تحليل جيوسياسي لتصريحات الرئيس الشرع: الجغرافيا كأداة سلطة والساحل كمعادلة وطنية

في أزمنة التحولات الكبرى، حين يتآكل المعنى من اللغة السياسية، تصبح الجغرافيا آخر ما يمكن الوثوق به، وهذا ما فعله الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع في خطابه الأخير، حين يستحضر الجغرافيا لا كمعطى طبيعي بل كمنظومة سياسية، وحين يتحدث عن وحدة المؤسسات السورية وكأنها تضاريس من حجر لا تتبدل.
لكنّ في تلك الجمل المتماسكة ظاهريا تكمن إشارات دقيقة إلى قلق متجذر؛ ليس من الخارج، بل من الداخل الذي يعيد التفكير في معنى السلطة والمركز.

الجغرافيا بوصفها برهانا على الوجود

تصريحات الشرع كانت واضحة في نظرتها للجغرافيا السورية فاعتبرها ” تعيش على بعضها، ويستحيل أن تكون للساحل سلطة قائمة بذاتها منعزلة عن البقية”، الجملة تحمل في ظاهرها يقينا وطنيا، لكنها تُشي أيضا بأن وحدة البلاد لم تعد تفترض تلقائيا، بل تحتاج إلى تذكير متكرر.
فحين تضطر السلطة إلى التأكيد على استحالة الانقسام، يكون ذلك مؤشرا على أن الانقسام لم يعد فرضية خيالية.

يعيد الشرع تعريف الانتماء الوطني عبر المكان لا عبر السياسة، فالوحدة هنا لا تستمد من الدستور أو الإرادة، بل من الجغرافيا نفسها، كأن الأرض هي التي تفرض الولاء، وهذا النوع من الخطاب يعيد إنتاج فكرة قديمة في الفكر السياسي الشرق أوسطي بأن الطبيعة تحفظ ما عجزت السياسة عن حفظه.

الجغرافيا ليست ضمانا، بل ساحة صراع دائمة بين القوة والموقع، وحين تُستدعى الجغرافيا في لحظة اضطراب سياسي، فذلك يعني أن الأرض نفسها أصبحت ميدانا للجدل حول من يملك حق تعريف الدولة وحدودها.

الاقتصاد كلغة سيادة جديدة

حين يعلن الشرع أن “الساحل يشكل أولوية لأنه يطل على الممرات التجارية عالميا“، فإنه لا يصف الواقع فحسب، بل يعيد هندسة معنى “الأولوية الوطنية”، فلم يعد الساحل مركزا ثقافيا أو رمزيا أو سكنيا، بل تحول إلى ممر في شبكة العبور العالمي.
بهذا، يستبدل الخطاب مفهوم الولاء بمفهوم المنفعة، فالاقتصاد هنا يُستدعى كحجة للتماسك الوطني، فالمرافئ توحد أكثر مما تفرق، والمصالح المشتركة تردع النزعات الانفصالية، لكن هذه اللغة، التي تبدو واقعية، تخفي في بنيتها استبدالا جوهريا، فبدل أن تكون الدولة مظلة لحقوق المواطنين، تصبح منصة لتبادل المنافع.
وإذا كانت الجغرافيا هي التي تحفظ الوحدة، فإن الاقتصاد هو الذي يمنحها مبرر البقاء.

الشرع يدرك أن الخطاب الاقتصادي أكثر إقناعا في عالم تتراجع فيه الأيديولوجيات، لكنه أيضا يعرف أن هذه اللغة لا تنجح إلا عندما يشعر المواطن أن له نصيبا فعليا في تلك المصالح.
والسؤال هل يُراد للساحل أن يكون أولوية اقتصادية بمعنى الاستثمار، أم مجرد أولوية استراتيجية بمعنى السيطرة؟

السلطة في صيغة التفاهم

يستخدم الرئيس الشرع خطابا إنشائيا، ففي قوله:”أتفهم المطالب المحقة للناس خلال اليومين الماضيين، وبعضها مسيس” ينقل السياسة من ساحة الفعل إلى ساحة الفهم، فهو لا يَعِد ولا يُدين، بل يتفهم.
هذه الصيغة الإنشائية، التي تبدو مفعمة بالاعتدال، هي في الواقع طريقة دقيقة للسيطرة على اللغة، فتتيح الاعتراف بالاحتجاج دون أن تمنحه شرعية سياسية.

بهذه الجملة، يرسم الشرع حدود ما يمكن وما لا يمكن الحديث عنه، فالمطالب “المحقة” مقبولة، طالما بقيت خدماتية ومحلية؛ أما حين تتخذ طابعا سياسيا، فتصبح “مُسيّسة”، أي خارجة عن المسموح به، وهذه تقنية خطابية فعالة؛ يتم فيها تحويل السياسة إلى سوء نية، والمطالبة بالحقوق إلى إشارة على التحريض، فيظل التفاهم قائما، لكن من طرف واحد، فالدولة تفهم لكنها لا تُصغي.

الفيدرالية: المعنى الذي يُعاد تعريفه

في حديثه عن الفيدرالية، يقول الشرع إنها “إدارة محلية” وأن القوانين الحالية “قريبة من هذا الطرح”، وهنا يتحول المفهوم من مبدأ لتوزيع السلطة إلى مجرد بند إداري.
هذا التوصيف لا يهدف إلى تفسير الفيدرالية، بل تحييدها ونزع بعدها السياسي وإدراجها ضمن صلاحيات الدولة المركزية ذاتها، فالخطاب يضع حدودا جديدة للمفردات، فالكلمات تُستخدم لكن مع معان معدّلة، فـ”الإدارة” تحل محل “التمثيل”، و”القوانين الحالية” تحل بدلا عن “العقد الدستوري”، فيتم استيعاب الفكرة ضمن النظام القائم، لا لتغييره بل لإعادة تأكيده.

في الجوهر، ما يقدّمه الشرع ليس تصورا جديدا للفيدرالية، بل آلية لترويضها، فبدل أن تكون وسيلة لتوزيع القوة، تصبح وسيلة لحمايتها من التوزيع.

الهوية بين البحر والداخل

تكرار الحديث عن الساحل في أكثر من فقرة يكشف أن المسألة لم تعد مجرد جغرافيا، بل هوية، وكلما اشتد تأكيد القيادة على وحدة الساحل مع الداخل، ازداد الإحساس بأن ثمة فجوة يسعى الرئيس السوري لترميمها عبر خطابه.

يقدّم الشرع الساحل كمفتاح توازن وكممر نحو العالم، لا كمجال مهدد بالانعزال، ويريد تحويل الساحل من “منطقة مزاجٍ سياسي إلى منطقة مشروع وطني مستقر”، ومن هامش قلق إلى محور استراتيجي، لكن ما تؤشر إليه هذه التصريحات هو “التوتر”؛ حيث الرغبة في طمأنة الداخل بأن الساحل لن يبتعد، وطمأنة الساحل بأنه ما زال مركزا للأولوية الوطنية، بينما ما يحدث على الأرض يتنافى مع هذه التصريحات كلياً.

الزمن السياسي الجديد

اللافت في خطاب الشرع أنه لا يتحدث بلغة الثورة ولا بلغة النظام القديم، بل بلغة الإدارة الانتقالية التي تحاول التوفيق بين عالمين، فهو يستعير من الماضي صرامة الدولة، ومن الحاضر مرونة الاقتصاد، لكنه لم يجد بعد معادلة تربط الاثنين بقاعدة جديدة للشرعية.

إنه خطاب بينيّ، يعيش على تخوم التاريخ، فيريد أن يبقي المركز قويا، لكنه يدرك أن المركز لم يعد كافيا، ويريد أن يتحدث باسم الدولة، لكنه يعرف أن الدولة نفسها في طور إعادة التعريف.
ومن هنا تأتي كثافة الجغرافيا في كلامه، لأنها اللغة الوحيدة التي لا تزال قادرة على منح الانتماء معنى وسط الانهيار السياسي.

نحو قراءة أعمق للوحدة

يمكن قراءة تصريحات الشرع كبيان وطني، لكنها أيضا تُقارب نصا استراتيجيا عن مفهوم السلطة المتماسكة في زمن اللامركزية، فهو لا ينفي فكرة التعدد، لكنه يؤكد أن هذا التعدد يجب أن يبقى تحت سقف مركز واحد.
إنها رؤية تشبه إلى حد بعيد التصور الآسيوي للدولة الحديثة؛ الوحدة قبل الديمقراطية، والاستقرار قبل المشاركة، لكنّ التجربة التاريخية تقول أن الوحدة التي تقوم على الإنكار لا تدوم.
والساحل، الذي كان بوابة سوريا إلى العالم، يمكن أن يتحول إلى مرآة تكشف حجم ما تغير في الداخل، فما يربط الجغرافيا ليس الطرق والمرافئ، بل الإحساس بالمصير المشترك وهو لا يُصاغ في الخطابات، بل في السياسات اليومية التي تتيح لكل منطقة أن ترى نفسها جزءا من الكل لا تابعا له.

الجغرافيا كمرآة للسياسة

تصريحات الرئيس الشرع ليست مجرد ردّ على تطورات محلية فقط، بل محاولة  للتمسك بالسلطة والاستعانة بمصطلحات تخدع بوجود عقيدة سياسية جديدة في لحظة هشاشة وطنية.
إنه يحاول أن يصور الأمر بأنه إعادة لرسم العلاقة بين المكان والدولة، والاقتصاد والسيادة، والفهم والسيطرة، من خلال فهم التحول العميق الذي تعيشه سوريا؛ لكن الانتقال من دولة الأيديولوجيا إلى دولة الجغرافيا، يتناقض مع الانتقال من السلطة التي كانت قبل السقوط تتكلم باسم الأمة إلى السلطة الجديدة التي تبرر وجودها بالموقع والوظيفة.

 الجغرافيا لا تُنقذ الدول، إنها فقط تُظهر حدودها، وما لم تُصغ السياسة عقدا جديدا يوازن بين المركز والأطراف، فإن سوريا ستبقى في دائرة التكرار؛ خطاب يوحدها بالقول، وواقع يجزئها بالفعل.

خطوط الجغرافيا ومسارات السلطة: تحليل خطاب أحمد الشرع

خطوط الجغرافيا ومسارات السلطة

قراءة في تصريحات أحمد الشرع عن الساحل ووحدة الدولة السورية

الجغرافيا بوصفها برهانًا على الوجود

“تعيش على بعضها، ويستحيل أن تكون للساحل سلطة قائمة بذاتها منعزلة عن البقية”

الشرع يعيد تعريف الانتماء الوطني عبر المكان لا عبر السياسة، فالوحدة هنا لا تستمد من الدستور أو الإرادة، بل من الجغرافيا نفسها.

الاقتصاد كلغة سيادة جديدة

“الساحل يشكل أولوية لأنه يطل على الممرات التجارية عالمياً”

الاقتصاد يُستدعى كحجة للتماسك الوطني، فالمرافئ توحد أكثر مما تفرق، والمصالح المشتركة تردع النزعات الانفصالية.

السلطة في صيغة التفاهم

“أتفهم المطالب المحقة للناس خلال اليومين الماضيين، وبعضها مسيس”

ينقل الشرع السياسة من ساحة الفعل إلى ساحة الفهم، فهو لا يَعِد ولا يُدين، بل يتفهم. هذه الصيغة تتيح الاعتراف بالاحتجاج دون منحه شرعية سياسية.

الفيدرالية: المعنى الذي يُعاد تعريفه

“إدارة محلية” وأن القوانين الحالية “قريبة من هذا الطرح”

يتحول المفهوم من مبدأ لتوزيع السلطة إلى مجرد بند إداري. هذا التوصيف يهدف إلى تحييد الفيدرالية ونزع بعدها السياسي.

الزمن السياسي الجديد

اللافت في خطاب الشرع أنه لا يتحدث بلغة الثورة ولا بلغة النظام القديم، بل بلغة الإدارة الانتقالية التي تحاول التوفيق بين عالمين. فهو يستعير من الماضي صرامة الدولة، ومن الحاضر مرونة الاقتصاد، لكنه لم يجد بعد معادلة تربط الاثنين بقاعدة جديدة للشرعية.

إنه خطاب بينيّ، يعيش على تخوم التاريخ، فيريد أن يبقي المركز قويا، لكنه يدرك أن المركز لم يعد كافيا، ويريد أن يتحدث باسم الدولة، لكنه يعرف أن الدولة نفسها في طور إعادة التعريف.

ومن هنا تأتي كثافة الجغرافيا في كلامه، لأنها اللغة الوحيدة التي لا تزال قادرة على منح الانتماء معنى وسط الانهيار السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *