تتدفّق الأخبار منذ شهور من الداخل السوري حول ما يسمى “حملات إعادة الإعمار”، حيث تتناقل وسائل الإعلام المحلية والعربية أرقاما مذهلة عن تبرّعات بمئات الملايين من الدولارات جمعتها حملات تحمل أسماء تنتمي إلى جغرافيا الوجع السوري من “أبشري حوران” إلى “الوفاء لإدلب” و”فداء لحماة” و”أربعاء حمص” و”ريفنا بيستاهل”.
تبدو هذه الحملة تجسيدا نادرا لفكرة التضامن الأهلي، لكن في جوهرها تثير أسئلة أكثر مما تقدّم إجابات، فمن تبرع؟ ومن يشرف؟ وإلى أين تذهب الأموال؟ وهل نحن أمام مشروع تنموي حقيقي أم ظاهرة رمزية تعيد إنتاج الاقتصاد السياسي للنزاع السوري في ثوب جديد؟
المال كخطاب: من الحرب إلى الاستعراض
في السياسة، كما في الاقتصاد، لا شيء يثير الشك أكثر من المال الذي يأتي بلا مساءلة، فما حدث في الأشهر الماضية ليس مجرد مبادرات محلية، بل حملة ذات طابع سياسي – رمزي تتجاوز فعل التبرع ذاته، فالسلطة وجدت في “إعادة الإعمار” فرصة لإعادة تعريف الشرعية التي لم تعد مرتبطة بظهور عقد اجتماعي جديد، بل القدرة على جمع المال باسم الشعب وإعمار البلاد، والرسالة هنا مزدوجة إلى الداخل والخارج مفادها “نحن باقون، ونحن القادرون”.
لكن المفارقة القاسية أن هذه الرسالة تُوجه في بلد يعيش فيه أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر، وفق تقارير الأمم المتحدة، فكيف يمكن لمجتمع متهالك اقتصاديا أن ينتج هذا الفيضان من «الدولارات»؟ وهل هذه الأموال فعلا ناتجة عن قناعة مجتمعية عفوية، أم أن جزءاً منها يعكس توظيفا سياسيا للثروة في مجتمع أنهكته الحرب والفساد والانقسام؟
ما وراء الأرقام: الحقائق الناقصة
الأرقام المعلنة تثير الدهشة، 208 ملايين دولار لحملة “الوفاء لإدلب”، و204 ملايين لحملة “فداء لحماة”، و76 مليونا لـ”ريفنا بيستاهل”، و37 مليونا لـ”أبشري حوران”، فالأرقام مذهلة في بلدٍ بالكاد يستطيع تأمين الكهرباء أو الدواء، في وقت لا توجد أي تقارير تدقيق مالي مستقلة تؤكد مصدر الأموال أو طريقة صرفها، فلا وزارة مالية نشرت كشف حساب، ولا لجان رقابة أعلنت تقاريرها للرأي العام.
بمعايير الاقتصاد هذه الحالة تُعرّف بأنها اقتصاد رمزي يقوم على الإعلان لا التنفيذ، والصورة لا البنية، فالقيمة لا تُقاس بما يُنفذ، بل بما يُقال أنه جُمع، والإعلان يصبح هو المنتج الحقيقي، وتتحول حملات التبرّع إلى استعراض جماعي للقدرة الرمزية على الإعمار، لا إلى عملية حقيقية لإعادة بناء البنية التحتية أو الخدمات العامة.
الاقتصاد الموازي: كيف يُدار المال في الظل؟
تُظهر مراجعة تصريحات الجهات المنظمة لهذه الحملات أن معظم التبرعات تُجمع بالدولار الأمريكي، وأن التحويلات تجري غالبا عبر قنوات غير رسمية، وهذه الظاهرة، في علم الاقتصاد، تُسمى الدولرة الموازية فتحوّل العملة الأجنبية إلى أداة ثقة بديلة عن العملة الوطنية.
لكن هذه العملية، وإن بدت منقذة آنيا، تحمل آثارا مدمّرة على المدى الطويل، لأنها تُضعف قدرة الدولة على التحكم بالسياسة النقدية، وتُكرّس الانقسام المالي بين مناطق النفوذ، وتخلق سوقا مالية رمادية يختلط فيها العمل الخيري بالتمويل السياسي.
ولأن معظم الحملات تتم في بيئات منقسمة سياسيا، فإن المال هنا لا يعمل كأداة تنمية، بل ولاء، فالتبرّع يصبح تصويتا سياسيا غير معلن، والمشروع التنموي يصبح امتدادا للنفوذ، وهذا النمط يعيد إلى الأذهان تجربة إعادة الإعمار في لبنان بعد 1990، حيث تداخل المال الطائفي بالمال السياسي ليعيد إنتاج بنية السلطة بدل إصلاحها.
بين التبرع والمحاسبة: الفجوة الأخلاقية
في الديمقراطيات الراسخة، يُنظر إلى العمل الخيري كجزء من الاقتصاد المدني الذي يخضع للمساءلة والرقابة، لكن في السياق السوري، تُطرح التبرعات بوصفها فعلا وطنيا مقدسا، ما يجعل أي مساءلة نوعا من الخيانة أو التشكيك، وهذه القداسة تُفرغ العمل المدني من جوهره، وتحوّله إلى ولاء اجتماعي أكثر منه ممارسة اقتصادية شفافة.
حين تُجمع مئات الملايين من الدولارات، ولا نعرف إلى أين تذهب، يصبح السؤال الأخلاقي أكثر إلحاحا من السؤال الاقتصادي، فالمال في مرحلة ما بعد الحرب ليس مجرد وسيلة للبناء، بل معيار للعدالة، وإعادة الإعمار ليست رصف طرقات أو ترميم مدارس، بل إعادة توزيع للفرص والثقة بين المواطنين، وإذا كان المال يُدار في الخفاء، فإن “الإعمار” سيتحوّل إلى شكل جديد من إعادة إنتاج اللامساواة ذاتها التي فجّرت الحرب.
الدولار المفقود: عن استحالة التوازن المالي
لا يمكن لأي مراقب أن يغفل المفارقة الصارخة بين حجم التبرعات المزعومة وحجم الاقتصاد السوري الفعلي، فالناتج المحلي الإجمالي في البلاد لا يتجاوز بحسب تقديرات البنك الدولي نحو 12 مليار دولار سنوياً، أي أن بعض الحملات وحدها تُعلن عن مبالغ تقارب ربع الناتج الوطني، وهو أمر يصعب تصديقه من دون وجود شبكة تحويلات خارجية ضخمة تتجاوز الرقابة الدولية.
وهنا يبرز سؤال آخر؛ فإذا كانت العقوبات (قانون قيصر وغيره) تمنع التحويلات المالية بالدولار، فكيف تُنقل هذه المبالغ “الحصرية بالدولار” إلى الداخل؟ ومن هي المصارف أو الجهات الوسيطة التي تسمح بمرور هذه الأموال؟ غياب الإجابة على هذا السؤال يجعل من الحديث عن “حصار اقتصادي” و”تبرعات بالدولار” تناقضا بنيويا يستحق التحقيق، لا التصفيق.
المال كأداة سلطة
في الحروب، كما يذكّرنا عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو، يتحوّل المال إلى رأسمال رمزي يُستخدم لتثبيت السلطة لا لتوزيعها، وفي الحالة السورية، يبدو أن المال يُستخدم لتثبيت نفوذ القوى المسيطرة داخل مناطقها عبر استمالة رجال الأعمال ووجهاء المجتمعات المحلية.
إن حملات التبرّع، رغم غلافها الإنساني، تعمل عمليا كآلية لإعادة دمج أثرياء الحرب في منظومة الحكم، عبر إتاحة “التبرع” بوصفه غسيل سمعة سياسي واقتصادي، فالملياردير الذي كوّن ثروته من اقتصاد الحرب يمكنه اليوم أن يعيد تقديم نفسه كـ”فاعل خير” يمول المدارس والمستشفيات؛ إنها الطريقة المثلى لتبييض الماضي عبر تبرّع بالملايين، فتُنسى الاتهامات.
من يراقب الإعمار؟
في كل الدول الخارجة من الحرب، يشكل الإشراف المالي على إعادة الإعمار قضية سيادية وأخلاقية، ففي البوسنة والهرسك مثلا، أُنشئت لجنة مستقلة تضم ممثلين عن الحكومة والمجتمع المدني والبنك الدولي لمراقبة كل دولار أُنفِق بعد اتفاق دايتون، وفي العراق، بعد 2003، فُرضت رقابة أميركية ودولية صارمة على أموال “صندوق التنمية العراقي” رغم كل ما رافقها من جدل.
أما في سوريا، فلا وجود لأي آلية علنية مشابهة، فلا مجلس محاسبة أو تقارير تدقيق، ولا منصة شفافة تُتيح للمواطنين معرفة مصير أموالهم، وهنا جوهر الأزمة فغياب الشفافية لا يقل خطورة عن غياب الإعمار نفسه، لأن المال الغامض يبني دولة غامضة بلا ثقة، وبلا مؤسسات.
رمزية الشيخ والمسرحية الاجتماعية
أن يُعلن أحد رجال الدين المعروفين بإثارة الجدل، مثل الشيخ عدنان العرعور، عن تبرّع شخصي بملايين الدولارات، وأن يتحول هذا الإعلان إلى جدل اجتماعي بين مصدّق ومكذّب، فهذا يكشف عمق الأزمة الأخلاقية التي يعيشها السوريون اليوم، فالجدل لم يعد حول الفقر أو الثراء، بل حول من يملك شرعية التبرع.
إنها مسرحية السلطة في أنقى تجلياتها.
تعلّمنا تجارب ما بعد الحرب، من ألمانيا إلى رواندا، أن إعادة الإعمار لا تبدأ بالمال، بل بالثقة بالمؤسسات، والعدالة والشفافية، أما المال بلا ثقة فهو كالماء يُسكب في رمل السياسة، يتبخّر قبل أن يصل إلى جذور الأرض.
اليوم، تتباهى الحملات السورية بأرقامها، لكن البلاد ما زالت تعيش في الظلام الاقتصادي ذاته، وبينما تتكدّس الأصفار على شاشات التبرع، تبقى الأسئلة الأخلاقية معلّقة؛ من يملك الحق في جمع المال باسم الضحايا؟ ومن يملك الشجاعة لمساءلة من يدّعي أنه يعمّر ما دمّره؟
حتى تُعلن هذه الحملات ميزانياتها، وتكشف حساباتها، وتخضع لتدقيق مستقل، ستظل أرقامها مجرد مرايا مضيئة في فضاءٍ مظلم، والمجتمع الذي يتبرّع بلا مساءلة، إنما يشتري صكا مؤقتا للطمأنينة لا لبناء وطن، فإعادة الإعمار الحقيقية تبدأ حين يعاد إعمار الحقيقة نفسها.
إعادة الإعمار في سوريا: أرقام التبرعات بين الاقتصاد الرمزي وغياب الشفافية
تحليل تفاعلي للتبرعات المعلنة في حملات إعادة الإعمار السورية ومقارنتها بالواقع الاقتصادي
حجم التبرعات المعلنة حسب الحملة (مليون دولار)
مقارنة التبرعات بالناتج المحلي
الاقتصاد الرمزي: المال كخطاب سياسي
تبدو حملات إعادة الإعمار تجسيداً نادراً لفكرة التضامن الأهلي، لكن في جوهرها تثير أسئلة أكثر مما تقدّم إجابات. فالسلطة وجدت في “إعادة الإعمار” فرصة لإعادة تعريف الشرعية التي لم تعد مرتبطة بظهور عقد اجتماعي جديد، بل القدرة على جمع المال باسم الشعب وإعمار البلاد.
المال بلا مساءلة
لا توجد أي تقارير تدقيق مالي مستقلة تؤكد مصدر الأموال أو طريقة صرفها، فلا وزارة مالية نشرت كشف حساب، ولا لجان رقابة أعلنت تقاريرها للرأي العام.
الدولرة الموازية
تُجمع معظم التبرعات بالدولار الأمريكي عبر قنوات غير رسمية، مما يُضعف قدرة الدولة على التحكم بالسياسة النقدية ويُكرّس الانقسام المالي بين مناطق النفوذ.
الاقتصاد الرمزي
هذه الحالة تُعرّف بأنها اقتصاد رمزي يقوم على الإعلان لا التنفيذ، والصورة لا البنية، فالقيمة لا تُقاس بما يُنفذ، بل بما يُقال أنه جُمع.
الفجوة بين الأرقام المعلنة والواقع
حين تُجمع مئات الملايين من الدولارات، ولا نعرف إلى أين تذهب، يصبح السؤال الأخلاقي أكثر إلحاحا من السؤال الاقتصادي. فالمال في مرحلة ما بعد الحرب ليس مجرد وسيلة للبناء، بل معيار للعدالة.
كيف تدار أموال إعادة الإعمار في دول أخرى؟
في كل الدول الخارجة من الحرب، يشكل الإشراف المالي على إعادة الإعمار قضية سيادية وأخلاقية:
البوسنة والهرسك
أُنشئت لجنة مستقلة تضم ممثلين عن الحكومة والمجتمع المدني والبنك الدولي لمراقبة كل دولار أُنفِق بعد اتفاق دايتون.
العراق بعد 2003
فُرضت رقابة أميركية ودولية صارمة على أموال “صندوق التنمية العراقي” رغم كل ما رافقها من جدل.
سوريا
لا وجود لأي آلية علنية مشابهة، فلا مجلس محاسبة أو تقارير تدقيق، ولا منصة شفافة تُتيح للمواطنين معرفة مصير أموالهم.
التأثير الاجتماعي والاقتصادي
حملات التبرّع، رغم غلافها الإنساني، تعمل عمليا كآلية لإعادة دمج أثرياء الحرب في منظومة الحكم، عبر إتاحة “التبرع” بوصفه غسيل سمعة سياسي واقتصادي.
المال كأداة سلطة
يُستخدم المال كرأسمال رمزي لتثبيت السلطة لا لتوزيعها، واستمالة رجال الأعمال ووجهاء المجتمعات المحلية.
تبييض السمعة
الملياردير الذي كوّن ثروته من اقتصاد الحرب يمكنه اليوم أن يعيد تقديم نفسه كـ”فاعل خير” يمول المدارس والمستشفيات.
إعادة إنتاج اللامساواة
إذا كان المال يُدار في الخفاء، فإن “الإعمار” سيتحوّل إلى شكل جديد من إعادة إنتاج اللامساواة ذاتها التي فجّرت الحرب.
الخلاصة: إعادة إعمار الحقيقة قبل إعادة إعمار البنية
تعلّمنا تجارب ما بعد الحرب، من ألمانيا إلى رواندا، أن إعادة الإعمار لا تبدأ بالمال، بل بالثقة بالمؤسسات، والعدالة والشفافية. أما المال بلا ثقة فهو كالماء يُسكب في رمل السياسة، يتبخّر قبل أن يصل إلى جذور الأرض. حتى تُعلن هذه الحملات ميزانياتها، وتكشف حساباتها، وتخضع لتدقيق مستقل، ستظل أرقامها مجرد مرايا مضيئة في فضاءٍ مظلم.

