذاتها، الذين هم ذاتهم من يتحكمون بالمسألة السورية اليوم حين قادوا عمليات السقوط وأشرفوا على الاستلام والتسليم.

لا وجود لعدالة دولية أو محلية يُنتظر منها أن تنتصر لقضية الشعب السوري وتنصف الضحية، لأن رموزها وصناع قرارها ببساطة يحتفون بالجلاد الجديد، طالما أن الجلاد بات شريكاً في “الاستقرار” و“مكافحة الإرهاب” و”إعادة الإعمار”

إن على السوريين أن يواجهوا الحقيقة القاسية: العالم لا يتعاطف مع الدم، بل يتفاوض عليه. والعدالة ليست أخلاقاً بل أدوات ضغط وصياغة نفوذ. ومتى ما توقفت الشعوب عن القراءة كما هم السوريين اليوم، أصبحوا مجرد مواد خام تُستخدم في صفقات الجغرافيا السياسية

ورغم هذا السواد، لا يزال في الإمكان بلورة موقف سياسي وقانوني حازم، يتمثل في صياغة وثيقة وطنية شعبية تطالب بميثاق عدالة دولية جديد للقضية السورية، يرفض الانتقائية، ويطالب بمحاسبة كافة مجرمي الحرب في سوريا، من كل الأطراف، دون انحياز مذهبي وتحصين طائفي، أو غطاء دولي لأي كان

إن لم يتحقق العدل، فليُكتب على الأقل الموقف. فالأمم التي تكتفي بالموت دون أن توثق حقها، تموت مرتين: مرة بالقصف، وأخرى بالنسيان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *