سوريا في حزيران 2025: عنف بلا سلطة، وموت بلا عدالة

سوريا في حزيران 2025 ليست ساحة حرب مفتوحة إقليميا بل جغرافيا لعنف متنقل، فنهاية سلطة البعث ورغم محاولات تشكيل جيش وطني موحّد وصدور قرارات بحل التشكيلات المسلحة، لا تزال الميليشيات تتحرك على الأرض بقوة السلاح لا تحت راية القانون، وما جرى كان تفكيكا للسلطة القديمة دون بناء بديل فعّال.

حصيلة الضحايا خلال شهر واحد وصل إلى 391 ضحية، أغلبهم مدنيون ما يكشف أن العنف لم يتراجع، وأصبح عنف عشوائي، انتقامي، متفلت، فلا حسم عسكري، ولا عقد اجتماعي جديد، بل مساحات خارجة عن السيطرة، تُدار بالسلاح والولاءات الفئوية، أما الدولة، فهي لا تزال فكرة معلّقة، تنتظر من يُعيد تعريفها.

الرقم وحده لا يكذب

المرصد السوري لحقوق الإنسان سجّل 360 قتيلا من المدنيين، وهنا لا يرتبط الأمر بضحايا صدام عسكري مباشر، بل خليط مرعب من الاغتيالات، والإعدامات، والتفجيرات، والكمائن، والألغام، وحتى التعذيب في السجون، فأن يُقتل طفل بلغم قديم في ريف مهمل هو وجه آخر لنفس العملة التي يُقتل بها ناشط برصاص مجهول وسط مدينة.

ما يُقال عادة عن “ضحايا الحروب” لم يعد ينطبق هنا، فهؤلاء ليسوا فقط ضحايا حرب، بل ضحايا دولة فشلت في رسم مؤسسة عسكرية محايدة تجاه كافة الشرائح الاجتماعية.

من يقتل من؟ ولماذا؟

ما تقوله الأرقام أخطر مما يبدو:

  • 60 مدنيا اغتيلوا، في بلد لا توجد فيه أجهزة أمن موحدة.
  • 46 آخرون أُعدموا ميدانيا، خارج كل قيد قانوني.
  • ثلاثة ماتوا تحت التعذيب في سجون إدارة العمليات العسكرية، التسمية وحدها تقول كل شيء.
  • 30 ضحية في تفجير واحد بسيارة مفخخة( كنيسة مار إلياس بدمشق)، لا نعرف من فجر ولا لماذا.
  • 59 شخصا قتلهم مسلحون مجهولون لكنهم لا يقتلون من فراغ.

هذه ليست فقط جرائم، بل رسائل، ففي كل رصاصة أو لغم أو إعدام، هناك نُذُر نظام جديد يولد من رحم الفوضى ولا يحمل ثقلا مركزيا ولا دستور بل فقط سلطة السلاح.

العنف بوصفه نظام حكم

حين تتفكك الدولة، لا يملأ الفراغ سوى شيء واحد هو الميليشيات، ومن الواضح أن سوريا اليوم يحكمها أمراء مجموعات مسلحة أكثر مما تُحكم بأي سلطة رسمية، فكل حي أو بلدة خارج المدن الرئيسية، تحت يد فصيل، وهؤلاء لا يحكمون بالقانون، بل بالخوف، وأدواتهم ليست اللوائح، بل البنادق.

التحليل السياسي لهذا المشهد لا يحتاج تنظيرا أكاديميا، فما يجري هو ببساطة نموذج كلاسيكي لانهيار الدولة وتحوّلها إلى مساحة نزاع فوضوي حيث يصبح العنف وسيلة لتنظيم المجتمع وليس لـ”قهره” فقط، وما يُغذّي هذا العنف ليس وحده بل العصبيات الطائفية والانتقام الشخصي.

إرث الموت: الألغام والذخائر غير المنفجرة

لعبت الذخائر القديمة دورها في رفع أرقام الضحايا، حيث حصدت 35 ضحية، بينهم 16 طفلا، وهذا الرقم وحده يُظهر أن الحرب لا تقتل فقط حين تقع، بل تواصل فعلها لسنوات بعدها، وإزالة الألغام ليست رفاهية إنسانية، بل شرط للعيش، ولكن لا توجد اليوم جهة سورية تملك الإرادة أو القدرة أو الشرعية للقيام بهذه المهمة فحتى الموت هنا مؤجل، لكنه مؤكد.

قضاء في مهب الريح

ماذا تعني العدالة الانتقالية في بلد لا توجد فيه عدالة أصلا؟ حين لا تُحاسب أجهزة عسكرية على التعذيب، ولا تُساءل ميليشيات على الإعدامات، ولا يُكشف عن الجهة التي تقف خلف الاغتيالات، فإن الحديث عن “مرحلة انتقالية” هو نوع من الخداع الذاتي.

المجتمع السوري لا يعيش “ما بعد الحرب”، بل يعيش نسخة مشوهة من الحرب فلا معارك كبرى، لكن عنف يومي مستمر.

الجرائم ذات الطابع الطائفي أو العشائري ليست حوادث معزولة، بل جزء من نظام تفكير شُيّد خلال سنوات الحرب، وتغذّيه ثقافة الإفلات من العقاب، وكما في كل الصراعات المشابهة، الخط الفاصل بين الثأر الشخصي والجريمة السياسية بات وهما.

سوريا اليوم: الدولة كظل، والدم كروتين

ما تكشفه بيانات حزيران 2025 هو أننا لا نعيش نهاية صراع، بل انتقاله إلى شكل آخر، فلا جبهات مفتوحة، بل قرى خاضعة، فلا معارك معلنة، بل اغتيالات دائمة، ولا دولة، بل “سلطات” بالأمر الواقع.

والسؤال الأهم: إلى أين؟
الجواب القصير: إلى مزيد من الانقسام، والموت، والتوحش، ما لم يُعاد بناء الدولة لا كأجهزة، بل كعقد اجتماعي.
والجواب الأطول: سيكون على المجتمع السوري، بمساعدة دولية صادقة، إعادة تعريف من يملك الحق في استخدام القوة، ومن يحق له أن يحكم، وكيف يُحاسَب من يقتل.

الوقت لا يلعب لصالح أحد، وبين كل شهر وآخر، يسقط العشرات، وتتعمق الجراح، وحزيران 2025 كان مجرد فصل آخر من هذا النزيف المفتوح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *