كيف قصتها إلى مرآة لِغُموض البلاد
في صباحٍ بارد من شتاء حمص، خرجت الدكتورة رشا ناصر العلي من بيتها كعادتها متجهة إلى كلية الآداب في جامعة حمص، تحمل أوراقها الجامعية وتلوّح لزميلٍ مرّ مصادفة بسيارته، لم تكن تدري أنّ الطريق القصير بين منزلها والجامعة سيغدو أطول مسافة في حياتها؛ مسافة بين الظهور والغياب.
بعد ساعات، بدأت الأخبار تتسرّب: “اختطاف أكاديمية سورية في حمص”، لم يكن الاسم مألوفا على شاشات الأخبار، لكنه سرعان ما صار عنوانا يتردّد على ألسنة الناس، وعلى صفحات فيسبوك، وفي أحاديث الجامعة، وفي الصحافة الدولية التي وجدت في الحادثة مرآة جديدة لحكاية بلد تعوّد أن يفقد أبناءه فجأة، بلا أثر.
امرأة في زمن الصمت
كانت رشا ناصر العلي أستاذة للّغة العربية في جامعة حمص، عضوة في اتحاد الكتّاب العرب، وابنة لحقوقي سوري يعيش في باريس، وتنتمي إلى جيلٍ آمن بالكلمة والتعليم بوصفهما مقاومة ناعمة في وجه التفسّخ والعنف.
لكن في سوريا اليوم الحلم بالتعليم نفسه مخاطرة.
زملاؤها في الكلية يصفونها بالهادئة والحازمة والمتقنة للفصحى، وصارمة في قاعة الدرس، غير أنّ شخصيتها الأكاديمية لم تمنعها من أن تصبح مادة لشائعات متضاربة، قيل إنها “تضطهد الطالبات المحجبات”، وقيل إنها “تدافع عن الحرية الشخصية”، وقيل أيضاً إنها “ضحية فوضى لا يعرف أحد من يقف وراءها”.
في بلدٍ تُكتب فيه القصص بمداد الخوف، يصعب أن تعرف أيّ رواية أقرب إلى الحقيقة.
المدينة التي تبتلع أبناءها
حمص، المدينة التي صارت في الإعلام عنوانا للقتل المجاني، تحاول أن تعود إلى رتابتها القديمة، فهناك باعة على الأرصفة، وطلاب يتجهون إلى الجامعة، وأصوات الأذان يختلط بزحمة السيارات، لكنّ المدينة تحمل تحت جلدها توترا صامتاً يجعل أي غياب يتحوّل إلى إشاعة، وأي إشاعة إلى احتمال مأساة.
في الأيام التي تلت اختفاءها، تداولت صفحات على وسائل التواصل صورا متضاربة، بعضها يزعم العثور على جثمانها، وبعضها يؤكد أنها على قيد الحياة في مكان ما.
الجهات الرسمية نفت كل شيء، ثم التزمت الصمت.
وهكذا صار غيابها حدثا قائما بذاته، يزداد حضورا كلّما خفّ الحديث عنه.
الخبر ككابوس جماعي
حين يُختطف شخصٌ في مدينةٍ مثل حمص، لا يُختطف وحده.
يُختطف معه الإحساس بالأمان، والذاكرة الجماعية وربما لهذا السبب تحوّلت قصة رشا إلى “اختبار للثقة” بين الناس والإعلام والدولة، فمن يملك الحقيقة؟
وكما في كلّ قصص الغموض السورية، بدا الجميع يعرف القليل، أكثر مما ينبغي، وأقلّ مما يكفي.
ما وراء الغياب
ما يجعل هذه الحكاية مثيرة للقلق ليس فقط اختطاف أكاديمية بارزة، بل كونها امرأة مثقّفة تعمل في فضاء يُفترض أن يكون الأكثر أمانا في البلاد.. الجامعة.
أن تختفي أستاذة جامعية في وضح النهار، يعني أن المسافة بين التعليم والخطر صارت أضيق مما نتخيّل، وأن الخوف لم يعد يسكن الشوارع وحدها، بل تسلّل إلى قاعات المحاضرات ورفوف الكتب، وصمت الطلّاب الذين تعلّموا أن لا يسألوا كثيرا,
ماذا نعرف؟ وماذا نختار أن نعرف؟
حتى الآن، لا أحد يملك إجابة نهائية:
- لم يُعلن عن الجهة التي اختطفتها.
- لم يُعثر على جثمانها.
- ولم يصدر عن جامعة حمص أو اتحاد الكتّاب بيان يشرح ما جرى.
لكنّ كلّ هذا الصمت، في ذاته، لغة.
لغة الخوف التي تتكلّم بها البلدان حين تعجز عن حماية أساتذتها، أو عن تبرير اختفائهم.
البلاد التي تدرّس الصبر
ربما تكون رشا ناصر العلي، في مكان ما، تقرأ الآن ما يُكتب عنها.
وربما لن نعرف أبداً مصيرها.
لكنّ قصتها ـ مثل قصص كثيرين قبلها ـ تذكرنا بأن التعليم في سوريا ليس مجرد مهنة؛ إنه فعل إيمان بأن الكلمة يمكن أن تنقذ شيئا من الظلام.
وإذا كانت رشا اختفت في وضح النهار، فإن ضوء السؤال عنها لا يزال أقوى من كلّ صمتٍ يحيط بها.
هوامش وتوثيق
- تقارير الشرق، سكاي نيوز عربية، العربي الجديد، العربية نت، NPA Syria كانون الثاني 2025 – تشرين الأول 2025.
- شهادات منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي من طلاب جامعة حمص.
- بيانات الأمن في محافظة حمص (نفي العثور على الجثمان – 25 كانون الثاني 2025).
الاختفاء في وضح النهار: قصة الأكاديمية السورية رشا ناصر العلي
في صباح بارد من شتاء حمص، خرجت الدكتورة رشا ناصر العلي من بيتها إلى كلية الآداب في جامعة حمص، ولم تكن تدري أنّ الطريق القصير بين منزلها والجامعة سيغدو أطول مسافة في حياتها؛ مسافة بين الظهور والغياب.
الجداول الزمنية للأحداث
اختفاء الدكتورة رشا ناصر العلي في طريقها إلى جامعة حمص
بيانات الأمن في محافظة حمص تنفي العثور على الجثمان
انتشار أخبار وشائعات متضاربة حول مصيرها على وسائل التواصل
تغطية إعلامية دولية للقصة كرمز لاختفاء المثقفين في سوريا
لا تزال القضية بدون حل أو إجابات واضحة
إحصائيات حول القضية
توزيع الروايات والشائعات حول الحادثة
حقائق رئيسية في القضية
- الدكتورة رشا ناصر العلي كانت أستاذة للّغة العربية في جامعة حمص
- عضوة في اتحاد الكتّاب العرب وابنة لحقوقي سوري يعيش في باريس
- تنتمي إلى جيل آمن بالكلمة والتعليم كشكل من أشكال المقاومة الناعمة
- شخصيتها الأكاديمية لم تمنعها من أن تصبح مادة لشائعات متضاربة
- لم يُعلن عن الجهة التي اختطفتها ولم يُعثر على جثمانها
- لم تصدر عن جامعة حمص أو اتحاد الكتّاب بيان يشرح ما جرى
“إذا كانت رشا اختفت في وضح النهار، فإن ضوء السؤال عنها لا يزال أقوى من كلّ صمتٍ يحيط بها.”
مصادر: تقارير الشرق، سكاي نيوز عربية، العربي الجديد، العربية نت، NPA Syria – كانون الثاني 2025 – تشرين الأول 2025


يا حيف يا بلد والمؤلم سكوت الشعب السوري وغض الطرف عن هكذا مأساة وعدم المطالبة بالمحاسبة الصارمة وعودة المخطوفين وتحديد مصيرهن
يا حيف يا بلد والمؤلم سكوت الشعب السوري وغض الطرف عن هكذا مأساة وعدم المطالبة بالمحاسبة الصارمة وعودة المخطوفين وتحديد مصيرهن
اعلم سترفضون تعليقي لانكم لا تريدون حلول جذرية لأهم قضية توجع الناس وكل السوريين