رفع عقوبات قيصر من الردع إلى آلية: PAARSS كيف أعادت واشنطن ترميز الهيمنة في سوريا؟

منذ أن فُرض قانون “قيصر” عام 2019، كان يُنظر إليه بوصفه أداة ضغط أميركية لتقويض بنية النظام السوري وحرمانه من موارد إعادة الإعمار، لكن السنوات الأخيرة، ولا سيما عام 2025، شهدت انقلابا في وظيفة القانون وموقعه بعد السقوط.

لم يعد “قيصر” سلاحا للعقاب، بل أصبح أداة لإعادة هندسة المشهد السوري بما يتناسب مع توازنات إقليمية جديدة، تقدّم فيها العاملان الإسرائيلي والتركي بوصفهما الضابطين الفعليين لإيقاع الميدان، بينما تراجعت المبادرات العربية إلى دور تمويلي أو رمزي أكثر منه استراتيجي.
عمليا رفع العقوبات لا يُعبّر عن نهاية السياسة الأميركية تجاه سوريا، بل عن انتقالها إلى مرحلة ثانية من إدارتها، فهي مرحلة “التحكم من بُعد” عبر وكلاء إقليميين متعارضي المصالح لكن منضبطين في الإطار الأميركي.

من الردع إلى إعادة التنظيم

جاءت خطوة الإدارة الأميركية في حزيران 2025 بإلغاء البرنامج الشامل للعقوبات وإصدار الأمر التنفيذي رقم 14312 كتحوّل رمزي وإجرائي على حد سواء، لكنها لم تأتِ بمعزل عن الشق التشريعي والربط الاستراتيجي مع الموازنة الدفاعية الأميركية.
فالإلغاء لا يعني تحرير الاقتصاد السوري، بل إخضاعه لنظام رقابي جديد عبر وزارة الخزانة ووزارة التجارة، يقوم على العقوبات الانتقائية بدلا من الشاملة.
ومنذ تشرين أول 2025، أقرّ مجلس الشيوخ الأميركي ضمن مشروع قانون ميزانية وزارة الدفاع (NDAA) مادة لإلغاء قانون قيصر، في خطوة تُعدّ تأكيدا على أن رفع العقوبات بات مرتبطا بالأولويات الأمنية والعسكرية الأميركية.
ليست سوريا الدولة المعاقَبة، بل أي فرد أو كيان يخرق شروط “المرحلة الانتقالية” أو يُهدّد التوازنات الأمنية التي تضعها واشنطن في المنطقة.
بهذا الأسلوب، انتهت حقبة الضغط من الخارج” التي كانت مهيمنة على السياسة الأميركية تجاه سوريا، وبدأ عهد جديد من “التحكم الداخلي المشفّر” للمسألة السورية، كما جرى في التجارب الأوروبية بعد الحروب الإقليمية.

لحظة التحول السياسي

مثّل سقوط النظام السياسي السوري في كانون الأول 2024 الشرط البنيوي الأول لإعادة صياغة السياسة الأميركية تجاه دمشق، إذ أتاح لواشنطن التعامل مع “دولة منهكة” بدلا من “نظام معادٍ”، ومع تشكيل الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، لم تنظر الولايات المتحدة إلى المشهد باعتباره انتصارا سياسيا بقدر ما رأته فرصة لإعادة هيكلة سوريا من الداخل دون الحاجة إلى إسقاطها بالكامل.

التحول الأعمق لم يكن في دمشق نفسها، بل في طريقة توزيع القوى حولها، فمع تراجع المحاور القديمة برزت أنقرة و”تل أبيب” كفاعلين ميدانيين يحددان حدود الحركة السورية الجديدة، فتركيا تفرض إيقاعها من الشمال عبر أدواتها الإدارية والعسكرية، و”إسرائيل” ترسم خطوطها الحمراء من الجنوب عبر منطق “الردع الوقائي”.

بين هذين القطبين، تحاول واشنطن صياغة نموذج “التحكم عن بُعد” من خلال دولة سورية بلا سيادة مكتملة، محكومة بشبكة مصالح أمنية واقتصادية متقاطعة، تُدار من الخارج أكثر مما تُحكم من الداخل،
فالسؤال لم يعد كيف تُسقط الولايات المتحدة النظام، بل كيف تُبقي الدولة قائمة ضمن حدود وظيفية تضمن الاستقرار ولا تسمح باستقلال القرار، فالرؤية الأمريكية لسوريا الجديدة تتلخص بكيان سياسي قابل للإدارة، لا للسيادة.

الإلغاء التشريعي – تسوية أمنية بواجهة اقتصادية

تصويت مجلس الشيوخ الأميركي في تشرين الأول 2025 على إلغاء قانون قيصر لم يكن استجابة لضرورة أميركية داخلية، بل جاء بعد تفاهمات سعودية – أميركية – أوروبية حول صيغة جديدة لإعادة الإعمار، والرياض كانت المحرك المركزي في الضغط من أجل إنهاء العقوبات الشاملة، لأنها تريد أن تلعب الدور القيادي في إعادة بناء سوريا ضمن مبادرة “الاستقرار العربي” التي وُقِّعت في مؤتمر الرياض في آذار 2025.

لم تسقط العقوبات نتيجة “تساهل أميركي”، بل بفعل استبدال التحالفاتمن الردع الغربي ضد دمشق، إلى تحالف عربي-غربي لإعادة هندستها، والمعادلة الجديدة واضحة فواشنطن تحتفظ بالهيمنة القانونية،
والرياض تفتح التمويل، وموسكو تقبل بالتقاسم مقابل بقاء نفوذها العسكري المحدود في الساحل، فتحوّل “قيصر” من أداة عقاب إلى آلية تقاسم أدوار في الاقتصاد السوري المقبل.

دمشق في مواجهة المراقبة الاقتصادية

الحكومة الانتقالية التي خلفت النظام القديم ورثت بنية اقتصادية متآكلة، والإعفاءات الأميركية التي سُمّيت “المرحلة التمهيدية للرفع الكامل” سمحت بإعادة تشغيل بعض البنوك وفتح التحويلات التجارية المحدودة، لكنها أبقت على ضوابط صارمة في قطاعات الطاقة والاتصالات والمصارف.
هذه القطاعات تُعدّ الآن تحت إشراف مباشر من “مكتب إعادة الإعمار والمراقبة” الذي أُنشئ في عمّان برعاية أميركية-سعودية، والغاية ليست دعم سوريا اقتصاديا، بل ضبط مسار إعادة الإعمار ضمن خريطة سياسية مرسومة سلفا: فالساحل منطقة نفوذ روسي-عربي مشترك، والشمال الشرقي تحت إدارة مدنية كردية بتمويل أوروبي، الجنوب السوري ضمن المبادرة الأردنية للتهدئة، ودمشق مركز إداري للحكومة الانتقالية، لا عاصمة سيادية كاملة بعد.

بهذه الطريقة، تم تفكيك الاقتصاد السوري إلى دوائر مراقَبة، كل منها يخضع لجهة رقابة دولية مختلفة، في تكرار لتجربة البوسنة ولكن بغطاء “إعمار عربي”.

الجغرافيا الإقليمية الجديدة

لم يؤدِّ سقوط النظام السوري إلى فراغ سياسي فحسب، بل إلى انهيار البنية العسكرية التي شكّلت عماد الدولة منذ خمسينيات القرن الماضي، فبعد حلّ الجيش النظامي، لم تعد في سوريا مؤسسة عسكرية موحدة بالمعنى الكلاسيكي، بل فسيفساء من التشكيلات المسلحة.

في المقابل، كانت “إسرائيل” هي القوة الوحيدة التي تعاملت مع هذا التحول كفرصة استراتيجية لتصفية الحساب مع ما تبقّى من البنية العسكرية السورية، فمنذ الأسابيع الأولى لانهيار النظام، شنّت “تل أبيب” سلسلة من الضربات الجوية الدقيقة التي دمّرت البنية التحتية للجيش السوري، من منظومات الدفاع الجوي إلى مراكز القيادة ومخازن التسليح الثقيلة بهدف منع أي إمكانية لإعادة بناء جيش وطني مستقل في المدى المنظور.

تحوّل المشهد العسكري السوري إلى مجال مراقبة “إسرائيلي” مفتوح، تتحرك فيه الميليشيات بإيقاع محسوب لا يتجاوز الخطوط الحمراء التي ترسمها تل أبيب من الجو، ولم تعد “الحدود” العسكرية بين سوريا و “إسرائيل” قائمة إلا كرمز، بينما المجال الجوي والسيبراني يخضع تماما للرقابة “الإسرائيلية”.

داخل هذا الفراغ، نشأت معادلة جديدة لا تقوم على مثلث عربي–روسي–أميركي كما في السابق، بل على رباعية نفوذ مرنة:

  • إسرائيل تملك اليد العليا في المجالين العسكري والأمني، وتتحكم في سقف أي إعادة تسلح.
  • تركيا تدير الشمال عبر شبكات النفوذ المحلي والاقتصاد الميداني.
  • روسيا تحافظ على وجود رمزي في الساحل، أقرب إلى “ضمانة نفوذ” منها إلى شريك فعلي.
  • أما الدول العربية، فتبقى ممولا سياسيا لمرحلة إعادة الإعمار لا فاعلا استراتيجيا.

بهذا الترتيب الجديد، لم تعد سوريا دولة “مستقرة”، بل كيانا منضبطا بالقوة، فضاء مراقَب تحرسه الطائرات “الإسرائيلية” من الجو، وتديره الميليشيات على الأرض، وتنسّقه واشنطن من الخارج عبر أدواتها المالية والدبلوماسية.

لم يعد الجيش السوري موجودا، بل حلّت محله بنية عسكرية هجينة متعددة الولاءات، بلا هوية وطنية، تضمن استقرارا هشًا وتمنع، في الوقت نفسه، عودة الدولة بمفهومها الكلاسيكي، وهي الصيغة الأمنية التي رُسمت لسوريا ما بعد 2025 عبر استقرار بالتحكم، لا بالسيادة.

ما بعد القانون – استمرار المراقبة تحت اسم جديد

حتى بعد إلغاء قانون قيصر رسميا، لم ترفع واشنطن يدها عن الملف السوري، ففي أيلول 2025، أُنشئ برنامج بديل بعنوان PAARSS (Promoting Accountability for Assad and Regional Stabilization)، وهو نظام عقوبات ذكي يستهدف الأفراد والشركات التي تُخلّ بالتزامات الحكومة الانتقالية أو تعرقل الإصلاحات، يشبه ما فرضته الولايات المتحدة على العراق بعد 2003، حيث بقيت بعض الكيانات خاضعة للمراجعة رغم سقوط النظام، والهدف هنا مزدوج:

  1. إبقاء واشنطن قادرة على إعادة فرض العقوبات فورا إن خرجت الأمور عن السيطرة.
  2. ضمان أن إعادة الإعمار لن تتحول إلى قناة تمويل للقوى العسكرية.

رفعت واشنطن العقوبات لتفرض وصاية قانونية، لا لتحرر الاقتصاد السوري فعلا.

مآلات الاقتصاد المراقَب

رغم الانفراج النظري، لم يلمس المواطن السوري حتى الآن أثرا مباشرا لرفع العقوبات، فالعملة ما زالت مضطربة، والأسواق تعاني نقص السيولة، والمساعدات العربية تُصرف عبر مؤسسات رقابية خارجية، والاقتصاد السوري يدخل اليوم مرحلة جديدة يمكن تسميتها “اقتصاد الحراسة الدولية”، فهي مفتوحة في الشكل، محكومة في الجوهر.

حتى المشاريع المموّلة عربيا تمر عبر نظام ترخيص مركزي تشرف عليه الخزانة الأميركية بحجة ضمان الشفافية ومنع استغلالها في الفساد أو تمويل جماعات محلية، فيصبح الاقتصاد السوري، للمرة الأولى منذ الاستقلال، منظومة شبه دولية أكثر منه اقتصاد دولة وطنية.

يمكن تلخيص المشهد الجديد في عبارة واحدة: سوريا لم تتحرر من قيصر، بل استعادت شكلا جديدا منه، ورفع العقوبات الشاملة سمح بانفتاح سياسي، لكنه ربط هذا الانفتاح بمنظومة مراقبة معقدة لا تقل وطأة عن الحصار السابق.

قانون قيصر انتهى اسمه، لكن بقيت روحه عبر السيطرة من الخارج على دولة لم تَعُد تُدار بذاتها، بل بموجب خرائط الآخرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *