عام الدم والإنكار: سوريا بين العنف المنفلت وتآكل العدالة (حصيلة 2024 – 2025)

بين الثامن من كانون الأول 2024 والخامس من كانون الأول 2025، عاشت سوريا عاما يمكن وصفه بأنه عام “الدم والإنكار”، تكرّست فيه الفوضى كقاعدة، واستُبيحت فيه حياة المدنيين على نطاق غير مسبوق، بينما تلاشت خطوط المسؤولية بين القوى المتناحرة، المحلية والإقليمية والدولية على حد سواء.

تُظهر حصيلة المراكز الحقوقية أن 11,439 ضحية خلال عام واحد، بينهم8,835  مدنيا، ومن ضمنهم 512  طفلا و676  سيدة، وهذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل مرآة لمأساة وطنية تتجدد كل يوم، وسط انهيار منظومة القيم والعدالة.

القتل خارج نطاق القانون والإعدامات الميدانية: عودة إلى منطق الغابة

وفق التقارير هناك 3071 شخصا قضوا في عمليات إعدام ميداني، غالبيتهم من الرجال (2727)، إلى جانب 296 سيدة و48 طفلا.
شهر آذار وحده شهد ذروة العنف مع 1726  حالة تصفية، بالتزامن مع الهجمات التي استهدفت حواجز في الساحل السوري.

تعكس هذه الأرقام تحول العنف إلى “أداة إدارة” أكثر منه “وسيلة قتال”، فالإعدامات الميدانية لم تعد مرتبطة بمعارك مباشرة، بل أصبحت جزءا من سياسات التخويف وإعادة رسم الولاءات المحلية، وفي بعض المناطق، باتت الحياة اليومية تُدار بمنطق القوة المطلقة، حيث لا قانون سوى السلاح، ولا قضاء سوى “الميدان”.

المدنيون: ضحايا بين نارين

من بين أكثر من ثمانية آلاف وثمانمائة مدني قتلوا، تُظهر البيانات أن الاستهداف العشوائي، والخطف، والتعذيب، والتفجيرات شكلت القاسم المشترك في معظم الحوادث، وبلغ عدد الأطفال من الضحايا 512، فيما قُتلت 676 سيدة، في مؤشر على عمق الكارثة الإنسانية التي لا تميّز بين مقاتل ومدني.

ظروف مقتل المدنيين تكشف عن فوضى متعددة المستويات:

  • رصاص عشوائي واقتتال محلي440  حالة.
  • قصف تركي129  ضحية.
  • قصف إسرائيلي40  ضحية.
  • انفجارات ألغام وعبوات75  ضحية.
  • برصاص “إدارة العمليات العسكرية” 904 مدنيين.
  • برصاص مجهولين 804.
  • ضحايا مخلفات الحرب 665.

هذه التفاصيل تؤكد أن لا أحد يملك السيطرة، ولا أحد بريء تماما.

القصف التركي والإسرائيلي: خطوط النار المتقاطعة

القصف التركي شمالا و”الإسرائيلي” جنوبا باتا وجهين لعملة واحدة؛ تطبيع العنف عبر الجغرافيا السورية، ففي الشمال، تواصلت عمليات القصف التركي على مناطق تابعة لـ”قسد”، ما أدى إلى سقوط عشرات المدنيين وتشريد المئات.
أما في الجنوب والوسط، فنفذت “إسرائيل” هجمات جوية متكررة استهدفت مواقع يُعتقد أنها تابعة لقوات النظام السابق وخلّفت في كثير من الأحيان ضحايا مدنيين ودمارا في البنى التحتية.

هذا التداخل العسكري يعيد تذكيرنا بأن السيادة السورية تحوّلت إلى مفهوم رمزي، فكل ضربة تحمل بصمة طرف خارجي، وكل ضحية جديدة تضاف إلى سجل لم يعد يميّز بين قصف صديق وعدو.

التنظيمات المتطرفة والفصائل المسلحة: الفوضى باسم الدين

قتل 2604 من غير المدنيين، بينهم عناصر من تنظيم “الدولة الإسلامية”، و”قوات سوريا الديمقراطية”، والفصائل الإسلامية المسلّحة، إضافة إلى مجموعات.
هذا التنوع في الجهات المقاتلة يعكس هشاشة المشهد الأمني بين تعدد الولاءات، وتفتت السلطة، وغياب أي مركز قرار.

اللافت أن تنظيم الدولة رغم ضعفه الميداني، لا يزال قادرا على تنفيذ عمليات نوعية تستهدف مقارّ عسكرية وأمنية، ما يؤكد أن الحرب على الإرهاب في سوريا لم تحسم بعد، بل تغيّرت جغرافيتها فقط.

مجزرة الساحل – آذار 2025

في ذلك الشهر، لم يكن الساحل السوري يشهد حرب جيوش أو معارك تضاريس، ولم يكن ثمة نزاع بين قوى مسلحة متكافئة، بل عملية تطهير مركّز ضد مجموعات مدنية، فكانت القرية تطوق، ويُفصل شبابها عن أطفالها وعن نسائها، وينتهي اليوم بأرقام ثقيلة لا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة أمنية: مئات من القتلى، ومئات من المختفين، وآلاف من المهجرين.

كم من شاب مات دون أن يعرف لماذا أصبح تصنيفه “عدوا داخليا”؟ وكم من بيت اختفى سكانه في ليلة واحدة بلا محاكمة ولا وثائق ولا جنازات؟ هذه لم تكن لغة دولة قادرة على إدارة مرحلة انتقالية، بل لغة سلطة تعيد صياغة المجتمع بالحديد والنار كي تتأكد من أن الخوف هو أداة الحكم الأولى.

لكن المجزرة لم تكن مجرد جريمة محلية. كان لها استخدام سياسي: توجيه رسالة إلى كل الأطراف — في الداخل والخارج — مفادها أن السلطة الجديدة قادرة على السيطرة، وأن أي تردد اجتماعي أو سياسي يمكن سحقه دون نقاش. لقد أعادت هذه المجزرة تعريف مفهوم “الشرعية” ليس كقواعد دستورية أو توافق مجتمعي، بل كمعادلة أمنية: من يملك السلاح يملك الحق، ومن يرفض يخسر حياته أو يُمحى من بيئته.

مجزرة السويداء – تموز 2025

بعد أربعة أشهر فقط، جاءت السويداء لتكرر الدرس ذاته، ولكن في سياق اجتماعي وديني مختلف، فالسويداء كانت المنطقة التي احتفظت، منذ سنوات، بصوت مستقل نسبيا، وبشبكات مجتمع محلي ترفض الخضوع لأي سلطة غير منتخبة أو غير متفق عليها، وكان أهلها يتعاملون مع الدولة دون عداء، ولكن دون استسلام كامل، ولم تكن السلطة الجديدة تنظر إليها كجزء من “الإقليم المدجّن”، بل كصفحة يجب إعادة كتابتها.

في تموز 2025، كان المشهد أبسط من أي رواية أمنية طويلة؛ اقتحامات واغتيالات داخل المنازل، وقصف مركز على أحياء سكنية، واعتقالات واسعة، وسقط عشرات المدنيين من الطائفة الدرزية في أقل من ثلاثة أيام، بينهم نساء ورجال وأطفال، كانت العملية رسالة واضحة: لا مجال لمناطق “تفاوضية” أو مجتمعات تطالب بحلول سياسية انتقالية. لقد انتهى زمن المساحات الرمادية.

ما وراء الأرقام

في لغة السياسة، المجازر ليست مجرد دليل على بشاعة لحظة، أو يمكن تبريرها بفصائل منفلتة أو أعمال فردية، بل مؤشر على شكل النظام السياسي القائم، وحين تقتل السلطة الجديدة في الساحل ثم في السويداء، فهي لا تسعى فقط إلى معاقبة مجموعات محلية، بل إلى إعادة هندسة المجتمع السوري: كي يُعاد تعريف من يحق له البقاء ومن يحق له الكلام ومن يحق له المشاركة، فالمشكلة ليست فقط في غياب الانتخابات أو المؤسسات، بل في فقدان “الضوابط المجتمعية” التي تمنع السلطة من تحويل خصومها إلى أعداء وجوديين، وحين يصمت العالم  بحجة الاستقرار تتحول السلطة من مشروع إنقاذ وطني إلى مشروع احتكار مطلق للشرعية.

إن سوريا بعد الحرب ليست مجرد دولة تلتقط أنفاسها بعد عقد من الفوضى، بل نظام جديد يختبر حدود سلطته بأقصى درجات العنف، ومن الخطأ أن يُنظر إلى المجزرتين كـ “إختلال أمني مؤقت”؛ إنهما شكل من أشكال تأسيس الشرعية السياسية بالقوة.

فالسلطة التي تبدأ مسارها بالعنف ضد مجتمعاتها، لن تحتمل في المستقبل أي شكل من المعارضة أو المشاركة السياسية أو اللامركزية. إنها تقول منذ الآن: الأمن هو العقد الاجتماعي، والخوف هو لغة الحكم.

المخطوفات والمختفيات: الغياب كأداة للسلطة

في العام 2025، لم يكن الغياب مجرّد حالة وجودية في سوريا، بل صار سياسة مدروسة، فبينما انشغل العالم بتقلبات الجبهات، ظلّ ملف المخطوفات والمختفيات قسريا يتسع في الظل كجرح صامت في الجسد السوري.
تشير بيانات المفوضية السامية لحقوق الإنسان (OHCHR) إلى أن ما لا يقل عن97  حالة اختطاف وإخفاء قسري سُجلت بين كانون الثاني وتشرين الثاني 2025، تشمل نساء وفتيات في مناطق متفرقة من البلاد.

إن مأساة النساء المختفيات ليست فقط انتهاكا لحقٍّ فردي، بل تعبير عن انهيار العقد الاجتماعي نفسه، ففي مجتمعٍ يُختطف فيه الجسد الأنثوي ليُستخدم كورقة ضغط، تتلاشى الحدود بين الحرب والسياسة، وبين الخوف والسلطة، فالغياب في سوريا لم يعد غيابا بالجغرافيا، بل بالهوية والذاكرة والاعتراف.
ولعلّ أكثر ما يوجع في هذا الملف أن كل امرأة مفقودة تمثل سؤالا مؤجلا عن العدالة، وسؤالا أخطر عمن بقي ليشهد.

تصاعد الانقسامات الطائفية والدينية: الجرح المفتوح

سجّل العام المنصرم موجة من الاعتداءات على دور العبادة والمزارات والرموز الدينية، ومن أبرزها الاعتداء الإرهابي على كنيسة مار إلياس في دمشق الذي خلّف قتلى وجرحى وأعاد إلى الواجهة شبح الحرب الطائفية.

الاعتداءات لم تكن عشوائية؛ بل جزء من نمط منظم يستهدف الرموز الروحية لتغذية خطاب الكراهية وإعادة إنتاج الانقسام المجتمعي، فالهجمات كانت فكرة “المجتمع المتعدد الثقافات” الذي كان أحد أبرز ملامح الهوية السورية.

الحرب الإعلامية: التضليل كسلاح سياسي

في موازاة الحرب الميدانية، شهدت سوريا حربا رقمية واسعة، حيث أطلقت جهات موالية للسلطة حملات ممنهجة للتشويش على التوثيق الحقوقي، عبر نشر خطاب تحريضي وطائفي، واتهام فئات اجتماعية بأنها “عملاء” أو “انفصاليون”.
استُخدمت أيضا منصات إلكترونية وهمية لتشويه سمعة الصحفيين والناشطين، والتلاعب بخوارزميات “الترند” لصرف الانتباه عن القضايا الحقوقية.

أصبحت المعلومة في سوريا ساحة معركة، حيث تقتل الحقيقة قبل أن تصل إلى القارئ.

المعتقلون والمفقودون: الظلّ الطويل للعدالة الغائبة

يبقى ملف المعتقلين والمفقودين أحد أكثر الملفات إيلاما، فآلاف السوريين، من مدنيين وأطباء وضباط سابقين، ما زالوا يقبعون في السجون دون مسوغ قانوني، بعضهم منذ 8 كانون الاول 2024 دون توجيه تهمة أو محاكمة.

هذا الواقع يشكّل انتهاكا لمبادئ العدالة الانتقالية، ويضع عقبة كبرى أمام أي مسار للمصالحة الوطنية، فدولة لا تنتهج العدالة لا يمكن أن تبني مستقبلا.

ما وراء الأرقام: مجتمع على حافة الانهيار

وراء كل الأرقام قصص إنسانية بين طفل فقد أسرته، وسيدة تبحث عن مفقود، أو شاب يقاتل لأنه لم يجد سبيلاً آخر للنجاة، لكن الأخطر هو ما يجري تحت السطح من تآكل الروابط الاجتماعية، وعودة الانتماءات الأولية، من الطائفة والقبيلة والجهة كبدائل عن الدولة.

هذا الانهيار الاجتماعي هو أخطر من القصف ذاته، لأنه يهدد بقاء الهوية السورية المشتركة، فالحروب تنتهي عادة عندما تتعب الأطراف، لكن الحقد لا يتعب بسهولة.

بين العدالة والإنكار: أي مستقبل لسوريا؟

بين القتل والإفلات من العقاب، بين القصف الخارجي والانقسام الداخلي، تبدو سوريا عالقة في حلقة مفرغة من العنف المنظّم.
غياب العدالة، واستمرار خطاب الكراهية، وتراجع الاهتمام الدولي، كلها عوامل تُبقي السوريين رهائن الماضي.

ومع أن العدالة الانتقالية تُطرح بوصفها مدخلا للحل، إلا أن غياب الإرادة السياسية، محليا ودوليا، يجعلها شعارا مؤجلا أكثر من كونها مشروعا واقعيا.

وطن بلا مرآة

بعد أكثر من عقد على اندلاع الحرب، تبدو سوريا اليوم وطنا بلا مرآة؛ لا أحد يريد أن يرى صورته الحقيقية، كل طرف يمتلك روايته الخاصة، لكن الضحايا وحدهم يمتلكون الحقيقة.
عام 2025 لم يكن عاما عاديا، بل فصلا جديدا في مأساة لم تُكتب نهايتها بعد.

وحتى تُفتح ملفات المساءلة والعدالة بجدّية، ستبقى دماء 11,439 سوريا شاهدة على غياب الدولة، وصمت العالم، وانكسار الضمير الإنساني.

حصيلة العنف في سوريا 2024-2025

📊 حصيلة العنف في سوريا: عام الدم والإنكار (2024-2025)

بين 8 كانون الأول 2024 و5 كانون الأول 2025

إجمالي الضحايا

11,439

شخص قتلوا خلال عام واحد

ضحايا مدنيين

8,835

منهم 512 طفل و676 سيدة

إعدامات ميدانية

3,071

(2727 رجل، 296 سيدة، 48 طفل)

توزيع ضحايا المدنيين حسب سبب الوفاة

إطلاق نار عشوائي واقتتال محلي (440)
قصف تركي (129)
قصف إسرائيلي (40)
انفجارات ألغام (75)
إدارة العمليات العسكرية (904)
مجهولون (804)
مخلفات الحرب (665)

📈 ذروة العنف: آذار 2025

شهد شهر آذار أعلى مستوى للعنف مع 1,726 حالة تصفية، بالتزامن مع الهجمات التي استهدفت حواجز في الساحل السوري.

توزيع الضحايا بين مدنيين وغير مدنيين

⚠️ أبرز المؤشرات

المخطوفات والمختفيات: 97 حالة اختطاف وإخفاء قسري (تشرين الثاني 2025)

التنظيمات المتطرفة والفصائل: 2,604 قتيل من غير المدنيين

الانقسامات الطائفية: تصاعد الاعتداءات على دور العبادة والرموز الدينية

تاريخ التحديث: كانون الأول 2025

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *