ليس ثمة اقتصاد يمكنه النجاة طويلا من “الواقع الموازي” الذي يصنعه غياب الثقة، ففي سوريا، صار هذا الواقع هو القاعدة.
شهر أيلول 2025 لم يكن مجرد محطة جديدة في مسار الانهيار البطيء، بل لحظة مكثفة تلخّص كل ما يعتري الاقتصاد السوري من تشوّهات من عملة متهاوية، وأسعار متفلته، وسوق موازية أصبحت أكثر “واقعية” من الرسمية، وطبقة وسطى تتلاشى.
الليرة المرهقة: عملة فقدت مرساتها
في منتصف أيلول، كان الدولار يُتداول في دمشق بنحو 11,300 إلى 11,470 ليرة، مقابل سعر رسمي لا يتجاوز 11,110 ليرة، وهذا الفارق، الذي يبدو طفيفا في ظاهره هو في جوهره مؤشّر انهيار العلاقة بين السوق والمصرف المركزي، فالعملة لم تعد أداة تبادل، بل مقياسا يومياً لمستوى الخوف.
عندما ترتفع الأسعار بنفس إيقاع ارتفاع الدولار، لا يعود هناك تضخم بالمعنى الاقتصادي الكلاسيكي، بل “تكيّف جماعي” مع اللايقين، وكل سلعة تسعَّر وكأنها أصل مالي؛ البطاطا، مثلاً، قفزت إلى 5,500 ليرة للكيلو (بزيادة 22%)، والخيار إلى 9,000 ليرة (بزيادة 47%)، بينما تجاوزت الفاصولياء 40,000 ليرة.
هذا ليس تضخماً فحسب، بل إعادة تعريف للقيمة نفسها، فالمال يفقد وظيفته كمخزن للثروة ومقياس للسعر، ويغدو مجرّد وسيلة عبور مؤقتة نحو شيء أكثر “ثباتا”؛ الذهب أو الدولار أو حتى الزيت النباتي.
بين الذهب والخبز: ملاذ الفقراء والأثرياء
حين يبلغ غرام الذهب عيار 21 قيراطا نحو 1.23 مليون ليرة، يمكننا أن نستنتج شيئا بسيطا؛ السوريون لا يشترون الذهب للزينة، بل كاستراتيجية بقاء، فمنذ أكثر من عقد، صار المعدن الأصفر أكثر أمانا من العملة، وأحيانا من المصارف نفسها، لكن المفارقة أن من يقدر على تحويل مدخراته إلى ذهب بات أقلية ضئيلة؛ أما الباقون فيواجهون تضخما يلتهم ما تبقى من قدرتهم على الحياة.
في الاقتصاد هناك دوما طبقتان من الخاسرين من لا يملكون شيئا، ومن يملكون قليلاً، والليرة السورية في أيلول 2025 ضمنت أن الفريقين يتسابقان في طريق واحد نحو التآكل.
التضخم بوصفه عَرَضا… لا سبباً
يُخطئ من يظن أن ارتفاع الأسعار في سوريا مجرد نتاج لانهيار العملة، فهذا التفسير مريح لكنه سطحي، فالتضخم الحالي تجل لمزيج من العوامل البنيوية، من تراجع الإنتاج الزراعي بفعل الجفاف وارتفاع كلفة الوقود، وتعقيدات الاستيراد بسبب العقوبات، وانقسام السوق إلى مناطق نفوذ متعددة تتداول بعملات مختلفة، فلم يعد الاقتصاد السوري اقتصادا وطنيا، بل شبكة من “اقتصادات محلية” تتعامل أحياناً بعملات موازية (الدولار، الليرة التركية، أو الدينار العراقي).
وبينما تعلن الحكومة أرقاما رسمية متفائلة عبر الحديث عن نموّ 1% في 2025 بحسب البنك الدولي، فإن هذا النموّ يُشبه إعادة تدوير هواءٍ في غرفة مغلقة، فلا استثمارات، ولا صادرات، ولا إنتاج فعلي يخلق قيمة، فهو في الواقع توسّع في القطاع غير الرسمي، وفي المساحات الرمادية التي تقتات على ما تبقى من المؤسسات.
البورصة كمرآة مشروخة
في بلدان أخرى، تُقاس صحة الاقتصاد بمؤشرات الأسهم، أما في سوريا فالمؤشرات تُستخدم لقياس نبض الخوف، فسوق دمشق للأوراق المالية أغلقت في 29 أيلول على تراجع –1.15% (DWX) و –1.48% (DLX) وهذه الأرقام، رغم ضآلتها، تعني الكثير، فالمستثمر المحلي بات يعامل البورصة كما يعامل الليرة كأداة عالية المخاطر.
وراء هذه الأرقام حقيقة أعمق، فالاقتصاد الحقيقي في انكماش، والاقتصاد المالي يعيش على المضاربات قصيرة الأمد، وفي اقتصادٍ طبيعي، المستثمر يبحث عن أرباح مستقبلية؛ في سوريا، يبحث عن وسيلة خروج سريعة.
اقتصاد بلا ثقة… وسياسة بلا إصلاح
ما يجعل الوضع السوري مأزوما ليس فقط العوامل الاقتصادية بل انعدام الثقة بالمؤسسات، فلا يمكن لأي سياسة نقدية أن تنجح في غياب الشفافية والحوكمة، فعندما تُدار الأسواق بالتوجيهات، وتُحدَّد الأسعار بالقرارات الإدارية، تُستبدل آلية السوق بـ”اقتصاد الأوامر” وبنظام لا يعرف العرض والطلب إلا كخيال إحصائي.
الأزمة ليست في الندرة فحسب، بل في تصوّر الندرة، فالمواطن السوري لم يعد يصدق أن الانفراج ممكن، وحتى إن هبط الدولار بضعة مئات من الليرات، فإن الأسواق لا تتراجع، لأن الثقة لا تُقاس بسعر الصرف بل بمدى توقع الاستقرار.
إعادة الإعمار المؤجلة
من منظور الاقتصاد السياسي، تبدو سوريا عالقة في مفارقة، فالكل يتحدث عن “إعادة الإعمار”، لكن لا أحد يعيد البناء فعلا، والسبب عدم وجود بيئة استثمارية، ولا نظام مصرفي شفاف، ولا استقرار تشريعي، والمستثمرون المحليون قبل الأجانب يراقبون المشهد من بعيد، بينما تُدار دورة المال القصيرة في المضاربات والتحويلات الخارجية.
تُشير تقديرات حديثة إلى أن الاقتصاد السوري خسر أكثر من 50% من حجمه منذ 2010، وما يقرب من 800 مليار دولار خلال الحرب، لكن هذه الأرقام لا تعبّر عن المأساة الحقيقية، فهناك جيل كامل فقد الإحساس بالزمن الاقتصادي، ومن الصعب أن تستثمر في بلد لا تعرف فيه ما إذا كانت عملة اليوم ستكفي ثمن الخبز غدا.
“الاقتصاد المزدوج”: بلد داخل بلد
ثمة اقتصادان في سوريا اليوم، الأول رسمي منهك، ويعاني من نقص الموارد، ويعيش على الدعم الجزئي والتحويلات، والثاني غير رسمي، متنوع ومترابط، ويتحكم بالاستيراد والتوزيع وحتى بأسعار الصرف، والمفارقة أن الاقتصاد الثاني هو الذي يمنع الأول من الانهيار التام، لكنه في الوقت ذاته يمنع أي إصلاح حقيقي، لأنه يقوم على مصالح ضيقة لا مصلحة لها في الاستقرار.
هذا ما يمكن تسميته بـ”الاقتصاد المأسور” الذي يبدو حيا لأنه لا يُسمح له بالموت، لكنه عاجز عن الحياة الطبيعية.
من التضخم إلى الانكماش الاجتماعي
الحديث عن الاقتصاد في سوريا لم يعد مقتصرا على الأرقام، فالتضخم لا يعني فقط غلاء الأسعار، بل انهيار الشبكات الاجتماعية، وعندما تصبح البطاطا سلعة رفاهية، واللحوم ذكرى، والرواتب تُستنزف في يومين، فإننا أمام ظاهرة “الانكماش الاجتماعي”، فالأسر تخفّض استهلاكها، والمهن الصغيرة تختفي، والشباب يهاجرون، فيما يتقلص المجال العام إلى حدّ الخوف من المستقبل.
اقتصاد بلا أمل ينتج مجتمعاً بلا طاقة إنتاج. ومع مرور الوقت، يصبح العجز المالي والسياسي متشابكين إلى حدّ لا يمكن فصلهما.
ما بعد القاع
القاع ليس دائماً نهاية الأزمة، بل نقطة إدراكها، وأيلول 2025 لحظة الإدراك في سوريا، فالسوق الموازية لم تعد استثناء، بل القاعدة، والاقتصاد الرسمي فقد صلته بالواقع، والمواطن بات يفهم الاقتصاد أكثر مما يريد الاقتصاديون الاعتراف به، فكل إصلاح بلا شفافية هو مجرّد رقم جديد على ورق قديم.
الانهيار التام ليس وشيكا، لكن الاستقرار الدائم مستحيل ما لم يُعَد تعريف العلاقة بين الدولة والسوق، وبين المواطن والمال، فالاقتصاد ليس جداول أسعار فقط، بل شبكة ثقة متبادلة، وعندما تنقطع هذه الشبكة، يصبح كل سعر مجرد انعكاسٍ لشيء أعمق: الخوف من الغد.
الاقتصاد في سوريا كما يبدو في أيلول 2025 ليس في حالة “تراجع” بل “تحلّل بطيء” وتآكل تدريجي للمؤسسات والقيم الاقتصادية، ولا يمكن علاجه بسياسات نقدية معزولة، فالعلاج الحقيقي يبدأ بإصلاح سياسي يُعيد تعريف الثقة كمورد اقتصادي لا يقل أهمية عن النفط أو القمح، ودون ذلك سيبقى السوريون يعيشون في اقتصاد “ما بعد السوق”، حيث لا شيء يُباع أو يُشترى دون أن يمرّ أولا بمصفاة الخوف، والليرة ليست سوى ورق يتذكّر أيامه القديمة كعملة.
\
ملخص الأزمة الاقتصادية في سوريا – أيلول 2025
- سعر صرف الدولار في السوق الموازية: 11,300 – 11,470 ليرة (مقابل 11,110 ليرة رسمياً)
- ارتفاع أسعار المواد الغذائية: البطاطا (+22%)، الخيار (+47%)
- ارتفاع سعر الذهب إلى 1.23 مليون ليرة للغرام عيار 21
- انخفاض مؤشرات البورصة: -1.15% (DWX) و -1.48% (DLX)
- اقتصاد مزدوج: رسمي منهك وغير رسمي يتحكم بالأسواق
- انعدام الثقة بالمؤسسات وغياب الشفافية
*المصدر: تقديرات مبنية على بيانات من مواقع عقارية سورية عام 2025. الأسعار تقريبية وتختلف حسب المنطقة.

