عام على التصعيد الإسرائيلي في سوريا: إعادة تشكيل الخريطة العسكرية

منذ الثامن من كانون الأول 2024، التاريخ الذي طوى صفحة النظام السوري السابق، بدت الجغرافيا السورية كأنها انتقلت من حالة “دولة المواجهات الدولية إلى “المختبر العسكري المفتوح”.

خلال عام واحد فقط، سجلت الساحة السورية أكثر من ثمانمائة اعتداء إسرائيلي، جوي وبري، استهدفت ما يقارب تسعمائة هدف عسكري بين مستودعات سلاح ومقرات قيادة وأنظمة دفاع جوي وبنى تحتية للاتصالات والرادار.
ما حدث لم يكن مجرد تصعيد ميداني؛ بل إعادة هندسة كاملة لبنية القوة داخل سوريا، تعيد بدورها تعريف مفهوم الردع، وتحول الخارطة العسكرية السورية إلى شبكة من “الفراغات الاستراتيجية”.

سوريا بعد النظام – من الفراغ السياسي إلى الفراغ العسكري

مع انهيار النظام السابق، انهارت معه البنية الخاصة بالدولة خصوصا مع حل الجيش، فالفراغ الذي خلفه الانهيار لم يملأ من قبل فاعل وطني منظم، بل تحول إلى مساحة مفتوحة لتدافع الإرادات الإقليمية والدولية، ووجدت إسرائيل نفسها أمام مشهد “ما بعد الدولة”، حيث تتداخل مجموعات محلية مسلحة، وفصائل عسكرية، وقواعد روسية محدودة الدور بعد إعادة انتشارها.
هذا التشظي البنيوي منح إسرائيل نافذة استراتيجية نادرة؛ غياب القيادة المركزية السورية، وتشتت منظومات الدفاع الجوي، وانكشاف سلاسل الإمداد، مكنها من تنفيذ عمليات دقيقة بعمق الأراضي السورية دون خشية رد منظم.

خارطة الضربات – هندسة الفوضى

الأرقام تكشف عن نموذج هندسي في الضربات أكثر من كونه عشوائية عملياتية، فتركزت الاعتداءات في محور ثلاثي:

  • دمشق وريفها (39 ضربة) باعتبارها مركز للقيادة والسيطرة.
  • درعا والسويداء (48 ضربة مجتمعة) كمنطقة فاصلة بين الجنوب السوري والجولان المحتل.
  • اللاذقية وطرطوس (21 ضربة) في غرب البلاد، حيث الوجود الروسي، لكن دون مواجهة مباشرة معه.

هذا التوزيع الجغرافي يعكس استراتيجية “إسرائيلية” متعددة السويات:

  1. شل القدرة المركزية على التنسيق العسكري.
  2. منع تشكل جبهة جنوبية جديدة يمكن أن تهدد أمن الجولان.
  3. إرسال رسالة ضمنية إلى موسكو وطهران بأن هامش المناورة “الإسرائيلي” في سوريا ما بعد النظام هو غير قابل للتفاوض.

الأهم أن “إسرائيل”، وفق التسلسل الزمني للضربات، طبّقت تكتيك الموجات المتصاعدة، فكل شهر يشهد زيادة تدريجية في حجم الأهداف ونوعيتها، وصولا إلى ذروة في شهري تموز وآب، حيث نفذت 33 اعتداء دمّرت أكثر من 40 هدفا وأوقعت قرابة 20 ضحية، معظمهم من عناصر وزارة الدفاع السورية.

البنية المستهدفة – من التدمير إلى إعادة التصميم

لم تكتفِ “إسرائيل” بتدمير مواقع دفاعية؛ بل استهدفت منظومة متكاملة من الذاكرة العسكرية السورية،
فالاعتداءات تجاوزت مخازن الذخيرة، وشملت مراكز القيادة والسيطرة(C2)، وشبكات الاتصالات العسكرية، والرادارات القاعدية، ومهابط الطيران التكتيكي.
أعادت إسرائيل صياغة المشهد العسكري بطريقة تشبه “إعادة الضبط الكامل لنظام السيطرة والتحكم”، وما حدث في سوريا ليس حربا إنما تفكيك ممنهج للقدرة العسكرية المتبقية.
حولت “إسرائيل” سوريا من ساحة معادية محتملة إلى مساحة نزع سلاح فعالة، معتمدة على ثلاثة مكونات تكتيكية:

  1. الضربات الوقائية الاستباقية (Preemptive Precision Strikes).
  2. الحرب السيبرانية الداعمة لتعطيل الاتصالات قبل الغارات.
  3. الضربات المتتابعة (Follow-up Waves) التي تمنع إعادة التموضع.

كل هذه العناصر تشير إلى تحول العقيدة الإسرائيلية في سوريا من “احتواء التهديد” إلى “إدارة الفراغ”، أي أن الهدف لم يعد إيقاف الخطر، بل التحكم بالبيئة الأمنية الذي يولد فيها الخطر من جديد.

التحوّل المفاهيمي في الردع

الردع الإسرائيلي في سوريا تجاوز فكرة العقاب إلى ردع الوجود نفسه، فبينما كانت الغارات قبل 2024 تستهدف قوافل سلاح محددة فإن ضربات 2025 أعادت تعريف “الهدف العسكري”، الذي أصبح “ما يمكن أن يشكل خطرا في المستقبل”.
بهذا المعنى، تتبنى إسرائيل منطق الذكاء الاصطناعي العسكري في إدارة المخاطر، أي استهداف احتمالات الخطر قبل أن تتحقق، كما تفعل الخوارزميات في التنبؤ الأمني.

ما حدث خلف انهيار شبه كامل للقدرات الجوية والبرية السورية المتبقية، وانحسار القدرة على الرصد والرد،
ويقدر أن 70% من منشآت الدفاع الجوي تم تعطيلها، وأن معظم البنية التحتية اللوجستية بين دمشق وحمص باتت غير قابلة للتشغيل.

الحرب الهادئة – التكامل بين البر والجو

من اللافت أن 14 اعتداء بري “إسرائيلي” تم توثيقه خلال العام، وهو رقم متواضع مقارنة بـ 89 ضربة جوية، لكنه يشير إلى تحوّل نوعي في نمط العمليات.
فالضربات البرية ليست سوى امتداد للحرب الجوية، فالوحدات الخاصة، مدعومة بقدرات استطلاع متقدمة، نفذت عمليات “قص محدد” (surgical raids) داخل الأراضي السورية، خصوصا في القنيطرة ودرعا، حيث تتقاطع الجغرافيا الوعرة مع خطوط الإمداد القديمة.

بهذا الدمج بين الذراع الجوية والعمليات البرية القصيرة، تبني إسرائيل نظام سيطرة ناعم (Soft Control System)  داخل الجنوب السوري، لا يحتاج إلى احتلال أو تواجد دائم، بل يعتمد على القدرة المستمرة على الضرب والمراقبة والتدخل.

المآلات الإنسانية والاستراتيجية

من الناحية الإنسانية، خلفت الضربات خلال عام واحد 76 ضحية، بينهم24  مدنيا، لكن في المنظور “الإسرائيلي” لا تقاس الخسائر بعدد الضحايا، بل بمنع تكوين منظومات تهديد مستقبلية.
تتعامل “إسرائيل” مع سوريا اليوم كما تتعامل شركات الأمن السيبراني مع شبكة مصابة بفيروس؛ كل خلية غير مضبوطة يجب تعطيلها قبل أن تعيد إنتاج الخطر.

إلا أن هذا النمط من “الردع الشامل” يحمل مخاطر بنيوية:

  1. تآكل مفهوم السيادة الوطنية السورية نهائيا، وهو ما يفتح الباب أمام تعدد الفاعلين غير الدوليين.
  2. احتمال تصدير الصراع إلى لبنان والعراق، نتيجة فراغات القوة الناتجة.
  3. تفاقم الأزمة الإنسانية في مناطق الجنوب، حيث تتقاطع خطوط النار مع التجمعات المدنية.

“إسرائيل” وسوريا – من حرب الظل إلى هندسة المستقبل الأمني

انتقلت “إسرائيل”، بعد 2024، من مرحلة “الحرب في الظل” إلى مرحلة إدارة بيئة ما بعد الحرب، ففي الوقت الذي تتجنب فيه الدخول في مواجهة مباشرة مع أي قوة كبرى، تواصل تنفيذ استراتيجية “التحكم عن بُعد”، مستفيدة من:

  • غياب الرد السوري المنسق.
  • تراجع الدور الروسي بعد إعادة تموضع قواته في الساحل.
  • انشغال إيران بترميم شبكاتها اللوجستية عبر العراق.

إنها حرب القرن الحادي والعشرين بصيغتها الكاملة؛ مزيج من الضربات الذكية، والبيانات الاستخباراتية، والعمليات غير المتناظرة، فلا معارك كبرى واحتلال وخطوط تماس واضحة، بل هندسة مستمرة للفراغ.

قراءة في المستقبل القريب

إذا واصلت “إسرائيل” هذا النسق، فإن العامين المقبلين سيشهدان انتقال الصراع إلى مستوى التحكم الجيو-اقتصادي عبر التحكم بخطوط الطاقة والمعابر والمياه، إضافة للمواقع العسكرية.
كما ستسعى “إسرائيل” إلى بناء طوق من الردع الذكي يمتد من الجولان حتى المتوسط، مستخدمة الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة كأدوات رقابة دائمة.

لكنّ الخطر الاستراتيجي يكمن في الفراغ المستدام، كلما غابت الدولة السورية المركزية أكثر، ازداد عدد اللاعبين المحليين الذين يسعون لملء هذا الفراغ، من ميليشيات محلية إلى تنظيمات عابرة للحدود، والسؤال الذي يشكّل محور الصراع القادم هل تستطيع “إسرائيل” إدارة الفوضى إلى الأبد؟ أم أن الفوضى ذاتها ستبدأ بإعادة هندسة الردع الإسرائيلي من جديد؟

ما بعد القوة – حين تصبح الحرب عملية ترميم مستمرة

بعد عامٍ على التصعيد، يمكن القول إن سوريا لم تعد ساحة مواجهة، بل بيئة اختبار استراتيجي لطبيعة الحروب الحديثة، ولقد جسدت الاعتداءات “الإسرائيلية” في سوريا الانتقال من الحرب بوصفها “حدثا” إلى الحرب بوصفها “حالة دائمة من الترميم الأمنية”.
فكل اعتداء هي تحديث برمجي في نظام الردع، وكل استهداف هو خطوة في مشروع “تعقيم عسكري شامل”، لكن التاريخ يُظهر أن الفضاءات الخالية من الجيوش لا تبقى خالية طويلا، فهي تُغري الميليشيات، والمناطق المنزوعة السلاح تُغري التسلّح من جديد.
لم تنه “إسرائيل” الحرب في سوريا؛ بل أعادت برمجتها بلغة جديدة مرتبطة بالقرن الحادي والعشرين حيث حرب بلا جبهات، بلا بداية، وبلا نهاية واضحة.

عام على التصعيد الإسرائيلي في سوريا: الحرب غير المعلنة وإعادة تشكيل الجغرافيا العسكرية
تحليل عسكري واستراتيجي | سوريا الغد

عام على التصعيد الإسرائيلي في سوريا: الحرب غير المعلنة

إعادة تشكيل الجغرافيا العسكرية وهندسة الفوضى الاستراتيجية
تحليل الضربات الإسرائيلية وتأثيرها على البنية العسكرية السورية منذ كانون الأول 2024

توزيع الضربات حسب المنطقة

أنواع الأهداف المستهدفة

التصعيد الشهري في الضربات 2024-2025

تحليل استراتيجي

اختر أحد أزرار العرض لرؤية التحليل التفصيلي.

الإحصائيات الرئيسية

خلال عام واحد فقط، سجلت الساحة السورية أكثر من ثمانمائة اعتداء إسرائيلي، استهدفت حوالي تسعمائة هدف عسكري.

800+
اعتداء إسرائيلي
900
هدف عسكري
76
ضحية

الضربات البرية مقابل الجوية

14 اعتداء بري تم توثيقه مقابل 89 ضربة جوية، مما يشير إلى تحوّل نوعي في نمط العمليات العسكرية.

14
اعتداء بري
89
ضربة جوية
1:6
النسبة

تدمير البنية الدفاعية

70% من منشآت الدفاع الجوي تم تعطيلها، وأن معظم البنية التحتية اللوجستية بين دمشق وحمص باتت غير قابلة للتشغيل.

70%
الدفاع الجوي
33
اعتداء ذروة
40+
هدف في الذروة

خارطة الضربات: المحور الثلاثي

دمشق وريفها
39 ضربة
مركز القيادة والسيطرة، استهداف القدرة المركزية
درعا والسويداء
48 ضربة مجتمعة
منطقة فاصلة بين الجنوب السوري والجولان المحتل
اللاذقية وطرطوس
21 ضربة
غرب البلاد، مناطق الوجود الروسي

الخلاصة: من حرب الظل إلى هندسة المستقبل الأمني

انتقلت إسرائيل من مرحلة “الحرب في الظل” إلى مرحلة إدارة بيئة ما بعد الحرب. لم تعد سوريا ساحة مواجهة، بل بيئة اختبار استراتيجي لطبيعة الحروب الحديثة. كل اعتداء هو تحديث برمجي في نظام الردع، وكل استهداف هو خطوة في مشروع “تعقيم عسكري شامل”. التاريخ يُظهر أن الفضاءات الخالية من الجيوش لا تبقى خالية طويلا، فهي تُغري الميليشيات، والمناطق المنزوعة السلاح تُغري التسلّح من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *