سوريا بين مجلس شعب جديد وحوكمة قديمة: مأزق الشرعية الدستورية

في أواخر أيلول 2025، أعلنت السلطات السورية الانتقالية بقيادة أحمد الشرع عن بدء تشكيل أول مجلس شعب منذ انتهاء نظام البعث، ومن حيث الشكل، يُقدَّم هذا التطور بوصفه نقلة تاريخية وخطوة على طريق الانتقال السياسي، لكنه من حيث المضمون يفتح بابا واسعا للجدل حول طبيعة الحوكمة، وشرعية العملية السياسية، ومصير وعود التمثيل العادل التي رُوِّجت منذ سقوط النظام السابق.

المعطيات الرسمية والتقارير المتداولة وضعت النقاط على بعض الحروف، لكن قراءة متأنية عبر عدسة الحوكمة الدستورية تكشف عن إشكاليات أعمق، تتعلق ببنية السلطة ذاتها، أكثر مما تتعلق بالإجراءات.

لعبة الأرقام: 210 مقاعد تحت هيمنة الرئاسة

ينص الترتيب الجديد على مجلس الشعب مؤلف من 210 مقاعد: ثلثها (70 مقعدا) يعينه الرئيس الشرع مباشرة، بينما يُنتخب الثلثان الباقيان (140 مقعدا) عبر نظام انتخابي معقد وغير مباشر، عبر لجان إقليمية تختار هيئات انتخابية، وهذه بدورها تختار النواب.

هنا تبرز أولى المفارقات فبدلا من أن يكون مجلس الشعب تجسيدا لسيادة الشعب، يصبح انعكاسا لآليات ترشيح وانتقاء تتحكم فيها السلطة التنفيذية من أعلى إلى أسفل، فحتى المقاعد “المنتخبة” تمر بمرشحات بيروقراطية وأمنية تضمن إقصاء المعارضين الحقيقيين أو من يمكن أن يشكّلوا تحديا جدّيا.

استثناءات إقليمية: كرد وسُوَيداء خارج اللعبة

قرار استبعاد مناطق الشمال الشرقي ذات الإدارة الكردية، ومحافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، من العملية الانتخابية بدعوى “الأسباب الأمنية والسياسية” يكشف تناقضا صارخا مع شعار “التمثيل العادل”، فهذه المناطق تمثل أكثر من مجرد فضاء جغرافي؛ إنها تعكس مكونات رئيسية في التعددية السورية، واستبعادها المؤقت يعني أن مجلس الشعب، في لحظة التأسيس، يقوم على فراغات تمثيلية تقوّض قدرته على الادعاء بأنه مجلس “وطني”.

من منظور الحوكمة الدستورية، أي عملية تأسيسية تُقصي مكوّنات اجتماعية كاملة تفقد قدرتها على إنتاج عقد سياسي جامع، فالدستور ليس مجرد نص قانوني يحدد السلطات، بل هو تعبير عن توازنات القوى ومصالح الجماعات المختلفة داخل المجتمع، وحين يُبنى على إقصاء جماعة أو منطقة أو هوية بعينها، فإنه يتحول إلى عقد ناقص لا يحظى بشرعية شاملة، ويصبح عُرضة للانهيار عند أول اختبار سياسي أو اجتماعي.

إن الحوكمة الدستورية الرشيدة تقوم على إشراك جميع المكونات – مهما بلغت خلافاتها – في صياغة قواعد اللعبة، لأن المشاركة الواسعة وحدها هي ما يمنح المؤسسات الوليدة القدرة على الصمود والاستمرار، وبغياب هذا الشرط، فإن ما يُسمّى انتقالا سياسيا يصبح مجرد هندسة شكلية للسلطة، لا قطيعة حقيقية مع الاستبداد.

شروط الإقصاء: ذاكرة النظام السابق ممنوعة

المعايير الموضوعة للترشح تستبعد أنصار النظام السابق، وأيضا من يطالبون بالانفصال أو يدعون للتدخل الأجنبي، وللوهلة الأولى تبدو هذه الشروط منطقية، إذ يُفترض أن تحمي العملية السياسية من القوى التي تسعى إلى تقويض وحدة البلاد أو إعادة إنتاج النظام الذي ثار عليه السوريون.

غير أن ظاهر هذه الصرامة يخفي إشكالية أعمق، وهي أن هذه المعايير صيغت بعبارات فضفاضة تسمح بتأويلات واسعة، فما المقصود مثلا بـ«الانفصال»؟ هل هو مجرد طرح لفكرة فيدرالية؟ أم أنه يشمل أيضا أي مطلب باللامركزية الإدارية والسياسية؟ وبالمثل، من يقرر أن رأيا ما يُعتبر “دعوة للتدخل الأجنبي”؟ هل هو استدعاء عسكري مباشر، أم مجرد دعوة لوساطة دولية؟ هذه الأسئلة ليست تقنية، بل تمس جوهر العملية السياسية.

تكمن الخطورة في أن غموض هذه المفاهيم يفتح الباب أمام استخدامها كسلاح سياسي لإقصاء الخصوم تحت غطاء قانوني، فالسلطة التنفيذية، بما تملكه من أدوات ضبط أمني وإداري، تستطيع أن توسّع تعريف “الانفصال” أو “التدخل الأجنبي” أو حتى “أنصار النظام السابق” لتشمل أي معارضة جادة أو أي صوت يطالب بإصلاحات جوهرية، و بهذه الطريقة، تتحول القوانين من آلية لتنظيم المشاركة إلى أداة لتقييدها، ومن وسيلة لحماية العملية السياسية إلى وسيلة لإعادة إنتاج الإقصاء.

في منطق الحوكمة الدستورية، هذا النوع من الغموض يضعف الثقة بالمؤسسات الناشئة ويحوّلها إلى هياكل هشّة، لأن الشرعية لا تُبنى على الاستبعاد المطلق، بل على إدارة الخلافات بطريقة تسمح بتعدد الأصوات ضمن قواعد اللعبة المشتركة.

وعد التمثيل العادل: نساء بلا حصص وأقليات بلا ضمانات

تنص القواعد على أن 20% من أعضاء الهيئات الانتخابية يجب أن يكونوا من النساء، ولكن لا توجد أي ضمانات مماثلة في المجلس الشعب ذاته، والنتيجة شبه الحتمية هي أن البنية المجلس الشعبية ستظل “ذكورية” الطابع، مهيمنا عليها من أبناء الأغلبية السنية، مع حضور رمزي نسوي وأقلياتي يقرره الرئيس من المقاعد التي يعينها.

هذه ليست عدالة في التمثيل بالمعنى الديمقراطي، بل إعادة إنتاج لصورة قديمة، فهناك تمثيل شكلي يخفي وراءه إقصاءً حقيقيا، ويؤدي إلى واجهة لتجميل الاستبداد، فيتحول المجلس الشعب إلى شكل جديد لإضفاء شرعية على سلطة فردية.

عمليا فإن الانتقال السياسي، لكي يكون له معنى، يفترض أن يقوم بتأسيس شرعية الدولة على قاعدة المشاركة الواسعة، لكن العملية الحالية لا تبني شرعية جديدة، بل تعيد إنتاج أزمة الشرعية، فبدلا من عقد اجتماعي جامع، نرى عملية “انتقاء سياسي” تُديرها السلطة من الأعلى، فلا توفر تمثيلا حقيقيا، ولا تفتح مجالا لمنافسة سياسية، فأي دستور أو مؤسسة تأسيسية تنشأ في غياب المشاركة الواسعة تتحول إلى عبء على النظام بدل أن تكون مصدرا لشرعيته.

بين الدستور المؤقت والديمقراطية الموعودة

الدستور المؤقت الصادر في آذار منح المجلس الشعب سلطات محدودة، ودون إلزام الحكومة بالحصول على ثقة المجلس، وهذا يضع مجلس الشعب في موقع ضعيف أمام السلطة التنفيذية، ورغم أن الشرع صرّح في مقابلات سابقة بأن سوريا تسير نحو الديمقراطية، فإن ما يُمارس على الأرض أقرب إلى تكريس نظام رئاسي قوي يضعف مؤسسات الرقابة والمساءلة.

المشهد السوري اليوم يقف على مفترق طرق: هل نحن أمام انتقال فعلي نحو نظام تمثيلي أكثر عدالة، أم مجرد إعادة إنتاج لبنية استبدادية بوجوه جديدة؟

الحقيقة أن كل مؤشرات العملية  من استبعاد مناطق ومكونات، إلى إقصاء معارضين محتملين، إلى غياب الحصص النسائية والأقليات، إلى محدودية صلاحيات المجلس الشعب، تصب في اتجاه واحد هو إعادة إنتاج نظام مركزي سلطوي، مع واجهة ديمقراطية تُسوق خارجيا على أنها إصلاح.

من منظور الحوكمة الدستورية، الشرعية لا تُكتسب بالشعارات ولا بمؤسسات شكلية، بل بالمشاركة الفعلية والتعددية وضمان الحقوق، ومجلس الشعب السوري، كما يتبلور الآن، يبدو أقرب إلى “مجلس شعب صوري” جديد منه إلى مؤسسة تأسيسية تعبّر عن الإرادة الشعبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *