الشمال الشرقي لسوريا: الجغرافيا تقود اللعبة من جديد

عندما تجلس دمشق على طاولة تفاوض بخصوص شرق الفرات مع خصمها الداخلي، وتضع واشنطن يدها على ظهر كل منهما، فالأمر لا يتعلق فقط بصفقة محلية، لكنها مفاوضات على مستقبل القوة في المشرق، بأدوات ما بعد 2011 (تاريخ بداية الأزمة السورية)، وخرائط ما قبل 1916.

لحظة ما قبل الانعطاف

في آذار، خرج إلى العلن ما سُمّي بـ “اتفاق 10 آذار” بين حكومة دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (SDF)، ولم يكن هذا التفاهم تقنيا بل إعلانا بأن التوازنات تتغير، وأن السيطرة على الشمال الشرقي لم تعد مجرد مسألة وقت أو معركة ميدانية، إنما قرار سياسي تحت أعين ثلاث قوى كبرى: واشنطن، و”إسرائيل”، وتركيا.

كان توماس براك، سفير واشنطن في أنقرة ومبعوث الولايات المتحدة إلى دمشق، يتحدث بوضوح بأن “”الطريق الوحيد إلى الاستقرار في سوريا، هو عبر دمشق”، وعبارته ليست مجاملة دبلوماسية، إنما “عقيدة” جيوسياسية واضحة، فلا يمكنك ضبط بلد دون العاصمة، ولا يمكنك امتلاك العاصمة إن لم تمسك بالمحيط الذي يغذيها المتمثل بالنفط والماء والمعابر.

من يتكلم باسم القوة؟

  • أحمد الشرع، رجل دمشق الجديد، يسير على خيط دقيق: بين خطاب السيادة ومراعاة توازنات ما بعد الحرب، يفهم أن القوة باتت موزعة، ويحاول سحبها تدريجيا نحو المركز.
  • مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية، وهو لا يفاوض فقط عن كرد سوريا، بل عن كل فكرة الفيدرالية التي تؤرق دمشق، يريد نظاما جديدا، لا فقط اعترافا جزئيا، ويملك الأرض، لكنه يفتقر للغطاء الدولي.
  • توماس براك، ليس وسيطا، بل مدير مرحلة، ويعرف أن اللعبة لا تحتمل فراغات، وأن أميركا لا يمكن أن تبقى بلا نفوذ في تفاهمات الغاز والحدود.

لماذا الشمال الشرقي بالذات؟

لا شيء يسبق الجغرافيا، وشرق سوريا يحتوي على كل ما يشعل التنافس:

  • احتياطي النفط والغاز: 70% من إنتاج سوريا من الطاقة في الجزيرة السورية، وأي قوة تسيطر عليه تملك ورقة ضغط اقتصادية وسياسية على المركز.
  • المعابر مع العراق، فهوطريق عبور الميليشيات والسلع والسلاح، مفتاح الربط بين الهلال الإيراني والمجال الروسي في المتوسط.
  • النسيج الديمغرافي: تركيبة من الكرد والعرب والعشائر، يمكن تحويلها إما إلى نموذج حكم لا مركزي ناجح… أو قنبلة طائفية مؤجلة.

خطوط حمراء تتقاطع

المفاوضات ليست عن بنود فنية، بل عن فلسفة السلطة في سوريا ما بعد الحرب.

أ. الاندماج العسكري – سيادة أم ضمّ؟

دمشق تريد دمج وحدات SDF ضمن الجيش السوري، لإعادة صياغة الدولة وفق روايتها، أما الإدارة الذاتية فتوافق مبدئيا وتشترط ضمانات بعدم اجتثاث قياداتها أو ذوبانها في مؤسسات أمنية تقليدية، وتوماس براك يضغط لإنجاز هذا الملف أولا، لأنه يعلم أن من يملك البندقية، يملك الحق في كتابة الدستور.

ب. الفيدرالية مقابل المركزية

هنا يقع جوهر الصراع، فالهدف ليس الانفصال، بل نظاما فدراليا يمنح المناطق سلطات تنفيذية وتشريعية موسعة، والشرع يرفض ويصرّ على وحدة القانون والإدارة، وبراك ينحاز للمركزية، ولكن ليس حبا بدمشق، بل لأنه يريد نظاما يمكن التحكم فيه من الخارج، لا كيانات متداخلة وفوضوية.

ج. الاقتصاد: من يملك عائدات إعادة الإعمار؟

من يملك الحقول يجب أن يملك حصة من إعادة الإعمار، ودمشق تعتبر أن الموارد جزء من الدولة، لا من الإدارة الذاتية في الشمال الشرقي، أما واشنطن، فتعرض ربط المساعدات الدولية بشرط واحد هو المركزية السياسية تحت رقابة أمنية قابلة للتنسيق.

د. إسرائيل والتهدئة

في الكواليس، هناك بعد جديد يظهر في هدوء بين دمشق وتل أبيب برعاية براك، وهذا البُعد يغيّر قواعد اللعبةمن مفاوضات داخلية إلى هندسة جديدة للأمن في المنطقة.

سيناريوهات مقبلة: أين تميل الكفة؟

أ. تسوية تكتيكية – مركزية معدلة

السيناريو المرجح هو دمج تدريجي لـقسد داخل الجيش السوري، مقابل اعتراف محدود بالإدارة الذاتية كسلطة محلية غير سيادية.

ب. انهيار المفاوضات – عودة الفوضى

إذا فشلت المباحثات، فإن أي انسحاب أميركي يفتح الباب لروسيا أو تركيا لملء الفراغ، والفيدرالية يمكن أن تتحول إلى مشروع مقاومة، وليس شراكة، وهنا، يبدأ الصراع من جديد.

ج. اختراق “إسرائيلي” – سوري

في حال تبلور اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب، فسيكون ثمنه خريطة جديدة لنفوذ القوى المسلحة في سوريا – وقد يكون الشمال الشرقي جزءا من هذا التفاهم، بصفته “الحياد العسكري المؤمّن”.

في الإطار العام للعلاقة بين دمشق وقسد لا يمكن الهروب من الحقائق الجغرافية:

  • من يملك الجغرافيا، يكتب السياسة.
  • من يتحكم في الموارد والمعابر، يفاوض من موقع قوة.

إن والولايات المتحدة مهما بدت بعيدة تمتلك “الفيتو الخفي” في مستقبل سوريا، شرط أن تضبط علاقاتها بالمكونات المحلية كما يضبط القائد سلاحه، فلا تطلق النار إلا عندما يكون الهدف واضحاً.

الشرق السوري ليس هامشا إنما نقطة ارتكاز، ومن يحسم هذا الملف، لا يتحكم بسوريا فقط، بل يعيد كتابة قواعد النفوذ في الهلال الخصيب كله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *