الاقتصاد السوري بعد سقوط النظام: عام التحوّل بين فقدان العدالة وإرث الخراب
بعد عام على سقوط النظام السوري، يقف الاقتصاد الوطني كما يقف المريض الذي أفاق من غيبوبة طويلة، فيفتح عينيه على واقع لا يشبه ما تركه قبل أن يغفو، فما نشهده في نهاية عام 2025 ليس مجرد أزمة أسعار أو خلل في مؤشرات الإنتاج، بل صورة لأمة تبحث عن ذاتها بين أطلال نموذج اقتصادي انتهى، ومحاولات دون استراتيجية اقتصادية توازن بين الحاجة وإكراهات السوق.
إنه عام الحساب الصامت، حيث تتقاطع ذاكرة الانهيار مع وعود التعافي، فالدولة الوليدة من رماد الحقبة السابقة ألغت كل ترتيبات المؤسسات المالية والإدارية للنظام السابق، بينما يترنّح المجتمع بين الرغبة في الاستقرار والخوف من مأساة أقسى.
المفارقة الكبرى أن سقوط النظام لم يكن خاتمة الأزمة الاقتصادية، بل بدايتها الحقيقية، فأصبحت البلاد بلا شبكة دعم فعالة، وباقتصاد تم إفراغه من أدواته عبر “تصفية” أدوات الدولة، وبعملة فقدت معناها الرمزي قبل قيمتها المادية.
تكشف البيانات الاقتصادية للعام الأول بعد التغيير عن صورة دقيقة لعطب هيكليٍ عميق؛ لتر البنزين الذي بلغ سعره الرسمي نحو 10,200 ليرة سورية، وسلة غذائية متوسطة الكلفة تتجاوز الدخل الشهري لمعظم الأسر، وشريحة كهرباء منزلية بسعر 600 ليرة للكيلوواط.
هذه الأرقام تختزل مأساة كاملة في الاقتصاد السوري: بلد يحاول أن يعيش بلا طاقة كافية، بلا غذاء ميسر، وبلا يقين، وخلف الأرقام الباردة تكمن حكاية موجعة، فالسياسة الاقتصادية تُدار بمنطق “إدارة الندرة” لا بمنطق التنمية، وتتحرك داخل متاهة من الارتجال السياسي والارتباط المالي الخارجي، فبين محاولة استعادة الثقة بالعملة المحلية، ورغبة المؤسسات الجديدة في إثبات كفاءتها، ضاع جوهر النقاش الاقتصادي، فكيف نعيد بناء دولة تنتج، لا دولة تقتات على ما تبقى من مواردها.
إعادة الإعمار قبل البناء
منذ الأشهر الأولى لسقوط النظام، تبيّن أن التحدي الاقتصادي في سوريا لم يكن في “إعادة الإعمار” بالمعنى المادي، بل في إعادة تعريف فكرة الدولة نفسها.
فالإصلاحات التي أُعلنت من تحرير تدريجي للأسعار، وضبط الدعم، وإعادة هيكلة العملة، لم تُبن على رؤية اقتصادية متكاملة، بل جاءت بالدرجة الأولى استجابة لاحتياجات السلطة، ولضغوط دولية وجهود محلية لإبقاء الدولة الجديدة واقفة على قدميها.
تجلّى ذلك في قرارات رفع أسعار الكهرباء والوقود في منتصف 2025، التي كان يُفترض أن تعيد التوازن المالي للخزينة، لكنها أطلقت موجة تضخم ثانية أرهقت المواطن الذي بالكاد التقط أنفاسه بعد الحرب، وأصبح الاقتصاد السوري يشبه رجلا يحاول الجري في وحلٍ كثيف، فكل خطوةٍ إلى الأمام تتبعها غوص في الأرض.
ورثت الحكومة الانتقالية اقتصادا يعاني من العقوبات، فعملته منهارة، وقطاع العام مترهل، لم تنتظر السلطة الجديدة كثيرا فقامت بخصخصة صامتة، وتحرير تدريجي تحت مسمى “التنظيم الاقتصادي”، وخلقت طبقتها الاقتصادية الجديدة التي قدمت معها من مناطق نفوذ المعارضة في الشمال الغربي.
الدولة بلا أدوات… والمجتمع بلا حماية
تسلم سلطة جديدة لا يعني القفز بالمجتمع إلى حالة الرخاء الإقتصادي، والبناء على أنقاض بنية إقتصادية منهارة بعد 14 سنة حرب، دون رؤية وطنية شاملة، والنتيجة أن السياسات التي اتُخذت خصوصاً في قطاع الطاقة والاتصالات قامت على منطق تحميل المواطن كل خسائر الحرب.
الكهرباء التي بات سعرها للمنازل 600 ليرة للكيلوواط في الشريحة الأولى، و1800 ليرة في الشريحة الصناعية، لم تتحسن خدماتها، والاتصالات التي ارتفعت أسعارها إلى مستويات غير مسبوقة (190 ألف ليرة لباقات الإنترنت الشهرية) لم ترافقها أي بنية رقمية حديثة.
تحوّل الاقتصاد إلى شبكة من الرسوم والإتاوات الرسمية، تُحصل باسم “إعادة الإعمار”، بينما يزداد الفقر اتساعا.
في المقابل، نشأ اقتصاد مواز قوامه تحويلات المغتربين وتجارة المواد المستوردة عبر الحدود الشمالية والشرقية، حيث استقرت عملات أخرى كوسيط للتبادل، وهذا الانقسام بين اقتصاد رسمي ضعيف واقتصاد ظلّ ديناميكي؛ جعل الدولة عاجزة عن وضع سياسة مالية موحدة أو تقدير دقيق لحجم الناتج المحلي.
الليرة كمرآة للثقة
في اقتصاد ما بعد السقوط، لم تعد الليرة السورية مجرد أداة تبادل، بل أصبحت مقياسا للثقة الوطنية، ومع كل تقلب في سعر الصرف، كان الشارع يقرأ رسائل سياسية بقدر ما يقرأ إشارات اقتصادية.
تثبيت السعر عند حدود 11,000 ليرة للدولار في منتصف 2025 لم يكن نجاحا نقديا إنما هدنة مالية بين الحكومة ومكاتب الصراف التي احتجزت الكتلة النقدية السورية، وأدت إلى عجز المصارف عن توفير كتلة نقدية بالليرة السورية، كما أن غياب سياسة نقدية صلبة واستمرار العجز التجاري أبقيا الليرة معلّقة بين السماء والأرض، لا تسقط تماما ولا تستقر.
إن استعادة الثقة بالعملة ليست مسألة إجراءات مصرفية، بل مسألة سردية وطنية، فلا يمكن أن تؤمن بعملة لا تؤمن بدولتها، ولأن الدولة الجديدة ما زالت تبحث عن شكلها، ظلت الليرة تبحث عن وزنها.
من إدارة الأزمة إلى إنتاجها
في علم الاقتصاد السياسي، تُقاس فعالية الدولة بقدرتها على تحويل الأزمات إلى فرص، لكن ما حدث في سوريا خلال عام ما بعد السقوط هو العكس تماما، فالدولة لم تُدِر الأزمة، بل أصبحت هي من ينتجها. غياب الشفافية في القرارات الاقتصادية، وتعدد مراكز القرار المالي، جعلا كل إصلاح محتمل يولد مشوها.
رفع الدعم مثلاً لم يُرافقه نظام حماية اجتماعية فعلي، بل بيانات رسمية تدعو إلى “الصبر الوطني” و”التقشف التضامني”، عبارات جميلة تخفي فراغا مؤسساتيا فاضحا.
اقتصاد العدالة المؤجلة
في الأسابيع الأولى بعد السقوط، حملت بعض شرائح من الشارع السوري أملا كبيرا في أن تكون المرحلة الجديدة بداية “اقتصاد العدالة” عبر نظام يوزع الموارد لا الامتيازات، ويدعم الإنتاج لا الولاء، لكن بعد عام، تلاشى هذا الأمل كليا، فظهرت نخب مالية جديدة تمسك بمفاصل التجارة والاستيراد، فيما تراجع القطاع الزراعي بسبب انقطاع الدعم وتدهور البنية التحتية.
تحوّل الخطاب الرسمي من “اقتصاد العدالة” إلى “اقتصاد الأولويات”، وهي لغة واقعية لكنها باردة، تبرر كل تراجع باسم “المصلحة الوطنية” ما يُفقد الإصلاح معناه الأخلاقي، ويصبح الاقتصاد أداة إدارة، لا أداة تحرر.
طريق الاستقرار… لا طريق الازدهار
المرحلة الانتقالية في سوريا ما بعد النظام تشبه عبور حقل ألغام اقتصادي: كل خطوة محسوبة، وكل خطأ مكلف. لكن هذا الحذر المفرط جعل الحكومة الجديدة تتردد في اتخاذ قرارات جريئة مثل الإصلاح الضريبي أو إعادة هيكلة الدعم على نحو شفاف.
أصبح الهدف الضمني هو الاستقرار المالي لا النمو الاقتصادي، أي تجميد الأزمة بدلا من حلها، لكن التجارب تؤكد أن الدول لا تبنى بالهدوء بل بالمخاطرة المحسوبة، فالتنمية ليست ثمرة الصبر، بل نتيجة الجرأة السياسية، وما تحتاجه سوريا اليوم ليس مزيدا من الوعود، بل مشروعا اقتصاديا أخلاقيا يعيد الثقة بالمستقبل.
بين الذاكرة والمستقبل
حين تسقط الأنظمة، غالبا ما ينهض من تحتها اقتصاد هجين نصفه ماض ونصفه حلم، والاقتصاد السوري اليوم يعيش هذا الانقسام بعمق.
ضمن المرحلة السورية اليوم انتهى زمن الشعارات الكبرى التي حملت أحلام جيل رواد الاستقلال ومراحل الستينات أيضا، من “الاكتفاء الذاتي” إلى “الاقتصاد المقاوم” و “دعم المواطن”، وباتت البلاد أمام امتحان بسيط في صيغته، صعب في جوهره، فكيف يمكن بناء دولة تعيش من إنتاجها لا من مساعداتها، ومن قانونها لا من استثنائها، من عقلها لا من خوفها؟
إن عام 2025، العام الأول بعد سقوط النظام، ليس نهاية الأزمة السورية بل بدايتها الحديثة؛ مواجهة الذات فإما أن تتحرر اقتصاديا لتبني جمهوريتها الجديدة، أو تبقى أسيرة الحرب والدمار وهي ترتدي ثوب المستقبل.
بعد عام على سقوط النظام السوري، يقف الاقتصاد الوطني كما يقف المريض الذي أفاق من غيبوبة طويلة، فيفتح عينيه على واقع لا يشبه ما تركه قبل أن يغفو، فما نشهده في نهاية عام 2025 ليس مجرد أزمة أسعار أو خلل في مؤشرات الإنتاج، بل صورة لأمة تبحث عن ذاتها بين أطلال نموذج اقتصادي انتهى، ومحاولات دون استراتيجية اقتصادية توازن بين الحاجة وإكراهات السوق.
إنه عام الحساب الصامت، حيث تتقاطع ذاكرة الانهيار مع وعود التعافي، فالدولة الوليدة من رماد الحقبة السابقة ألغت كل ترتيبات المؤسسات المالية والإدارية للنظام السابق، بينما يترنّح المجتمع بين الرغبة في الاستقرار والخوف من مأساة أقسى.
المفارقة الكبرى أن سقوط النظام لم يكن خاتمة الأزمة الاقتصادية، بل بدايتها الحقيقية، فأصبحت البلاد بلا شبكة دعم فعالة، وباقتصاد تم إفراغه من أدواته عبر “تصفية” أدوات الدولة، وبعملة فقدت معناها الرمزي قبل قيمتها المادية.
تكشف البيانات الاقتصادية للعام الأول بعد التغيير عن صورة دقيقة لعطب هيكليٍ عميق؛ لتر البنزين الذي بلغ سعره الرسمي نحو 10,200 ليرة سورية، وسلة غذائية متوسطة الكلفة تتجاوز الدخل الشهري لمعظم الأسر، وشريحة كهرباء منزلية بسعر 600 ليرة للكيلوواط.
هذه الأرقام تختزل مأساة كاملة في الاقتصاد السوري: بلد يحاول أن يعيش بلا طاقة كافية، بلا غذاء ميسر، وبلا يقين، وخلف الأرقام الباردة تكمن حكاية موجعة، فالسياسة الاقتصادية تُدار بمنطق “إدارة الندرة” لا بمنطق التنمية، وتتحرك داخل متاهة من الارتجال السياسي والارتباط المالي الخارجي، فبين محاولة استعادة الثقة بالعملة المحلية، ورغبة المؤسسات الجديدة في إثبات كفاءتها، ضاع جوهر النقاش الاقتصادي، فكيف نعيد بناء دولة تنتج، لا دولة تقتات على ما تبقى من مواردها.
إعادة الإعمار قبل البناء
منذ الأشهر الأولى لسقوط النظام، تبيّن أن التحدي الاقتصادي في سوريا لم يكن في “إعادة الإعمار” بالمعنى المادي، بل في إعادة تعريف فكرة الدولة نفسها.
فالإصلاحات التي أُعلنت من تحرير تدريجي للأسعار، وضبط الدعم، وإعادة هيكلة العملة، لم تُبن على رؤية اقتصادية متكاملة، بل جاءت بالدرجة الأولى استجابة لاحتياجات السلطة، ولضغوط دولية وجهود محلية لإبقاء الدولة الجديدة واقفة على قدميها.
تجلّى ذلك في قرارات رفع أسعار الكهرباء والوقود في منتصف 2025، التي كان يُفترض أن تعيد التوازن المالي للخزينة، لكنها أطلقت موجة تضخم ثانية أرهقت المواطن الذي بالكاد التقط أنفاسه بعد الحرب، وأصبح الاقتصاد السوري يشبه رجلا يحاول الجري في وحلٍ كثيف، فكل خطوةٍ إلى الأمام تتبعها غوص في الأرض.
ورثت الحكومة الانتقالية اقتصادا يعاني من العقوبات، فعملته منهارة، وقطاع العام مترهل، لم تنتظر السلطة الجديدة كثيرا فقامت بخصخصة صامتة، وتحرير تدريجي تحت مسمى “التنظيم الاقتصادي”، وخلقت طبقتها الاقتصادية الجديدة التي قدمت معها من مناطق نفوذ المعارضة في الشمال الغربي.
الدولة بلا أدوات… والمجتمع بلا حماية
تسلم سلطة جديدة لا يعني القفز بالمجتمع إلى حالة الرخاء الإقتصادي، والبناء على أنقاض بنية إقتصادية منهارة بعد 14 سنة حرب، دون رؤية وطنية شاملة، والنتيجة أن السياسات التي اتُخذت خصوصاً في قطاع الطاقة والاتصالات قامت على منطق تحميل المواطن كل خسائر الحرب.
الكهرباء التي بات سعرها للمنازل 600 ليرة للكيلوواط في الشريحة الأولى، و1800 ليرة في الشريحة الصناعية، لم تتحسن خدماتها، والاتصالات التي ارتفعت أسعارها إلى مستويات غير مسبوقة (190 ألف ليرة لباقات الإنترنت الشهرية) لم ترافقها أي بنية رقمية حديثة.
تحوّل الاقتصاد إلى شبكة من الرسوم والإتاوات الرسمية، تُحصل باسم “إعادة الإعمار”، بينما يزداد الفقر اتساعا.
في المقابل، نشأ اقتصاد مواز قوامه تحويلات المغتربين وتجارة المواد المستوردة عبر الحدود الشمالية والشرقية، حيث استقرت عملات أخرى كوسيط للتبادل، وهذا الانقسام بين اقتصاد رسمي ضعيف واقتصاد ظلّ ديناميكي؛ جعل الدولة عاجزة عن وضع سياسة مالية موحدة أو تقدير دقيق لحجم الناتج المحلي.
الليرة كمرآة للثقة
في اقتصاد ما بعد السقوط، لم تعد الليرة السورية مجرد أداة تبادل، بل أصبحت مقياسا للثقة الوطنية، ومع كل تقلب في سعر الصرف، كان الشارع يقرأ رسائل سياسية بقدر ما يقرأ إشارات اقتصادية.
تثبيت السعر عند حدود 11,000 ليرة للدولار في منتصف 2025 لم يكن نجاحا نقديا إنما هدنة مالية بين الحكومة ومكاتب الصراف التي احتجزت الكتلة النقدية السورية، وأدت إلى عجز المصارف عن توفير كتلة نقدية بالليرة السورية، كما أن غياب سياسة نقدية صلبة واستمرار العجز التجاري أبقيا الليرة معلّقة بين السماء والأرض، لا تسقط تماما ولا تستقر.
إن استعادة الثقة بالعملة ليست مسألة إجراءات مصرفية، بل مسألة سردية وطنية، فلا يمكن أن تؤمن بعملة لا تؤمن بدولتها، ولأن الدولة الجديدة ما زالت تبحث عن شكلها، ظلت الليرة تبحث عن وزنها.
من إدارة الأزمة إلى إنتاجها
في علم الاقتصاد السياسي، تُقاس فعالية الدولة بقدرتها على تحويل الأزمات إلى فرص، لكن ما حدث في سوريا خلال عام ما بعد السقوط هو العكس تماما، فالدولة لم تُدِر الأزمة، بل أصبحت هي من ينتجها. غياب الشفافية في القرارات الاقتصادية، وتعدد مراكز القرار المالي، جعلا كل إصلاح محتمل يولد مشوها.
رفع الدعم مثلاً لم يُرافقه نظام حماية اجتماعية فعلي، بل بيانات رسمية تدعو إلى “الصبر الوطني” و”التقشف التضامني”، عبارات جميلة تخفي فراغا مؤسساتيا فاضحا.
اقتصاد العدالة المؤجلة
في الأسابيع الأولى بعد السقوط، حملت بعض شرائح من الشارع السوري أملا كبيرا في أن تكون المرحلة الجديدة بداية “اقتصاد العدالة” عبر نظام يوزع الموارد لا الامتيازات، ويدعم الإنتاج لا الولاء، لكن بعد عام، تلاشى هذا الأمل كليا، فظهرت نخب مالية جديدة تمسك بمفاصل التجارة والاستيراد، فيما تراجع القطاع الزراعي بسبب انقطاع الدعم وتدهور البنية التحتية.
تحوّل الخطاب الرسمي من “اقتصاد العدالة” إلى “اقتصاد الأولويات”، وهي لغة واقعية لكنها باردة، تبرر كل تراجع باسم “المصلحة الوطنية” ما يُفقد الإصلاح معناه الأخلاقي، ويصبح الاقتصاد أداة إدارة، لا أداة تحرر.
طريق الاستقرار… لا طريق الازدهار
المرحلة الانتقالية في سوريا ما بعد النظام تشبه عبور حقل ألغام اقتصادي: كل خطوة محسوبة، وكل خطأ مكلف. لكن هذا الحذر المفرط جعل الحكومة الجديدة تتردد في اتخاذ قرارات جريئة مثل الإصلاح الضريبي أو إعادة هيكلة الدعم على نحو شفاف.
أصبح الهدف الضمني هو الاستقرار المالي لا النمو الاقتصادي، أي تجميد الأزمة بدلا من حلها، لكن التجارب تؤكد أن الدول لا تبنى بالهدوء بل بالمخاطرة المحسوبة، فالتنمية ليست ثمرة الصبر، بل نتيجة الجرأة السياسية، وما تحتاجه سوريا اليوم ليس مزيدا من الوعود، بل مشروعا اقتصاديا أخلاقيا يعيد الثقة بالمستقبل.
بين الذاكرة والمستقبل
حين تسقط الأنظمة، غالبا ما ينهض من تحتها اقتصاد هجين نصفه ماض ونصفه حلم، والاقتصاد السوري اليوم يعيش هذا الانقسام بعمق.
ضمن المرحلة السورية اليوم انتهى زمن الشعارات الكبرى التي حملت أحلام جيل رواد الاستقلال ومراحل الستينات أيضا، من “الاكتفاء الذاتي” إلى “الاقتصاد المقاوم” و “دعم المواطن”، وباتت البلاد أمام امتحان بسيط في صيغته، صعب في جوهره، فكيف يمكن بناء دولة تعيش من إنتاجها لا من مساعداتها، ومن قانونها لا من استثنائها، من عقلها لا من خوفها؟
إن عام 2025، العام الأول بعد سقوط النظام، ليس نهاية الأزمة السورية بل بدايتها الحديثة؛ مواجهة الذات فإما أن تتحرر اقتصاديا لتبني جمهوريتها الجديدة، أو تبقى أسيرة الحرب والدمار وهي ترتدي ثوب المستقبل.
الاقتصاد السوري بعد سقوط النظام: عام التحوّل
بعد عام على سقوط النظام السوري، يقف الاقتصاد الوطني كما يقف المريض الذي أفاق من غيبوبة طويلة. هذه التحليلات البيانية تستعرض الوضع الاقتصادي في عام التحول الأول، وتكشف عن الصورة الدقيقة للعطب الهيكلي العميق الذي يعانيه الاقتصاد السوري.
أسعار الطاقة والمحروقات: صدمة ما بعد السقوط
مقارنة أسعار المحروقات والطاقة قبل وبعد السقوط
تشهد أسعار المحروقات والطاقة ارتفاعاً غير مسبوق، حيث تضاعفت أسعار الكهرباء للمنازل 6 مرات، والكهرباء للصناعة 9 مرات، والبنزين 3.4 مرة منذ سقوط النظام.
نسبة ارتفاع أسعار الطاقة والمحروقات (%)
تكشف هذه النسب عن حجم الصدمة التي يعانيها قطاع الطاقة، حيث سجلت الكهرباء الصناعية أعلى نسبة ارتفاع تصل إلى 800%، تليها الكهرباء المنزلية بنسبة 500%.
تطور أسعار الطاقة والمحروقات عبر الزمن (بالليرة السورية)
يوضح هذا الرسم البياني التغير التدريجي في أسعار الطاقة والمحروقات على مدى السنوات الثلاث الماضية، مع تسارع حاد بعد سقوط النظام في منتصف عام 2024.
مقارنة أسعار السلع الأساسية قبل وبعد السقوط (بالليرة السورية)
تشهد الأسعار ارتفاعاً غير مسبوق، حيث تضاعفت أسعار معظم السلع الأساسية بشكل كبير بعد سقوط النظام. باقات الإنترنت شهدت ارتفاعاً بنسبة 850%، بينما ارتفعت أسعار السلة الغذائية بنسبة 275%.
نسبة ارتفاع الأسعار بعد السقوط (%)
تكشف هذه النسب عن حجم الصدمة التضخمية التي يعانيها الاقتصاد السوري. باقات الإنترنت شهدت أعلى نسبة ارتفاع تصل إلى 850%، تليها أسعار السلة الغذائية بنسبة 275%.
تقلبات سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار
في اقتصاد ما بعد التغيير، لم تعد الليرة السورية مجرد أداة تبادل، بل أصبحت مقياساً للثقة الوطنية. تثبيت السعر عند حدود 11,000 ليرة للدولار في منتصف 2025 لم يكن نجاحاً نقدياً بل هدنة مالية بين الحكومة ومكاتب الصرافة.
أداء القطاعات الاقتصادية الرئيسية
تراجع القطاع الزراعي بسبب انقطاع الدعم وتدهور البنية التحتية، بينما ظهرت نخب مالية جديدة تمسك بمفاصل التجارة والاستيراد. تحوّل الاقتصاد إلى شبكة من الرسوم والإتاوات الرسمية، تُحصل باسم “إعادة الإعمار”.
مقارنة معدلات التضخم السنوية قبل وبعد السقوط
قفز معدل التضخم السنوي من 140% في عام 2023 إلى أكثر من 320% في عام 2025، مما يعني أن القوة الشرائية لليرة السورية انخفضت إلى أقل من ثلث قيمتها قبل عامين فقط.
اقتصاد الدولة الرسمي
- يعاني من العقوبات الدولية
- عملة منهارة وقطاع عام مترهل
- سياسات تقوم على منطق الجباية
- عاجز عن وضع سياسة مالية موحدة
- يعتمد على الرسوم الرسمية باسم “إعادة الإعمار”
الاقتصاد الموازي
- قوامه تحويلات المغتربين
- تجارة المواد المستوردة عبر الحدود
- يعتمد على عملات أجنبية كوسيط للتبادل
- ديناميكي لكن غير منظم
- يساهم في استقرار جزئي للمعيشة
الخلاصة: اقتصاد العدالة المؤجلة
تحوّل الخطاب الرسمي من “اقتصاد العدالة” إلى “اقتصاد الأولويات”، وهي لغة واقعية لكنها باردة، تبرر كل تراجع باسم “المصلحة الوطنية”. أصبح الهدف الضمني هو الاستقرار المالي لا النمو الاقتصادي، أي تجميد الأزمة بدلاً من حلها. ما تحتاجه سوريا اليوم ليس مزيداً من الوعود، بل مشروعاً اقتصادياً أخلاقياً يعيد الثقة بالمستقبل.

