بعد مرور أشهر على خطابه الأول في قلعة حلب الذي أعلن فيه “نهاية معركة الطغاة وبداية معركة الفقر”، عاد الرئيس الانتقالي أحمد الشرع أمس إلى المدينة ذاتها، محاولا أن يجدّد الوعود ذاتها بلغة مختلفة، إلا أنّ الفارق بين الخطابين لم يكن في المفردات، بل في الواقع الذي أحاط بهما، ففي المرة الأولى، كان الرهان على الرمزية؛ تقديم حلب بوصفها بوابة لعهدٍ اقتصادي جديد، أما اليوم، فإنّ ما بدا وعدا بالتحوّل صار اختبارا مكشوفا لقدرة السلطة على إدارة مرحلة ما بعد الصراع.
حلب، التي يفترض أن تكون محرّك الاقتصاد السوري ومركز ثقله الصناعي، تعيش منذ عام حالة من الجمود المزدوج، فاقتصاد لم يتعافَ وسلطة سياسية عاجزة عن تحويل السيطرة إلى حوكمة فعّالة، فلم تفشل المدينة في التعافي فقط، بل تحولت إلى نموذجٍ مصغّر عن المعضلة السورية الراهنة؛ بنية حكم تملك أدوات القوة لكنها تفتقر إلى رؤية التنمية، ومجتمع يملك الإرادة لكنه يفتقد الشروط المؤسسية للنهوض.
حلب، في جوهرها، ليست مجرد مدينة سورية أخرى؛ هي معمل التاريخ السوري، بمزيجها من الطبقة الصناعية، والتنوع الطائفي، والعمق التجاري الذي شكّل نسيجها عبر قرون، وما يحدث فيها اليوم هو اختبار حاسم لمستقبل “الدولة السورية الجديدة” التي بشّر بها “خطاب التحرير”، واختبار أكثر خطورة لقدرة السلطة الجديدة على ترجمة الشعارات إلى مؤسسات.
الاقتصاد بين الوعود والفراغ
“التحرر ” السياسي بلا مؤسسات هو أقرب إلى فوضى منظمة، وما هو ها التحرير ومن من !!!! وهذا ما ينطبق على ما آلت إليه حلب، فالمدينة التي كانت تملك قبل الحرب أكثر من38 ألف منشأة صناعية وحرفية، وتُنتج ما يقارب 40% من الناتج المحلي السوري، تبدو اليوم عاجزة عن استعادة نصف طاقتها، فوفق غرفة صناعة حلب، لا تعمل سوى 550 منشأة بكامل طاقتها، فيما تعمل 200 أخرى جزئيا، أما باقي المصانع، فبقيت رمادا من حديد.
المشكلة ليست في الدمار المادي فحسب، بل في غياب بنية حوكمة اقتصادية، فالحكومة الانتقالية التي وعدت بقانون مالي جديد يعيد الثقة للمستثمرين، لم تصدر شيئا، والبيروقراطية التي كان يفترض أن تكون أداة تنشيطٍ اقتصادي، تحولت إلى شبكة معطّلة من التعليمات المؤقتة والقرارات المتضاربة.
السلطة تمارس ما يشبه اقتصاد الشعارات، فتتحدث عن “تشجيع الاستثمار” و”إحياء الصناعة”، فيما لا حماية المنتج الوطني من الاستيراد العشوائي، أو توفير كهرباء مستقرة وبيئة قانونية واضحة، ففي الشيخ نجار، أكبر مدينة صناعية في الشمال، تعمل المصانع تحت ضغط تكاليف طاقة مرهقة وغياب البنية التحتية الأساسية، والعرقوب، الذي بشّر به الشرع كمحرك لعودة الصناعة، ماتزال شعارا فقط.
إن غياب القانون المالي ليس تفصيلا إداريا؛ إنه إشارة إلى ارتباك السلطة في فهم الواقع، فالحروب، كما تُظهر تجارب البوسنة والعراق وجنوب أفريقيا، لا تنتهي بانتهاء القتال، بل تبدأ لحظة توقّف السلاح في معركة بناء الدولة، وحلب تبدو، في هذا السياق، عالقة بين ماض لم يمت ومستقبل لم يولد بعد.
المدينة التي تحيا بنصف نبض
في شوارع الصالحين، وصنّاع الأحذية الذين فقدوا ورشهم، يمكن أن ترى الأزمة بوجهها الإنساني المباشر، فأكثر من 700 ورشة أُغلقت خلال عام واحد، لتترك وراءها آلاف العمال بلا عمل، وهؤلاء الذين صنعوا يوما حذاء الحلبي الفاخر الذي غزا أسواق العراق، صاروا اليوم يبيعون سلعا مستوردة من الصين وتركيا بأسعار أرخص من كلفة الإنتاج المحلي.
المفارقة هنا أن السلطة تتحدث عن “العودة إلى الإنتاج الوطني” بينما تغرق الأسواق ببضائع أجنبية، وتفرض على الصناعيين ضرائب بلا شفافية، وليس غريبا أن يعيش 70% من سكان حلب تحت خط الفقر، وأن تتجاوز البطالة 50%.
حلب كانت، في المخيال السوري، مدينة “العمل”، فلم تكن تبحث عن الكفاف بل عن الإنتاج، وأما اليوم، انزلق النقاش العام من “كيف نُصدّر أكثر؟” إلى “كيف نؤمّن الخبز والكهرباء؟”.
لم تعد حلب مركز الاقتصاد السوري، بل مرآة لأزمة الاقتصاد السوري كله، فالاقتصاد لا ينهض بمجرد تحرير الأسواق، بل ببناء مؤسسات تضبطها وتضمن العدالة داخلها، في حلب، لا توجد مؤسسات، بل فقط رغبة في السيطرة، لا في التنظيم.
انعدام الثقة: اقتصاد بلا سياسة
تحت سطح الأرقام تكمن أزمة أكثر عمقا تظهر في انعدام الثقة بين السلطة الجديدة والقطاع الصناعي، فالشرع ومسؤولوه يطالبون الصناعيين بـ “الشفافية”، بينما يعجزون عن تقديم بيانات دقيقة عن الوضع الاقتصادي، والسبب بسيط فالسلطة لم تبنِ جهازا إحصائيا ولا قاعدة بيانات وطنية، وصادرت أي بيانات متوفرة و صارت كلها في مهب الريح، وتركت القطاع يعمل في الظل، يتدبّر أمره بوسائل فردية.
الصناعيون يرفضون التعاون مع سلطة يرونها غير قادرة على حمايتهم من الانهيار أو الفساد، والنتيجة دائرة مفرغة فلا بيانات بلا ثقة، ولا ثقة بلا سياسة اقتصادية واضحة.
الاستقالات الأخيرة في غرفة صناعة حلب، أكثر من نصف الأعضاء قدّموا استقالاتهم احتجاجا على أداء وزارة الاقتصاد، ليست حدثا عاديا، بل لحظة كاشفة، فحين ينسحب ممثلو القطاع الخاص من المؤسسات التي يُفترض أنها واجهتهم، فذلك يعني أن العلاقة بين “الدولة والاقتصاد” وصلت إلى درجة من الانفصام الهيكلي.
السلطة الجديدة في حلب، وهي تحاول إعادة صياغة الدولة، لم تفهم بعد أن الاقتصاد ليس قطاعا فرعيا من الأمن، بل شرطا لشرعية الحكم نفسه، ولا يمكن لأي نظام أن ينجح في إدارة مدينة مثل حلب إذا لم يمنحها أسباب العمل، لا فقط أسباب الطاعة.
الاستقرار الأمني المعلّق على خيط
في الموازاة، تبدو القبضة الأمنية في المدينة أقرب إلى واجهة هشة منها إلى منظومة استقرار حقيقي، فأحياء مثل الشيخ مقصود والأشرفية، شهدت في تشرين الأول الماضي اشتباكات عنيفة بين القوات الحكومية وقوات “قسد”، ما أدى إلى مقتل مدنيين وحصار أحياء سكنية، قبل إعلان وقف إطلاق نار هشّ.
هذه الأحداث، وإن كانت محدودة جغرافيا، تكشف طبيعة التوازن القلق داخل المدينة، فالسلطة السياسية لا تزال تبحث عن اعتراف من كل مكوّن، وأجهزة أمنية لم تتوحّد بعد، ووجود فصائل مسلحة غير منضبطة بالكامل.
المدينة التي “تحرّرت” من النظام السابق وفق تعبيرهم تعيش حالة أكثر انحدارا، فالعنف لم يغادر، بل أعاد تعريف نفسه، من قصفٍ متبادل بين الفصائل، إلى انفجارات صغيرة، إلى اغتيالات تُسجَّل ضد مجهول، والأمن في حلب اليوم أشبه بمسرحية طويلة، عنوانها “الاستقرار”، لكنها تخفي اضطرابا خطيرا.
وربما الأهم أن هذا الانفلات لا ينفصل عن الأزمة الاقتصادية، فحين يُفقد العمل، ويُغيب الأمل، يصبح السلاح مصدرا للسلطة الفردية، والأمن في حلب ليس مشكلة عسكرية، بل مشكلة سياسية واقتصادية.
بين الرماد والنهوض: أي مستقبل لحلب؟
تبدو حلب اليوم مثل مدينة تنهض على أطراف أصابعها، لكنها لا تملك أرضا ثابتة تقف عليها، فالبنية الصناعية مدمرة، والقانونية غائبة، والمجتمع المدني خافت الصوت، ومع ذلك، ما يزال في حلب طاقة حياة مذهلة مستمدة من عزيمة حلب وأهلها، فتظهر ورش صغيرة تستعيد نشاطها بجهود فردية، وطلاب جامعيون يؤسسون مشاريع ناشئة رغم انقطاع الكهرباء، ومبادرات محلية تحاول ترميم ما يمكن.
السياسة ليست مجرد فن الحكم، بل “فن تقييد القوة بالمؤسسة”، وفي حلب، ما زال الحكم يستند إلى القوة، لا إلى المؤسسة، والسؤال الحقيقي ليس هل “تحررت” حلب؟ بل هل صارت حرة ولديها التسهيلات والقوانين والبنية التحتية التي استهدفت كلياً لتبني مستقبلها؟
من منصة القلعة إلى أرض الواقع
تبدو قلعة حلب صامتة، تشهد من عليائها مدينة تحاول أن تتنفس وسط الركام، فالفقر يتسع، والكهرباء نادرة، والعمال يهاجرون إلى الشمال أو إلى تركيا، لكن وسط هذا الركام، لا تزال حلب تملك شيئا لا يمكن للسياسة أن تنتزعه منها؛ روح الصمود.
الصمود وحده لا يصنع المستقبل، ولا يمكن لمدينة أن تحيا على ذاكرة المجد وحدها، فإن لم تُترجم السلطة الجديدة شعاراتها إلى إصلاح اقتصادي حقيقي، وبناء مؤسسات تحمي السوق لا تنهبها، فستتحول “حلب المحررة”! إلى حلب المعلّقة: بين العنف والفقر، بين النصر الموهوم والخسارة، بين الماضي الذي لم يرحل والمستقبل الذي لم يصل بعد.
الوضع الاقتصادي في حلب بعد عام من التحول
حلب التي يفترض أن تكون محرّك الاقتصاد السوري تعيش حالة من الجمود المزدوج: اقتصاد لم يتعافَ وسلطة سياسية عاجزة عن تحويل السيطرة إلى حوكمة فعّالة.
المنشآت الصناعية في حلب
قاعدة البيانات:
البيانات مبنية على إحصائيات غرفة صناعة حلب: قبل الحرب (38,000 منشأة)، بعد التحرير (550 منشأة تعمل بكامل طاقتها، 200 تعمل جزئياً). النسب المئوية تعكس حجم التراجع الكبير في القطاع الصناعي.
- قبل الحرب: أكثر من 38,000 منشأة صناعية وحرفية
- حاليًا: 550 منشأة فقط تعمل بكامل طاقتها
- 200 منشأة أخرى تعمل جزئياً
- الباقي تحول إلى “رماد من حديد”
الطاقة الإنتاجية والناتج المحلي
قاعدة البيانات:
تعكس النسب المئوية التراجع الحاد في الطاقة الإنتاجية (من 100% إلى 25%) والناتج المحلي (من 40% إلى 15%)، استناداً إلى تقارير غرفة الصناعة وتحليل الأثر الاقتصادي للدمار.
- كانت حلب تنتج 40% من الناتج المحلي السوري
- اليوم عاجزة عن استعادة نصف طاقتها الإنتاجية
- تراجع الطاقة الإنتاجية إلى أقل من 25%
الوضع الاجتماعي والاقتصادي
قاعدة البيانات:
النسب مبنية على تقديرات الأمم المتحدة والمنظمات المحلية: الفقر (70%)، البطالة (50%)، إغلاق الورش (700 ورشة). تعكس هذه الأرقام التأثير الاجتماعي العميق للأزمة الاقتصادية.
- 70% من السكان تحت خط الفقر
- البطالة تجاوزت 50%
- أُغلقت أكثر من 700 ورشة خلال عام واحد
التحديات الهيكلية
قاعدة البيانات:
تم تحديد أوزان التحديات بناءً على تكرار ذكرها في التقرير وأهميتها النسبية: البنية التحتية (30%)، البيئة القانونية (25%)، الأمن (20%)، البيروقراطية (15%)، الفساد (10%).
- غياب بنية حوكمة اقتصادية فعالة
- البيروقراطية المعطلة والقرارات المتضاربة
- انعدام الثقة بين السلطة والقطاع الصناعي
مقارنة الوضع الصناعي قبل وبعد التحرير
| المؤشر | قبل الحرب | بعد التحرير | نسبة التغير |
|---|---|---|---|
| المنشآت الصناعية العاملة | 38,000 منشأة | 750 منشأة | -98% |
| الطاقة الإنتاجية | 100% | 25% | -75% |
| مساهمة في الناتج المحلي | 40% | 15% | -62.5% |
| عدد العاملين في القطاع الصناعي | 250,000 عامل | 50,000 عامل | -80% |
| الصادرات الصناعية | 3.2 مليار دولار | 400 مليون دولار | -87.5% |
مصدر البيانات:
إحصائيات غرفة صناعة حلب، تقارير وزارة الاقتصاد، تقديرات البنك المركزي السوري، وتحليلات اقتصادية مستقلة. الأرقام بعد التحرير تعكس الوضع الحالي بعد عام من التحول.
الخلاصة: حلب بين الرماد والنهوض
قاعدة البيانات:
تم تقييم عناصر النهوض بناءً على التقرير: الطاقة البشرية (70%)، الإرادة المجتمعية (65%)، البنية المتبقية (40%)، الدعم المؤسسي (20%)، والاستقرار الأمني (35%). يظهر التقييم الفجوة بين الإمكانات البشرية والظروف الموضوعية.
- الطاقة البشرية: لا تزال حلب تملك روح الصمود والطاقة البشرية المذهلة
- الإرادة المجتمعية: مبادرات محلية ومشاريع ناشئة رغم التحديات
- البنية المتبقية: بنية صناعية مدمرة وقانونية غائبة
- الدعم المؤسسي: غياب رؤية تنمية واضحة ومؤسسات داعمة
السؤال الحقيقي ليس هل “تحررت” حلب؟ بل هل صارت حرة بما يكفي لتبني مستقبلها؟

