عمّان تتحوّل إلى غرفة عمليات لوقف النار جنوب سوريا

في مساء الثاني عشر من أغسطس 2025، بدا أن عمّان، العاصمة الهادئة سياسيا مقارنة بجيرانها، تتحول إلى مسرح يلتقي فيه صدى البنادق مع لغة الدبلوماسية، فعلى طاولة مستديرة، جلس ممثلو الأردن وسوريا والولايات المتحدة، ليس كخصوم في مواجهة، بل كأطراف تحاول، ولو مؤقتا، رسم خط فاصل بين الحرب والسلام في السويداء.

كان العنوان المعلن “وقف إطلاق النار”، لكن خلف الأبواب المغلقة، كان النقاش يدور حول أكثر من ذلك بكثير؛ من إعادة رسم خرائط النفوذ في جنوب سوريا، إلى بحث إمكانية صياغة نموذج جديد للتنسيق بين خصوم الأمس، على أرض تتداخل فيها الحسابات القبلية والمصالح الإقليمية.

لجنة ثلاثية: وظيفة معلنة وأجندات مستترة

الاتفاق على تشكيل لجنة دعم لوقف إطلاق النار بدا في ظاهره، استجابة إنسانية عاجلة، لكن من يعرف تاريخ اللجان الميدانية في النزاعات يدرك أنها غالبا تتحول إلى أدوات اختبار لنيات الأطراف، وإلى قنوات تفاوض غير مباشرة حول ملفات أعقد.
المهام الرسمية للجنة تتلخص في مراقبة الوضع، واحتواء الخروقات، وتفعيل الاتصال السريع، وتخفي خلفها معادلة دقيقة، فواشنطن تريد اختبار قدرة دمشق على الانضباط الأمني دون الانزلاق إلى مواجهة مع الحلفاء المحليين، ودمشق تريد أن تثبت أنها قادرة على فرض النظام في منطقة هي خارج قبضتها الكاملة، فيما يتعامل الأردن مع السويداء كـ”حديقة خلفية” يجب أن تبقى هادئة لتأمين حدوده الجنوبية.

وحدة الأراضي السورية… بين النصوص والميدان

البيان المشترك أكد على وحدة الأراضي السورية وضمان الحقوق، لكن السويداء، من منظور الجغرافيا السياسية، ليست مجرد محافظة جنوبية، فهي عقدة تاريخية بين البادية والجبال، وبين الهويات الطائفية والقبائلية، وهي نموذج مصغر لتحدي “المركز والأطراف” في سوريا.
في السنوات الماضية، تحولت المحافظة إلى ما يشبه منطقة شبه مستقلة، تُدار عبر شبكات محلية مسلحة وقيادات عشائرية، في ظل غياب المؤسسات المركزية الفاعلة، وبهذا الشكل يصبح الحديث عن وحدة الأراضي بلا إصلاح سياسي عميق أقرب إلى شعار مكرر في المؤتمرات.

المحاسبة والمصالحة… جدلية القانون والسياسة

أحد البنود اللافتة في الوثيقة هو التزام دمشق بمحاسبة المتورطين في العنف، لكن التجربة السورية مع مفهوم “المحاسبة” كانت في الغالب أداة انتقائية لتصفية الحسابات، لا إطارا قضائيا شفافا.
المصالحة، بدورها، تحمل إغراءً في الخطاب، لكنها تواجه عراقيل على الأرض، إذ تداخلت النزاعات العشائرية مع أجندات الميليشيات ومع تدخلات الأجهزة الأمنية، ما يجعل أي تسوية هشّة أمام حادثة انتقامية أو خرق أمني طارئ.

الإعمار: أداة للسلام أم وسيلة للسيطرة؟

الحديث عن إعادة إعمار السويداء بدا طموحا، من مشاريع بنية تحتية، تطوير خدمات، دعم سبل العيش. لكن في سياق الصراع السوري، الإعمار ليس عملية اقتصادية فحسب، بل أداة سياسية.
المانحون الدوليون يشترطون إصلاحات سياسية قبل التمويل، بينما ترى دمشق في الإعمار وسيلة لإعادة إحكام قبضتها، عبر منح العقود لشبكات محسوبة عليها، وإقصاء القوى المحلية غير الموالية.
التجارب السابقة، من حلب إلى دير الزور، أثبتت أن غياب الشفافية يحول الإعمار إلى عملية لإعادة إنتاج الولاءات السياسية، لا إعادة بناء المجتمعات.

عمّان: جسر عبور لا محطة نهائية

الاجتماع الأخير لم يكن انطلاقة من فراغ، بل تتويجا لمسار طويل من الاتصالات غير المعلنة بين دمشق وواشنطن، لعب فيه الأردن دور الوسيط الحذر.
بالنسبة لعمان، استقرار الجنوب السوري ليس مجرد قضية خارجية، بل ملف أمن قومي، لما يرتبط به من تهريب سلاح ومخدرات، وتسلل مسلحين، وضغط لاجئين، ولكن حدود القدرة الأردنية على ضمان هذا الاستقرار تبقى رهينة تعاون إقليمي ودولي أوسع، يتجاوز مجرد الاتفاقات الأمنية المحدودة.

إقليم مضطرب: عقدة السويداء في شبكة الصراعات

جنوب سوريا، رغم ابتعاده عن خطوط المواجهة مع “إسرائيل”، يبقى جزءا من معادلة أمنية تشمل “تل أبيب” وطهران وموسكو وواشنطن.
“إسرائيل” تسعى لمنع أي تموضع عسكري مقاوم في الجنوب، فيما ترى المقاومة بطيفها الواسع أن أي فراغ أمني فرصة لتمكين حلفائها المحليين، أما روسيا فتقوم بتوازن بين دعم دمشق والحفاظ على تفاهمات ضمنية مع “إسرائيل”، أما واشنطن فتتعامل مع الملف السوري بمنطق “إدارة الأزمات”، لا حلها.
في هذا السياق، تبدو لجنة السويداء وكأنها “نقطة هدوء” مؤقتة وسط بحر من الأمواج المتلاطمة.

الجغرافيا تحكم المصير

يمكن قراءة المشهد على أنه تفاعل بين الجغرافيا والسلطة فالأردن، كدولة صغيرة تحيط بها أزمات، يمارس دور “الدولة العازلة” التي تحاول احتواء الفوضى، وسوريا، الممتدة على تضاريس معقدة من السهول إلى الجبال، تواجه صعوبة دائمة في فرض المركزية الكاملة على أطرافها، أما الولايات المتحدة، البعيدة جغرافيا، تحاول عبر تحركات محدودة الحفاظ على توازن يمنع انهيار الوضع دون الانخراط في إعادة تشكيله.

حدود التفاؤل                                                     

رغم أهمية الاجتماع من حيث الرمزية، يظل السؤال: هل يمكن للجنة الثلاثية أن تتحول إلى نواة لمسار أوسع، أم أنها ستنضم إلى أرشيف المبادرات المؤقتة التي سرعان ما تُنسى؟
الإجابة ترتبط بعوامل تتجاوز إرادة الأطراف الثلاثة من خلال مدى قدرة دمشق على تقديم تنازلات حقيقية في الحكم المحلي، استعداد المانحين لتجاوز الشروط السياسية، وقبول القوى المحلية بالتخلي عن استقلالها شبه الذاتي مقابل ضمانات تنمية وأمن.

اجتماع عمان أطلق وعودا بوقف العنف، ومحاسبة المتورطين، وإعمار شامل، واحترام وحدة البلاد وحقوق المواطنين، لكن التجربة السورية تقول إن المسافة بين النصوص والتطبيق واسعة.
إما أن تتحول السويداء إلى نموذج مصغر لسوريا جديدة تقوم على المصالحة والتنمية المحلية، أو تبقى جرحا مفتوحا يهدد استقرار الجنوب، ويعيد إنتاج الفوضى كلما تبدلت موازين القوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *