في ديسمبر 2025، وبينما كانت صور الدخان تتصاعد من جبل قاسيون في دمشق، بدا للعالم أن روسيا تتجرع هزيمة مدوية في الشرق الأوسط.
العناوين الغربية احتفت بما سمّته “فيتنام بوتين”، واعتبرت الانسحاب الروسي من سوريا دليلا على انكسار موسكو واستنزافها.
لكن خلف هذا المشهد، كان يجري ما هو أعمق بكثير من مجرد تراجع عسكري، فما اعتبرته واشنطن نكسة، تراه موسكو إعادة تموضع مدروس في صميم العقيدة الجيوسياسية الروسية؛ انسحاب من الأطراف لتثبيت القلب، ومن الرمال السورية إلى الموانئ الأوكرانية.
دمشق بالنسبة للكرملين لم تكن سوى نقطة إسقاط للظل الإمبراطوري، أما أوديسا فهي الدرع الاقتصادي والبحري الذي يحمي القارة الروسية من الداخل.
من المشرق إلى البحر الأسود: المنطق الروسي في الجغرافيا قبل الأيديولوجيا
لم يكن القرار الروسي بالانسحاب من سوريا نتيجة ضغط عسكري أو سياسي كما روّج الإعلام الغربي،
بل تحولا استراتيجيا يوازي انتقال مركز الثقل في خريطة القوة العالمية، فمنذ تدخلها في سوريا عام 2015، استخدمت روسيا الساحة السورية كمنصة لإظهار قدراتها العسكرية، واختبار أسلحتها، وفرض حضورها في البحر المتوسط.
لكن مع اشتداد حرب أوكرانيا وتحولها إلى صراع وجودي يهدد بنية الدولة الروسية، أدرك الكرملين أن الاحتفاظ بموطئ قدم مكلف ومعزول في المشرق لم يعد ميزة، بل عبئا استراتيجيا.
روسيا، بعقلية روما القديمة، “تتخلى عن داقية لتدافع عن الدانوب”، والمنطق ذاته الذي تجاهلته بريطانيا في مطلع القرن العشرين تتبناه موسكو الآن بدقة جليدية؛ “التراجع من الأطراف لتأمين القلب”، فلم “تخسر” روسيا دمشق، بل بادلتها بموقع محوري على البحر الأسود.
أوديسا: الجائزة الكبرى في الحرب الكبرى
لماذا أوديسا تحديدا؟ لأنها أكثر من مدينة؛ فهي المفتاح الجيو-اقتصادي للمنطقة الأوروأوراسية، ومن دونها، تصبح أوكرانيا دولة حبيسة، بلا منفذ إلى البحر، معطوبة اقتصاديا، ومعها تضمن روسيا السيطرة على ممرات الحبوب والطاقة التي تربط أوروبا بالشرق الأوسط وإفريقيا.
السيطرة على أوديسا تعني التحكم في شريان الغذاء العالمي؛ القمح إلى القاهرة، والنفط إلى إسطنبول، والأسمدة إلى إفريقيا، وهذا النوع من النفوذ، في عالم ما بعد العولمة، أقوى من أي سلاح نووي.
بالنسبة للكرملين، التضحية بسوريا ليست خسارة، بل تحرير للموارد لإعادة توجيهها نحو المعركة التي ستحدد مستقبل روسيا نفسه.
فشل العقوبات وبداية الاقتصاد الموازي
منذ 2022، شنّ الغرب ما سماه “العقوبات من الجحيم”، واعتقد أن الاقتصاد الروسي سينهار خلال أشهر.
لكن ما حدث كان عكس ذلك تماما، حيث أعادت موسكو بناء اقتصادها من الداخل، مستندةً إلى الاكتفاء الذاتي والاعتماد على أسواق الشرق والجنوب العالمي.
في الوقت الذي أغلقت أوروبا أبوابها، فتحت الصين والهند والإمارات أبوابا بديلة، وظهر ما يعرف بـالأسطول الشبحي، حيث ناقلات نفط قديمة ومجهولة الملكية، تنقل الخام الروسي إلى آسيا متجنبة نظام “سويفت” والعقوبات الأميركية.
نشأت منظومة مالية موازية تعمل خارج نطاق الدولار، وتغذي اقتصادا عالميا غير خاضع للغرب، وهذه العملية، كما يصفها بعض المحللين، لم تكن مجرد “تحايل”، بل ولادة نظام نقدي مواز، فكل مرة يستخدم فيها الغرب الدولار كسلاح، ينقل بنك مركزي في العالم احتياطاته إلى الذهب، ويتحول الدولار من رمز للقوة إلى مؤشر للخطر.
البريكس.. من تجمع رمزي إلى محور عالمي جديد
في ظل هذا التحول، برزت كتلة البريكس (BRICS) كإطار بديل للنظام الليبرالي الغربي، فما كان يوماً مجرد اختصار مصرفي، أصبح اليوم تحالفاً اقتصاديا حيويا يمتد من آسيا إلى إفريقيا وأميركا اللاتينية، فانضمت السعودية والإمارات وإيران، وقدّمت تركيا طلب عضوية، بينما أصبحت الصين والهند أكبر شريكين تجاريين لروسيا خارج الغرب.
تلك الشبكة خلقت سوقا داخلية عملاقة مكتفية بالموارد والطاقة والغذاء، وبعيدة عن السيطرة الأميركية، فانحسرت القوة الاقتصادية الغربية، ليس لأن العالم كرهها، بل لأنه لم يعد يثق بها.
انهيار النموذج الغربي وولادة الواقعية الجديدة
يُظهر الانسحاب الروسي من سوريا ما يمكن وصفه بـ”الواقعية الجيوسياسية الصلبة”، فموسكو لم تعد تطارد الرمزية أو النفوذ الشكلي، بل تركز على القدرة على البقاء والدفاع عن الضروريات.
في المقابل، يظهر الغرب غارقا في تضخمٍ أخلاقي وشللٍ استراتيجي، ويحارب في أوكرانيا، ويدعم “إسرائيل” في غزة، ويتوعد الصين في تايوان، بينما اقتصاده يئن من الديون، وصناعته تتراجع، ونظامه السياسي يعيش الانقسام.
الولايات المتحدة أصبحت إمبراطورية بلا أطراف آمنة، تحاول أن تحكم العالم بينما تخسر السيطرة على ذاتها، وروسيا تدرك هذا التآكل، وتراهن عليه، فـ”لن يهزمنا الغرب في الميدان، بل سيسقط تحت وزنه”.
أوديسا: نقطة التحول في ميزان العالم
عندما ترفع روسيا علمها فوق أوديسا – إذا حدث ذلك –سيكون ذلك إعلان نهاية توسّع الناتو، وبداية نظام أمني جديد يُرسم من موسكو لا من بروكسل، عندها، لن تغيّر العقوبات شيئا، ولن تُصلح الخطب ما انكسر، فالعالم سيتحوّل نهائيا من مركزٍ أحادي إلى خريطة متعددة الأقطاب، تتوزع فيها القوة بين الشرق الأوراسي والجنوب العالمي.
أما الغرب، فسيبقى منشغلاً بـ”تحريراتٍ” جديدة، بينما تتحرّر بقية العالم من وصايته.
نهاية الوهم وبداية الجغرافيا
إنّ الانسحاب الروسي من سوريا لا يقرأ في لغة الانكسار، بل في منطق الجغرافيا العارية، فالقوة لا تُقاس بعدد القواعد، بل بقدرة الدولة على الصمود في مركزها.
علّم بوتين خصومه درساً كلاسيكياً في الجغرافيا السياسية، “ليس عليك أن تربح في كل مكان كي تفوز في النهاية”.
في عالمٍ يعود فيه الصراع إلى جذوره — الأرض، الموانئ والموارد، والممرات ستتقدّم الأمم التي تتقن فن الانسحاب الذكي، لا تلك التي تُصر على احتلال الرماد.
لقد انتهى زمن الأوهام الليبرالية، وبدأ زمن الواقعية المتوحشة وسوريا لم تكن النهاية، بل الفصل الأول في إعادة كتابة النظام الدولي الذي يولد الآن في الظل، وتبدأ ملامحه من أوديسا… لا من دمشق.
الانسحاب الروسي من سوريا: إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية
التحول الاستراتيجي الروسي (2015-2025)
التحليل الاستراتيجي
الانسحاب الروسي من سوريا ليس انسحابًا من الهزيمة، بل إعادة تموضع استراتيجي وفقًا للعقيدة الجيوسياسية الروسية: “الانسحاب من الأطراف لتثبيت القلب”. بينما يرى الغرب في هذا الانسحاب “فيتنام بوتين”، ترى موسكو أنها تبادل دمشق (نقطة إسقاط الظل الإمبراطوري) بأوديسا (الدرع الاقتصادي والبحري الذي يحمي القارة الروسية).
دمشق: المكاسب والخسائر
- منصة لإظهار القدرات العسكرية الروسية
- اختبار الأسلحة الحديثة في ظروف قتالية حقيقية
- فرض الوجود في البحر المتوسط
- عبء استراتيجي مكلف ومعزول مع اشتداد حرب أوكرانيا
- رمزية أكثر من كونها ضرورة استراتيجية
أوديسا: الجائزة الاستراتيجية
- المفتاح الجيو-اقتصادي للمنطقة الأوروأوراسية
- تحويل أوكرانيا إلى دولة حبيسة بلا منفذ بحري
- السيطرة على ممرات الحبوب والطاقة العالمية
- التحكم في شريان الغذاء العالمي (القمح إلى القاهرة)
- حماية القارة الروسية من الداخل
التحولات الجيوسياسية الكبرى
- صعود كتلة البريكس كإطار بديل للنظام الليبرالي
- ظهور منظومة مالية موازية خارج نطاق الدولار
- الأسطول الشبحي ونقل النفط خارج نظام “سويفت”
- التحول من مركز أحادي إلى خريطة متعددة الأقطاب
- بداية نظام أمني جديد يُرسم من موسكو لا من بروكسل

