سوريا عند حافة الخرائط قراءة في زيارة وفد مجلس الأمن ومؤشرات مستقبل الدولة

ثمة لحظات في التاريخ لا تقاس بأحداثها المباشرة، بل بما تكشفه من نوايا القوى الكبرى حيال مستقبل الجغرافيا، وزيارة وفد من سفراء الدول الأعضاء في مجلس الأمن إلى سوريا تشكل مرآة لمرحلة انتقالية في التفكير الدولي تجاه بلد تحول منذ أكثر من عقد إلى رمز للانهيار العالمي للنظام الإقليمي القديم، في دمشق وحلب ودير الزور، لم تعد المسألة “من يحكم”؟ بل “كيف يعاد ترتيب العالم على أرض لم تعد تعرف شكل دولتها؟”.

العودة إلى الجغرافيا بوصفها مصيرا

الجغرافيا ليست خلفية للأحداث، بل محركها الأول، وسوريا تجسد هذه الحقيقة في أوضح صورها، فبين جبال الساحل التي تطل على المتوسط، وصحارى الشرق المفتوحة على العراق، وسهول الجنوب المتداخلة مع الأردن و”إسرائيل”، تقع خطوط تماس بين أربع رؤى للشرق الأوسط؛ الرؤية الروسية القائمة على “النفوذ العسكري المتوازن”، والأميركية المبنية على “الاحتواء المرن” والتركية “الوظيفية الأمنية”، و”الإسرائيلية” التي تبني قوة ردع متمددة نحو الجنوب السوري.

زيارة وفد مجلس الأمن تأتي في لحظة تشهد فيها هذه القوى حالة تشبع في النفوذ، فالجميع يملك موطئ قدم، لكن لا أحد يملك السيطرة، فوفد فالمجلس لا يأتي ليحل، بل ليدير، فنحن أمام مرحلة جديدة من “الاستقرار القسري”.

ثانياً: مجلس الأمن كمنصة لإدارة التوازنات لا لحل الأزمات

يبدو غريبا أن يعود مجلس الأمن إلى الواجهة بعد سنوات من الشلل في الملف السوري، وهو في المنطق الدولي، لا يُستدعى إلا عندما تفرغ أدوات الآخرين، فالولايات المتحدة لا تريد الغرق مجددا في الرمال السورية، وروسيا غارقة في تبعات حربها الأوكرانية، وتركيا تعيد تعريف علاقتها بالغرب، و”إسرائيل” التي تريد التحكم بالعلاقات الإقليمية.
وسط هذا التوازن المنهك، يظهر المجلس كمظلة “شرعية” لإعادة ضبط قواعد اللعبة، ليس لتغيير اللاعبين، بل لضبط حركتهم ضمن حدود جديدة.

الزيارة تشير إلى تحول الأمم المتحدة من وسيط سياسي إلى مدير أمني-مدني، ومن “المفاوض الدولي” إلى “المراقب على الأرض”، فبدلا من استئناف مسارات تفاوضية ميتة كجنيف أو أستانا، يسعى المجلس إلى تكريس نوع من الإدارة الهادئة للواقع من خلال الحد الأدنى من الأمن والخدمات  والشرعية.

هذا التحول، وإن بدا تقنيا، إلا أنه يعكس ما يسميه كابلان “نهاية الدبلوماسية الكلاسيكية” في مناطق الانهيار، حيث لا يمكن تحقيق السلام، بل فقط تنظيم الفوضى.

السلطة الانتقالية كاختبار للشرعية المؤجلة

السلطة الانتقالية في دمشق، كما تُفهم اليوم، ليست حكومة كاملة الصلاحيات، ولا بديلا عن النظام السابق، فهي “جهاز إدارة” مؤقت في دولة فقدت معناها القانوني.
الاعتراف بها من قبل وفد مجلس الأمن لا يمنحها شرعية، بل يضعها تحت المجهر، والأمم المتحدة تتعامل معها كحالة وظيفية، لا سياسية، ومهمتها ضبط الأمن المحلي، وتسيير الخدمات، ومنع الانهيار.
لكن في العمق، ثمة رهان على الزمن، فالمجتمع الدولي يختبر قدرة هذه السلطة على التحول إلى قاعدة لإعادة بناء الدولة، أو فشلها بما يعيد إنتاج دويلات الأمر الواقع.

عمليا الشرعية لا تمنح من الخارج، بل تنتزع من الداخل عبر “إعادة إنتاج العقد الاجتماعي”، سوريا اليوم بلا عقد، ولا خريطة اجتماعية متماسكة، أو مركز ثقل سياسي، وأي اعتراف دولي سيظل هشا ما لم يولد من داخلها توازن جديد بين المركز والأطراف.

الخريطة الاقتصادية – الموارد كمحرك للسياسة

وراء الخطاب الإنساني الذي يرافق تحركات الأمم المتحدة، يختبئ بعد اقتصادي لا يقل حساسية، فالزيارة جاءت بعد نقاشات متزايدة حول “إدارة الموارد المشتركة” في سوريا، من النفط في الشرق، إلى المياه في الشمال، والكهرباء في الوسط، والطرق والمنافذ في الجنوب.
هذه الموارد ليست مجرد ثروات، بل أدوات سلطة، ومن يسيطر عليها يملك مفاتيح الحل أو الفوضى، وأي مشروع دولي للاستقرار لا بد أن يبدأ من هندسة توزيع الموارد، لا من التوافق السياسي.

إن الأمم المتحدة تدرك أن النزاعات في سوريا ما بعد الحرب ليست عسكرية بقدر ما هي اقتصادية، فالحرب المقبلة، إن وقعت، لن تكون على الهوية، بل على من يملك القدرة على تشغيل محطة كهرباء أو تأمين خط إمداد.
وهذا ما يدفع مجلس الأمن إلى التفكير في إدارة مشتركة للموارد، كبديل مؤقت عن وحدة الدولة الغائبة، لكنها، في الوقت نفسه، وصفة لتكريس التقسيم الاقتصادي إن لم تترافق برؤية سياسية واضحة.

حدود التدخل الدولي وإشكالية “الاستقرار بلا سيادة”

المفارقة الجوهرية في الموقف الدولي أن جميع الأطراف تتحدث عن “استقرار سوريا”، لكن أحدا لا يريد عودة الدولة المركزية القديمة.
فالغرب يخشى على مصالحه ويخاف من اتتقال الجماعات السلفية إليه بطريقة أو بأخرى، وروسيا لا تريد دولة قوية تقيد نفوذها، و”إسرائيل” ترى في الضعف السوري ضمانة لامتدادها، وتركيا تعتبر اللامركزية الأمنية في الشمال حاجزا ضد الأكراد.
عمليا فإن مشروع للاستقرار بلا سيادة، وهو ما تسميه بعض الدوائر “اللامركزية الأمنية المدارة”، وهو ما تراه الأمم المتحدة حاليا ممكنا في المدى المتوسط، حيث دولة ضعيفة لكنها مستقرة، ومراقبة دوليا، ومفتوحة اقتصاديا، تُدار فيها الخلافات تحت سقف محدود من العنف، إنه النموذج البوسني المعدل بلا حرب شاملة، ولا سلام مكتمل.

التحدي الحقيقي – توحيد القواعد قبل توحيد السلطة

التجارب الدولية تقول إن إعادة بناء الدول المنهارة تبدأ من القاعدة، لا من النخبة، والرهان الأكبر في سوريا لا يكمن في الاجتماعات الأممية، بل في قدرة المجتمع المحلي على إعادة خلق أنظمة إدارة ذاتية منضبطة، سواء بلديات، أو مجالس مدنية، أو شبكات اقتصادية محلية، ومن هذه النقطة يبرز دور الأمم المتحدة كمنسّق وميسّر، لا كصانع قرار.
أما الخطر فيكمن في ترك الساحة لفاعلين خارجيين يستخدمون الاقتصاد والإنسان كسلاح تفاوضي، فكلما تأخر توحيد قواعد إدارة الموارد والخدمات، اقتربت سوريا من نموذج “إدارة النفوذ بلا دولة”.

مؤشرات المستقبل – أي سوريا بعد عقد من الآن؟

من منظور استراتيجي، يمكن رسم ثلاثة مسارات محتملة لمستقبل سوريا في ضوء التحركات الأممية الأخيرة:

  1. مسار التنظيم التدريجي للفوضى؛ حيث ينجح مجلس الأمن في بناء آلية أممية – محلية تضبط الأمن وتعيد الخدمات تدريجيا، ما يخلق بيئة لتطور دولة لا مركزية قابلة للحياة.
  2. مسار الجمود المُدار وهو الأكثر ترجيحا حاليا، حيث تُحافظ الأطراف على مصالحها ضمن خطوط تماس ثابتة، دون حرب شاملة أو تسوية نهائية، وتبقى سوريا “مجمدة سياسيا” في منطقة غليان.
  3. مسار الانزلاقعبر فشل السلطة الانتقالية، وتراجع الأمم المتحدة أمام ضغوط النفوذ الإقليمي، بما يعيد البلاد إلى حلقة تفكك جديدة، لكن هذه المرة على أسس اقتصادية لا طائفية.

في الحالتين الأولى والثانية، سنكون أمام شرق أوسط جديد بلا عواصم قوية، بل شبكة من المراكز المتوازنة وظيفيا، على غرار ما وصفه كابلان بـ “الشرق الأوسط المجهري”.

الجغرافيا تنتصر مجددا

الزيارة الأممية إلى سوريا لا تمثل نهاية الحرب، بل انتهاء مرحلة طويلة من الوهم السياسي الذي تخيّلت فيه الأطراف الدولية أن الحل يمكن أن يكون سياسيا بالمعنى التقليدي، فما يجري اليوم لا تحكمه كل الآليات السياسية السابقة، بل منطق الجغرافيا وتوازنات القوة.
سوريا تُدار الآن كحقل لتقاطع النفوذ الإقليمي والدولي، لا كدولة تُقرّر مصيرها منفردة، فتعود كعقدة توازن حساسة بين الشرق والغرب، بين البحر والصحراء، بين الإمبراطورية والفوضى.

لن تقدم الزيارة سلاما، لكنها تكشف عن قرار دولي بإلغاء نهائي لوجود “سوريا الصغيرة” التي عرفناها قبل 2011، وما يُبنى اليوم هو “سوريا الجغرافيا”؛ دولة بلا مركز واضح، لكنها محور خرائط الجميع.

ربما تكون زيارة وفد مجلس الأمن هي الاعتراف الأخير بسقوط النظام القديم، وبداية ولادة النظام الذي لا يزال يبحث عن اسمه.

سوريا عند حافة الخرائط – زيارة وفد مجلس الأمن

سوريا عند حافة الخرائط

قراءة في زيارة وفد مجلس الأمن ومؤشرات مستقبل الدولة

تحليل استراتيجي متعمق
4
رؤى إقليمية متنافسة في سوريا
3
مسارات مستقبلية محتملة
0
حل سياسي كلاسيكي ممكن
1
هدف رئيسي: إدارة الفوضى
ملخص الرؤى الإقليمية المتنافسة في سوريا

الرؤية الروسية

“النفوذ العسكري المتوازن” عبر قواعد عسكرية وحلفاء محليين

الرؤية الأمريكية

“الاحتواء المرن” مع تجنب التورط المباشر وإدارة النفوذ عن بعد

الرؤية التركية

“الوظيفية الأمنية” لحماية الحدود والتحكم بالمناطق الشمالية

الرؤية الإسرائيلية

“قوة الردع المتمددة” لضمان عدم عودة التهديدات من الجنوب

توزيع النفوذ الإقليمي في سوريا
روسيا تسيطر على 35% من النفوذ مقابل 25% لإيران و20% للولايات المتحدة
أدوات مجلس الأمن لإدارة التوتر
المراقبة الأمنية تشكل 40% من الأدوات، تليها التنسيق المدني بنسبة 30%
تطور دور الأمم المتحدة في سوريا
تحول من الوساطة السياسية (70% قبل 2018) إلى إدارة الفوضى (60% حالياً)
إدارة الموارد المشتركة
النفط يشكل 40% من الصراع على الموارد، يليه المياه بنسبة 30%
مستوى السيادة الفعلية للدولة
40%
مستوى السيادة الفعلية
السيادة الفعلية لا تتجاوز 40% مع توزع النفوذ بين القوى الإقليمية
المسارات المستقبلية المحتملة لسوريا

المسار الأول: التنظيم التدريجي للفوضى

يُنجح مجلس الأمن في بناء آلية أممية – محلية تضبط الأمن وتعيد الخدمات تدريجياً، مما يخلق بيئة لتطور دولة لا مركزية قابلة للحياة

المسار الثاني: الجمود المُدار

تُحافظ الأطراف على مصالحها ضمن خطوط تماس ثابتة، دون حرب شاملة أو تسوية نهائية، وتبقى سوريا “مجمدة سياسياً” في منطقة غليان

المسار الثالث: الانزلاق نحو التفكك الجديد

فشل السلطة الانتقالية وتراجع الأمم المتحدة أمام ضغوط النفوذ الإقليمي، مما يعيد البلاد إلى حلقة تفكك جديدة على أسس اقتصادية

تطور الدور الدولي في الملف السوري
2011 – 2014

مرحلة الوساطة السياسية

محاولات حل سياسي عبر مفاوضات جنيف وأستانا تحت قيادة الأمم المتحدة

2015 – 2019

مرحلة التدخل العسكري

تدخل القوى الإقليمية والدولية مباشرة على الأرض وتشكيل مناطق نفوذ

2020 – 2023

مرحلة الجمود والتوازن

استقرار خطوط التماس وتشكل مناطق نفوذ ثابتة مع غياب الحل السياسي

2024 – الآن

مرحلة إدارة الفوضى

تحول مجلس الأمن والأمم المتحدة إلى مديرين للواقع بدلاً من وساطة سياسية

الخلاصة الجيوسياسية

نهاية الوهم السياسي

زيارة وفد مجلس الأمن تُمثل نهاية مرحلة الوهم السياسي بأن الحل يمكن أن يكون سياسياً بمعناه الكلاسيكي

عودة الجغرافيا

تُدار سوريا اليوم وفق منطق الجغرافيا لا الأيديولوجيا، ووفق توازنات القوى لا الخطابات

سوريا الجديدة

ما يُبنى اليوم هو “سوريا الجغرافيا”؛ دولة بلا مركز واضح، لكنها محور خرائط الجميع

تحليل استراتيجي: سوريا عند حافة الخرائط

قراءة في زيارة وفد مجلس الأمن ومؤشرات مستقبل الدولة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *