لا تبدو سوريا بعد عام على سقوط نظام السابق تسلك طريقا سياسيا تقليديا، فصعود الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، لا يشبه انتقال السلطة المتعارف عليه في التاريخ الحديث للدول، فهو أقرب إلى إعادة ترتيب طبقات الأرض السياسية؛ سلطة تنمو من الهامش إلى المركز، ومن الحواجز المحلية إلى أجهزة الحكم، ومن اقتصاد التهريب إلى إدارة المدن.
ليست ثورة أيديولوجية بقدر ما هي تجربة تراكمية داخل فراغ طويل أنتجه انهيار المؤسسات، فالشرع ورث مساحات من السلطة في الطرق الجبلية والبلدات، قبل أن يرث مؤسسات الدولة نفسها، وهذا ما يجعل مراقبة مسار التحول أكثر أهمية من مراقبة الخطاب، فالدولة الجديدة لا تُبنى على الورق، بل على الحواجز، وتحصيل الرسوم، وشبكات النقل، وتوزيع الرواتب.
ومركز ألما “الإسرائيلي” يرى أن هذه اللحظة لا تشي بتحول نهائي، بل بمرحلة انتقالية بين منطق الفصيل ومنطق الدولة.
لماذا تقرأ إسرائيل الاعتدال السوري بوصفه إعادة تموضع لا تحولاً أيديولوجياً؟
لا ترى “إسرائيل” في خطاب الشرع المعتدل دليلا على تخل أيديولوجي، بل إعادة تموضع داخل سياق حكم جديد، فالاعتدال لا يُفسر هنا كقناعة أخلاقية، بل كمرونة سياسية تفرضها الحاجات التنفيذية، مثل مكافحة داعش، وضبط الحدود، والتعاون مع واشنطن، وتحييد بعض القوى الإقليمية.
بالنسبة لـ”إسرائيل”، الخبرة الاستخباراتية تقول إن الحركات المسلحة تتغيّر حين تحكم، لكن هذا التغير ليس نهائيا، فهو تحول براغماتي وليس بنيويا، فالمؤسسات الأمنية والعسكرية في سوريا الجديدة تكبح الخطابات الجهادية، لكنها ليست ضمانة لتغير دائم في المسار الطويل.
السؤال “الإسرائيلي” الجوهري: هل يكفي الحكم لإعادة تشكيل الأيديولوجيا؟ أم أن الحكم نفسه مجرد تطوير لقدرة الفصيل على إدارة مسار طويل ينتظر لحظة مناسبة؟
الدولة الوليدة أخطر من الفصائل: الرؤية الإسرائيلية لمعادلة القوة الجديدة في سوريا
الفصائل المسلحة يمكن احتواؤها، أما الدولة الوليدة فتمثل تحديا أمنيا مختلفا، فالدولة تستطيع:
- تنظيم موارد
- بناء شرعية
- الحصول على دعم دولي
- تطوير قدرات أمنية
- إدارة مؤسسات اقتصادية
وبينما تنظر معظم القوى الدولية للسلطة الجديدة على أنها قوة محلية تبحث عن الاستقرار، تقرأ “إسرائيل” قدرتها على التحول التدريجي إلى كيان متماسك أكثر خطراً من الفوضى نفسها.
الفوضى يمكن مراقبتها، وعزلها، والضغط عليها، أما الدولة، ولو ضعيفة، تمتلك أدوات الردع عبر القدرة على التحالف، والتحكم بالطرق والمرافئ، وضبط الحدود، وهذه كلها صناعة قوة على المدى المتوسط وليست مسألة عقيدة.
هل يبدد الحكم البيروقراطي فكرة الخلافة أم يعيد إنتاجها بقوة أكبر؟
لا يرى مركز ألما أن غياب إعلان الخلافة يعني نهاية المشروع، بل يرى أن إعلان الخلافة داخل دولة مستقرة أكثر خطراً من إعلانها داخل حركة مسلحة، لأن الدولة تمتلك:
- بيروقراطية.
- شرعية داخلية.
- موارد اقتصادية.
- قدرة على النفاذ الإقليمي.
لكن هذه الرؤية ليست نهائية، فالتاريخ المشرقي يثبت أن البيروقراطية أطاحت بالكثير من المشاريع الأيديولوجية، فالمؤسسات تُنتج حياة يومية وقوانين وضرائب وقطاع خدمات ومطالب مدنية… وهذه كلها تقتل الثورة الجهادية من الداخل، ليس في الخطاب، بل في الروتين.
ربما تصبح الخلافة فكرة مؤجلة، أو مشروعا غامضا، أو حتى ذكرى أيديولوجية لا تعود قابلة للتطبيق حين تصبح الدولة مسؤولة عن طوابير الخبز والمرافق العامة.
“إسرائيل” تعرف هذه الحقيقة جيدا، لأنها شاهدت تحول حزب الله في لبنان، وتحولات حماس في غزة، حيث أصبحت الدولة هي نهاية اليوتوبيا الجهادية لا استمرارها.
الجغرافيا قبل الأيديولوجيا: لماذا تراقب إسرائيل بنية السلطة أكثر من خطابات الشرع؟
تركّز القراءة الإسرائيلية على الجغرافيا السياسية قبل النصوص الأيديولوجية، فكل سلطة تنمو على طرق التلال والممرات الحدودية والمرافئ، وتتغير أولوياتها تلقائيا إلى الاقتصاد المحلي والحدود والتهريب والنقل والجباية، كلها أدوات سياسية لا علاقة لها بالخطاب العقائدي المباشر.
الدولة الجديدة ليست شبكة أفكار، بل شبكة طرق، وكل من يملك الطرق يملك الشرعية، حتى ولو كان خطابه متناقضا مع تحالفاته.
ما يدفع “إسرائيل” للقلق ليس الفكرة الدينية، بل تراكم الأدوات الإدارية والأمنية في نظام واحد قادر على تشغيلها.
المعادلة المقلقة لتل أبيب: الفوضى سيئة… والدولة المستقرة أخطر
“إسرائيل” تمتلك مفارقة استراتيجية واضحة:
- إذا فشلت الدولة سيعود الشمال السوري إلى الفوضى والتهريب والميليشيات.
- وإذا نجحت الدولة ستتحول إلى كيان متماسك يملك قراراً عابراً للحدود.
والأمران ليسا مريحين لـ”إسرائيل”.
الفوضى تعني حدودا رخوة، وبيئة قلقة، وعمليات تسلل، أما الاستقرار فيعني دولة لا تعتمد على أحد، بل تستطيع إعادة هندسة تحالفاتها، وخلق توازن قوة جديد داخل المشرق.
الدروس طويلة لـ”إسرائيل” تؤشر إلى أنها لم تخشَ الفصائل المسلحة كما خشيت الدول ما بعد الصراعات، لأن الدولة تمتلك شرعية دولية وتقنيات أمنية وقدرة جباية، وهذه كلها أخطر من الخطاب نفسه.
هل يمكن أن تؤدي الشرعية الدولية إلى توسيع نفوذ سوريا الجديدة؟
الاعتراف الدولي أو التعاون الأمني لا يعني بالضرورة تحوّلا أيديولوجيا، لكنه يعني تعزيزاً للنفوذ، فالشرعية الدولية تمنح موارد وأجهزة وتعاون استخباراتي وغطاء تفاوضيا.
وإذا اكتسب الشرع نفوذا مستقرا داخل سوريا، بدعم محلي ودولي، ستتشكل دولة غير ضعيفة وغير تبعية، وهذا ما يجعل “إسرائيل” تراقب بدقة مسار التحول.
ففي الجغرافيا السياسية، لا يوجد شيء أخطر من دولة ولدت داخل الفوضى، لأن الدولة التي نجت من الحرب تحمل قدرا من الصلابة يصعب اختراقه.
لا تبحث القراءة الإسرائيلية عن إجابة قاطعة حول معتدل أو متطرف، بل تبحث عن شكل القوة داخل المكان، فالجغرافيا وليس الخطاب تملي على السلطة خياراتها الكبرى.
ربما يتحول الشرع من قائد فصيل إلى رجل دولة، وتبقى الأيديولوجيا كامنة داخل الذاكرة السياسية، لكن المعيار الحقيقي هو القدرة على الحكم، وحين تمتلك أي سلطة هذه الأدوات، يصبح السؤال الأهم ليس: ما الفكرة الدينية؟ بل كيف ستُمارَس القوة داخل جغرافيا تتغير ببطء، وتعيد رسم خرائط النفوذ كل عقد؟

