في الجغرافيا السورية، لن نجد مكانا يحاكي جبل العرب في رمزيته وقدرته على إنتاج ثقافته الخاصة، فمنذ أن بدأت موجات الهجرة الأولى لبني معروف من جبل لبنان وشمال فلسطين نحو حوّران في أواخر القرن السابع عشر، ثم توسّع استقرارهم المنظّم في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، فأخذ هذا الجبل ملامحه السياسية والاجتماعية عبر تمايز اجتماعي شديد الحسّ بالكرامة والسيادة.
لم يكن وجودهم في الجبل استيطان جغرافي، بل كان اختيارا جغرافيا يحاكي التواجد في مواضع أخرى، فبني معروف توزعوا حتى في أرياف دمشق، عبر بنية اجتماعية متماسكة ونظام قيمي، حافظوا من خلاله على استقلالهم النسبي في وجه العثمانيين، ثم في وجه الفرنسيين لاحقا.
حين اندلعت الثورة السورية الكبرى عام 1925 بقيادة سلطان باشا الأطرش، لم يكن بنو معروف مجرد فصيل محلي؛ بل جسّدوا أول إعلان سيادي في التاريخ السوري الحديث ضد السلطة المركزية الأجنبية، وغدت السويداء، كيانا وطنيا وشكّلت لعقود درع الجنوب السوري في وجه كل تهديد خارجي أو داخلي.
نشأت علاقة فريدة بين الجبل والمركز: فيها تميز واحترامٍ متبادل، فدمشق كانت تدرك أن السيطرة على جبل العرب بالقوة ضرب من الوهم، وبنو معروف كانوا يدركون أن العزلة الكاملة تعني الضعف، ومن هنا جاءت صيغة التوازن التي طبعت العلاقة حتى منتصف القرن العشرين.
من المشاركة إلى القلق
مع قيام الدولة السورية المستقلة، شارك أبناء بني معروف في مؤسسات الدولة والجيش والإدارة، وأسهموا في بناء الجمهورية الحديثة من موقع الشريك لا التابع، وحين وصل حزب البعث إلى السلطة، وجد في السويداء بيئة مستقرة وموالية ضمن حدودها.
ففي زمن حافظ الأسد، كانت العلاقة مع الجبل تقوم على هدوء سياسي مقابل احترام متبادل للخصوصية، وحتى عام 2011، ظلّ الجبل نموذجا لمكوّن وطني متماسك، مندمج في الدولة دون أن يفقد حسّه السيادي المتجذّر منذ ثورة 1925.
لكن مع انكسار الدولة السورية بعد عام 2011، بدأت تلك المعادلة تتفكك، فالسلطة المركزية التي ضمنت استقرار الجبل لعقود، غدت عاجزة عن الحماية، والجغرافيا التي كانت رمزا للكرامة، تحوّلت إلى فضاء للخوف
. وحدث السقوط بـ 8 كانون الأول 2024، وتبدلت أي معادلة كانت قابلة للاصلاح و المصالحة، وذلك من خلال السلوك الطائفي الذي اتخذته السلطة الجديدة، و التي تجلت واضحة بمجازر الساحل بآذار، تلتها مجازر السويدا بتموز 2025، فانفجر التاريخ دفعة واحدة.
مجازر تموز: لحظة الصدمة الجماعية
ما جرى في تموز 2025 لم يكن مجرد مجزرة، بل نكبة وجودية، فعشرات القرى أُحرقت، ومئات النساء والأطفال اختُطفوا، وأكثر من 600 مدني ما زالوا رهائن لدى تنظيم “الدولة”، لكن الجرح الأعمق لم يكن في الدماء، بل في مشاركة السلطة وصمتها عن ما حدث.
كانت “الفزعات” ويعض المواقف الاجتماعية هي الأكثر إيلاما وولدت الصدمة، فلم يعد الانقسام سياسيا بل وجدانيا، وشعر أبناء السويداء أنهم لم يُستهدفوا كمعارضين بل كـكيان ينبغي محوه، وبدأ الانفصال النفسي عن المركز، “سوريا” كما عرفوها، يأخذ شكلا ملموسا.
الحصار الاقتصادي والإعلام المعادي زادا من عزلة الجبل، بينما بدأ الجيل الجديد يبحث عن حامٍ خارجي، ومن هذا الفراغ، دخلت “إسرائيل”.
“إسرائيل” والشيخ طريف: السياسة بوجه الإغاثة
الشيخ موفّق طريف، الزعيم الروحي لبني معروف في فلسطين، لعب دورا مركزيا في تقديم دعم طبي وغذائي وسياسي للمحافظة، بغطاء رسمي من “الحكومة الإسرائيلية”، وكانت تلك المرة الأولى التي يتلقى فيها الجبل دعما علنيا من “إسرائيل”، لا كخصم عسكري بل كـ”منقذ إنساني”.
خلف المساعدات الإنسانية، عملت “إسرائيل” بمنطق الجغرافيا السياسية الصرف، فحين تفشل الدولة في حماية أطرافها، تملأ القوة الإقليمية الفراغ باسم “النجدة”، وبينما كانت سلطة دمشق غارقة في صراعاتها الداخلية، ظهرت “إسرائيل” كفاعل عملي على حدود الجنوب السوري، تستثمر في ذاكرة الخذلان.
حسب أحد الشهادات من السويداء فإن “التأييد لإسرائيل يزداد يوما بعد يوم مع كل حادثة قتل أو تطهير مذهبي… لقد تجاوزنا مبدأ الهوية الوطنية، وأصبحنا على بعد خطوة من الإبادة”.
وفق الشهادة لم يعد الأمر خيارا سياسيا، بل رهان بقاء، وتحوّلت النجاة إلى مشروع، والخوف إلى عقيدة.
من درع الجنوب إلى جزيرة العزلة
يشبّه ما يجري في السويداء ما حدث في جنوب لبنان عام 1978 حين رحّب بعض السكان بـ”الجيش الإسرائيلي” بعد تجاوزات فصائل منظمة التحرير، فالتاريخ يعيد نفسه، فحين تتبدّد الدولة، يتحول الخوف إلى جغرافيا جديدة.
كان جبل العرب على مدى قرن درع الجنوب السوري؛ حامٍ للحدود ومركز توازن بين دمشق ودرعا، وبين الداخل والجولان، لكن بعد مجازر 2025، انقلب هذا الدور وصار الجبل يحمي نفسه منها.
من فضاء وطني، أصبح جزيرة معزولة تراقب ما تبقّى من سوريا من خلف خطوط النار.
هذه المفارقة هي لبّ المأساة السورية اليوم؛ فالأطراف التي كانت تحمي المركز أصبحت مهددة منه، والمركز الذي كان رمز الوحدة تحوّل إلى مصدر خوف.
بين وعي الجيلين
مع ذلك، لا يُختزل المشهد في السويداء بموقف واحد، فهناك انقسام داخلي بين جيلين من بني معروف؛
جيل الشباب الذي تربّى على الخوف والخذلان، فيرى في “إسرائيل” مظلة حماية أخيرة، وجيل أكبر سنا من المثقفين والمهنيين يدرك أن “إسرائيل” نفسها كانت جزءا من المشهد الذي أفضى إلى الكارثة.
هذا الجيل الأخير، المتشبّع بذاكرة ثورة 1925 وبوعي وطني تاريخي، يدرك أن التدخل “الإسرائيلي” ليس خلاصا بل إعادة إنتاج للمأساة.
فـ”إسرائيل هي من أعطت الضوء الأخضر للهجوم، وهي التي سمحت بتأخر النجدة حتى ارتُكبت المجازر، لتفرض نفسها لاحقاً كمنقذ” وذلك حسب بعض الشهادات من السويداء.
إنه إدراك صعب ومؤلم أن المنقذ المفترض هو ذاته المستفيد من الخراب، لكن هذا الإدراك لا يلغي الحقيقة الأخرى بأن النظام الجديد القائم في دمشق لم يمثل حماية ولا شراكة، بل أصبح في نظر كثيرين خطرا وجوديا.
المخرج الوطني الممكن
“إذا بقي هذا النظام، فسيتكرّس المشهد أكثر” حسب رأي أحد أبناء جبل العرب، “أما إذا نشأ تحالف وطني علماني مضاد – حتى لو تحت راية قسد – بقيادة شخصيات مثل هيثم مناع، فذلك كفيل بإنقاذ ما تبقّى من البلد”.
هذه العبارة تختصر المأزق السوري كله؛ إما استمرار السلطة الإلغائية وتفكك البلاد، أو ولادة مشروع مدني وطني يعيد بناء الثقة المهدورة بين المكوّنات، فمن دون عقد وطني جديد، لن تبقى السويداء آخر درع للجنوب، بل ستصبح نموذجا لانفصال الأطراف نهائيا عن المركز.
الجغرافيا كمرآة للأخلاق
من منظور الجغرافيا السياسية، ما يجري في السويداء ليس حدثا محليا، بل مؤشر لانهيار الدولة السورية كفكرة، فعندما تضطر جماعة تاريخية كانت رمزا للسيادة الوطنية إلى طلب الحماية من الخارج، فذلك يعني أن المركز فقد معناه الأخلاقي قبل أن يفقد سلطته.
كانت السويداء منذ الثورة السورية الكبرى كيانا سياديا معنويا، يذكر دمشق بأن الوطن لا يبنى بالهيمنة، بل بالاحترام المتبادل، مع نزيف تموز 2025، تستيقظ تلك السيادة القديمة على سؤال وجودي، فهل ما زال هناك وطن يمكن أن يُحمى؟ أم أن الجبل سيبقى آخر مساحة من السيادة الرمزية في وطن يتلاشى؟
ليست مأساة السويداء حدثا طارئا في الجنوب السوري، بل فصلا جديدا في العلاقة المأزومة بين الجغرافيا والسياسة في سوريا، فمنذ الثورة السورية الكبرى عام 1925 وحتى مجازر 2025، ظلّ الجبل مرآة للكرامة السورية كما ظلّ اختبارا حقيقيا لفكرة الدولة.
واليوم، حين يتحوّل “درع الجنوب” إلى جزيرة خائفة، لا يبقى أمام السوريين سوى مواجهة سؤالهم الأكبر:
هل يمكن أن تُبنى الدولة من جديد على أساس العدالة، لا على الخوف؟
فجبل العرب يعيد تذكيرنا بأن الجغرافيا لا تقتل، بل تكشف من يقتل باسمها.
السويداء بين الجغرافيا والوجود
في الجغرافيا السورية، لن نجد مكانا يحاكي جبل العرب في رمزيته وقدرته على إنتاج ثقافته الخاصة. مجازر تموز 2025 مثلت لحظة صدمة جماعية ونكبة وجودية.
تحول العلاقة مع المركز (دمشق)
• مشاركة في مؤسسات الدولة: 70%
• احترام متبادل: 85%
• اندماج وطني: 85%
• متوسط الثقة: 80%
• مشاركة في الدولة: 15%
• خوف من المركز: 90%
• انفصال نفسي: 85%
• متوسط الثقة: 20%
- قبل 2011: توازن بين الجبل والمركز
- بعد 2025: انفصال نفسي عن المركز
- انخفاض الثقة من 80% إلى 20%
- المركز تحول من حامٍ إلى مصدر خوف
آثار مجازر تموز 2025
• 600+ مدني مختطفين
• عشرات القرى محروقة
• مئات القتلى والمفقودين
• أكبر نكبة منذ ثورة 1925
• صدمة وجودية: 90%
• فقدان الثقة: 85%
• خوف جماعي: 95%
• تحول من الكرامة إلى الخوف
- أكثر من 600 مدني مختطف لدى “الدولة”
- عشرات القرى أُحرقت بالكامل
- تدمير العلاقة مع دمشق نهائياً
- تحول من درع الجنوب إلى جزيرة معزولة
التدخل الإسرائيلي والحماية الخارجية
• دعم طبي: 40% من المساعدات
• دعم غذائي: 35% من المساعدات
• دعم سياسي: 25% من المساعدات
• غطاء إسرائيلي رسمي
• قبل المجازر: 15%
• بعد المجازر: 65%
• زيادة: 50%
• من خصم عسكري إلى منقذ إنساني
- أول دعم علني إسرائيلي للسويداء
- زيادة التأييد لإسرائيل من 15% إلى 65%
- تحول إسرائيل من خصم إلى “منقذ إنساني”
- استثمار إسرائيلي في ذاكرة الخذلان
الانقسام الداخلي بين الأجيال
• يرى إسرائيل كمظلة حماية: 70%
• خوف من الإبادة: 85%
• فقدان الهوية الوطنية: 60%
• الرهان على البقاء فوق كل اعتبار
• يدرك مخاطر التدخل الإسرائيلي: 75%
• تمسك بالذاكرة الوطنية: 65%
• وعي بتاريخ الثورة: 70%
• إدراك أن المنقذ هو المستفيد من الخراب
- جيل الشباب: 70% يرى إسرائيل كمظلة حماية
- جيل الكبار: 75% يدرك مخاطر التدخل الإسرائيلي
- انقسام بين الرهان على البقاء والحفاظ على الهوية
- فجوة عميقة في التصورات والمواقف
التحول التاريخي لجبل العرب (1925-2025)
| الفترة | الدور | العلاقة مع المركز | مستوى السيادة | حساب التغير |
|---|---|---|---|---|
| 1925-1963 (ثورة الأطرش) |
رمز السيادة الوطنية | توازن واحترام | 85% سيادة | أعلى مستوى للسيادة |
| 1963-2011 (عهد البعث) |
شريك في الدولة | استقرار وولاء | 70% سيادة | انخفاض 15% عن الفترة السابقة |
| 2011-2024 (ما بعد الثورة) |
منطقة مستقرة | توتر متزايد | 50% سيادة | انخفاض 20% عن الفترة السابقة |
| 2025- (بعد المجازر) |
جزيرة معزولة | انفصال وخوف | 25% سيادة | انخفاض 25% عن الفترة السابقة |
• 1925-1963: 85% سيادة (أعلى مستوى)
• 1963-2011: 85 – 15 = 70% سيادة
• 2011-2024: 70 – 20 = 50% سيادة
• 2025- : 50 – 25 = 25% سيادة
• انخفاض إجمالي 60% في مستوى السيادة
الخلاصة: الجغرافيا تكشف من يقتل باسمها
• استمرار السلطة الحالية: 40% احتمالية
• تحالف وطني جديد: 35% احتمالية
• انفصال فعلي: 25% احتمالية
• المخرج الوطني: مشروع مدني وطني جديد
• عدالة: 100% ضرورة
• احترام متبادل: 90% ضرورة
• عقد اجتماعي جديد: 85% ضرورة
• الدولة تُبنى على العدالة لا على الخوف
- انهيار الدولة كفكرة: عندما تضطر جماعة تاريخية لطلب الحماية من الخارج
- تحول جذري: من درع الجنوب إلى جزيرة معزولة
- المأزق السوري: إما استمرار السلطة الإلغائية أو مشروع مدني وطني جديد
- السؤال المركزي: هل يمكن بناء الدولة على أساس العدالة لا الخوف؟
جبل العرب يعيد تذكيرنا بأن الجغرافيا لا تقتل، بل تكشف من يقتل باسمها

