في الرياض، وأمام جمهور من المستثمرين والمسؤولين الدوليين، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع أن بلاده “استقطبت نحو 28 مليار دولار من الاستثمارات خلال الأشهر العشرة الماضية”.
رقم لافت، بدا للوهلة الأولى بمثابة إعلان عودة سوريا إلى الخريطة الاقتصادية الإقليمية بعد عقد من الحرب والعزلة، غير أن جوهر السؤال الاستقصائي لا يتعلق بوقع الرقم، بل بأصله، ومصداقيته، ودلالاته السياسية والاقتصادية.
من أين أتى الرقم؟
تتبّع التصريح عبر أكثر من ستّ وسائل إعلامية يُظهر تباينا في التفاصيل، فوكالة سانا الرسمية تحدثت عن “استثمارات بقيمة 28 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى”، فيما نقلت رويترز وفايننشال تايمز أن الرقم يغطي “عشرة أشهر منذ التغيير في السلطة”، وهذا التفاوت الزمني ليس تفصيلا لغويا؛ بل مؤشر على غياب مرجعية محاسبية دقيقة، أو حتى تعريف موحّد لما يُعتبر “استثمارا”.
عند مراجعة الاتفاقيات الاستثمارية المعلنة رسميا منذ مطلع العام، نجد أن حجم العقود الموقّعة لا يتجاوز 14 مليار دولار، بحسب أسوشييتد برس، وتشمل توسعة مطار دمشق، وإنشاء شبكة مترو جديدة في العاصمة، واستثمارات سعودية وإماراتية في مجالات الطاقة والعقارات، أي أن الرقم المعلَن أعلى بضعف الموثّق فعليا.
المرجّح إذن أن الـ28 مليار تتضمن مذكرات تفاهم (MoUs) واتفاقيات نوايا لم تتحول بعد إلى تدفقات مالية، أو أنها تشمل استثمارات محلية أعيد احتسابها ضمن الرصيد الكلي بهدف تضخيم الأثر الإعلاني.
الاقتصاد السياسي للرقم
في اقتصادات ما بعد النزاعات، تستخدم الأرقام الاستثمارية كأداة سياسية بقدر ما هي أداة اقتصادية، وفي الحالة السورية الرقم ليس مجرد تقدير مالي، بل إشارة رمزية إلى عودة الثقة الدولية، ورسالة موجّهة لثلاث فئات:
- الداخل السوري الذي يحتاج إلى بارقة أمل اقتصادية.
- المجتمع الإقليمي الذي يختبر فكرة “تطبيع” اقتصادي مع سلطة دمشق الجديدة.
- الجهات المانحة والمستثمرين الدوليين الذين يتريّثون في ضخّ رؤوس أموال في بيئة لم تستقر بعد مؤسساتها القانونية والمالية.
لكن تحليل مضمون التصريح يكشف مفارقة هيكلية، ففي الوقت الذي يُعلن فيه الشرع عن استثمارات بمليارات الدولارات، يقدّر البنك الدولي الناتج المحلي الإجمالي لسورية لعام 2025 بنحو38 مليار دولار فقط بالقيمة الاسمية، أي أن الرقم المعلَن يوازي 73% من الناتج المحلي الإجمالي وهي نسبة تكاد تكون غير مسبوقة في اقتصاد يخرج من صراع.
حتى في تجارب إعادة الإعمار الكبرى مثل البوسنة والعراق، لم تتجاوز نسبة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر 15–20 % من الناتج خلال السنوات الأولى، وهذا الفارق يدفع إلى التشكيك بأن الرقم السوري أقرب إلى “إعلان نيات” منه إلى “تدفقات محققة”.
بنية الاستثمارات المزعومة
عند تفكيك الرقم إلى مكوناته القطاعية وفق ما نشرته المصادر الرسمية:
- الطاقة والنفط والغاز9 مليارات دولار (منها مشاريع سعودية وروسية مشتركة).
- البنية التحتية والنقل6 مليارات دولار (مطار دمشق، شبكة المترو، طرق سريعة).
- العقارات والسياحة8 مليارات دولار.
- الزراعة والصناعات الغذائية2 مليار دولار.
- المصارف والخدمات المالية3 مليارات دولار.
لكن مراجعة هذه الأرقام تكشف أن معظمها لم يُنفذ بعد أو لا يزال في طور التفاوض، بل إن بعض المشاريع أُدرجت مرتين في تصريحات مختلفة (كمشروع تطوير الميناء الجنوبي في طرطوس الذي أُعلن عنه مرتين ضمن حزم مختلفة)، يُرجَّح أن الرقم الكلي ناتج عن جمع مزدوج (double counting) لمشاريع متعددة الأطوار.
مؤشرات الواقع الميداني
إذا كانت الاستثمارات تدفقت بهذا الحجم فعلا لكان لذلك أثر واضح في المؤشرات الكلية، لكن الواقع يُظهر العكس:
- سعر صرف الليرة السورية الجديدة لم يشهد تحسّنا يوازي تدفقات بهذا الحجم؛ ما يعني غياب تدفقات نقدية حقيقية.
- الاحتياطيات الأجنبية لدى المصرف المركزي بقيت في حدود 1.8 مليار دولار، دون زيادة تُذكر.
- نمو الناتج المحلي الحقيقي لم يتجاوز 3.2 % وفق تقديرات “الإسكوا”، وهي نسبة متواضعة قياساً بحجم الاستثمار المفترض.
- القطاع المصرفي ما زال يعاني شحّ السيولة، ونسبة القروض المتعثّرة تفوق 35%.
عمليا فإن الأثر الكلي غير متناسب مع الرقم المعلَن.
تفسير محتمل — بين الاقتصاد الرمزي والدعاية السياسية
يمكن فهم التصريح في إطار ما يسميه الاقتصاديون “الاقتصاد الرمزي للاستثمار”؛ فيتم استخدام الأرقام بوصفها مؤشرات ثقة أكثر منها بيانات مالية دقيقة، والهدف خلق سردية اقتصادية جديدة تُقنع الفاعلين المحليين والدوليين بأن مرحلة ما بعد الأسد تمثل “بيئة جديدة للأعمال”.
لكن استخدام الأرقام بهذه الطريقة يحمل مخاطر مزدوجة:
- فقدان المصداقية الدولية إذا تبيّن لاحقا أن الأرقام مضخّمة أو غير دقيقة.
- تشويه التوقعات المحلية، إذ يرفع سقف الآمال الاقتصادية بما يتجاوز قدرة الدولة على التنفيذ الفعلي.
وبيّنت تجربة مصر بعد 2014، على سبيل المثال، أن المبالغة في الإعلان عن أرقام استثمارية غير محققة أدت إلى تآكل الثقة الاستثمارية لاحقا، عندما لم تتحقق الوعود في الواقع.
المعادلة الغائبة — الإصلاح المؤسسي
حتى لو كانت هناك نية صادقة في جذب استثمارات بهذا الحجم، فإن بنية المؤسسات السورية ما زالت هشّة، ومؤشرات الحوكمة العالمية (World Governance Indicators) تضع سورية في المرتبة 186 من أصل 192 في مكافحة الفساد، و183 في فعالية الحكومة.
أي أن تدفق 28 مليار دولار في بيئة كهذه يتعارض مع القواعد الاقتصادية الأساسية، فرأس المال لا يذهب إلى حيث المخاطر داخل المؤسسات مرتفعة، إلا إذا كان استثمارا سياسياً أو صفقة مغلقة بين دول.
وبالنظر إلى التركيبة الجغرافية للمستثمرين، السعودية والإمارات وروسيا والصين، فإن الاستثمارات المعلَنة تحمل طابعاً جيوسياسيا أكثر من طابعها الاقتصادي البحت، فهي جزء من إعادة توزيع النفوذ في سورية الجديدة، أكثر من كونها تدفقات سوقية بحتة.
المعنى الحقيقي للرقم
حين يصرّح الرئيس الشرع بأن “سورية جذبت 28 مليار دولار”، لا يمكن قراءة الجملة اقتصاديا فقط، فالرقم هو إشارة إلى موقع جديد لسورية في خريطة التحالفات الإقليمية، ورسالة إلى الغرب مفادها أن “الاستثمار يمكن أن يكون بديلاً عن العقوبات”.
لكن من منظور تحليل اقتصادي نقدي، لا بد من القول إن الرقم لا يصمد أمام اختبار المراجعة المالية، حيث لا تتوافر بيانات مصرفية، ولا تدفقات مؤكدة، ولا زيادة في الاحتياطي، ولا تحسن مواز في المؤشرات الكلية، ما يجعل الرقم أقرب إلى “تقدير دعائي” ضمن خطاب سياسي يهدف إلى ترسيخ صورة بلد يتعافى، أكثر من كونه يعكس حقيقة مالية.
بين الرمزية والواقع
إن تتبّع أصل الـ28 مليار دولار يقودنا إلى خلاصة بسيطة، فالرقم موجود في الخطاب، لكنه غائب في البيانات، وهو انعكاس لطموح سياسي أكثر منه إنجاز اقتصادي، وفي نفس الوقت لا يمكن تجاهل أن هذا الطموح نفسه يعكس تحولا في المزاج الإقليمي تجاه سوريا، وإدراكا بأن مرحلة إعادة الإعمار مهما تأخرت ستحتاج إلى رواية اقتصادية جديدة.
يبقى التحدي الحقيقي في ترجمة هذه الرواية إلى حقائق مالية ومؤسسية قابلة للقياس، بحيث تتحول الأرقام من أدوات دعائية إلى مؤشرات أداء حقيقية، وحتى يحدث ذلك، سيظل الرقم 28 مليار دولار رمزا لصراع سردي أكثر منه واقعا اقتصاديا.
تحليل تصريح الـ28 مليار دولار في سوريا
بين الأرقام والسياسة: تفكيك لغز الـ28 مليار دولار في التصريحات السورية الأخيرة
الفجوة بين التصريح والواقع
الرقم المعلن (28 مليار دولار) يزيد بضعفين عن العقود الموثقة فعلياً (14 مليار دولار)، مما يشير إلى تضخيم إعلامي.
توزيع الاستثمارات المزعومة
معظم الاستثمارات المعلنة في قطاعات الطاقة والعقارات، لكنها لم تتحول بعد إلى تدفقات مالية فعلية.
الاستثمارات المعلنة
الرقم الذي أعلنه الرئيس السوري
الاتفاقيات الموثقة
حسب تقارير وكالات الأنباء الدولية
فجوة المصداقية
الفرق بين المعلن والموثق
توزيع القطاعات
سعر الصرف
رغم التصريحات
الاحتياطي الأجنبي
بدون زيادة تذكر
النمو الاقتصادي
نسبة متواضعة
السيولة المصرفية
نسبة القروض المتعثرة 35%
مؤشرات التناقض مع الواقع الاقتصادي
الأثر الكلي للاستثمارات المعلنة غير متناسب مع الرقم المعلن، مما يثير الشكوك حول مصداقيته.
الاستنتاج الرئيسي
الرقم “28 مليار دولار” موجود في الخطاب لكنه غائب في البيانات. هو انعكاس لطموح سياسي أكثر من كونه إنجازاً اقتصادياً، ويمثل “اقتصاداً رمزياً” يهدف إلى خلق سردية جديدة عن سوريا ما بعد الحرب.

