طائرتان فوق حيفا: كيف تكشف غارة 1967 عن تحولات الصراع السوري–الإسرائيلي حتى عام 2025

في صباح 5 حزيران 1967، كانت السماء فوق الساحل الفلسطيني الشمالي تقول شيئا آخر غير ما ستكتبه البلاغات الرسمية لاحقاً؛ طائرتان سوريتان من طراز ميغ-21 تتجهان على ارتفاع منخفض نحو حيفا، حيث تلمع خزانات النفط في المصفاة كهدفٍ مكتمل الرمزية؛ دولة ما بعد الاستقلال تحاول أن تلمس قلب البنية الصناعية لـ”إسرائيل” في اليوم الأول للحرب.

لم تشتعل المصفاة، ولم تسجّل الخرائط الغربية نجاح الغارة، لكن مجرد الوصول فوق الهدف كان إعلانا بأن السماء ليست ملكا مطلقا لطرف واحد، وأن الصراع السوري–”الإسرائيلي” في تلك اللحظة كان أكثر حيوية مما تسمح به الرواية المنتصرة.

هذا المشهد، إذا اقتربنا ليس مجرد حادثة تكتيكية في حرب منسية في الأرشيف، بل نافذة لفهم التحول من صراع بين دولتين له قواعد وحدود ومخاطرة متبادلة، إلى وضعٍ أكثر خطورة؛ جغرافيا مفتوحة في الجولان عام 2025، يتحرك فيها الجيش “الإسرائيلي” بحرية شبه كاملة فوق أرض كان يفترض أن تحميها ذات يوم فرقة مدرّعة سورية، قبل أن يتم حل الجيش السوري ويتفكك حضوره الفعلي على جبهة طالما عدت “هادئة”.

ما الذي يعنيه أن تحلّق ميغ سورية فوق حيفا؟

في لغة البلاغات العسكرية، محاولة قصف مصفاة حيفا تُختزل عادة في جملة مقتضبة: “حاولت طائرات سورية قصف المصفاة ولم تُصِب الهدف.”

لكن إذا أخذنا شهادة الطيار الذي يؤكد الوصول إلى منطقة الهدف والعودة دون إسقاط أي من الطائرتين، فنحن أمام صورة أخرى: سلاح جو فقد جزءا كبيرا من بنيته في الضربة الأولى، لكنه لا يزال قادرا – على نحو محدود – على اختراق العمق المعادي والعودة، وفي ميزان القوة المادي، هذه التفاصيل لا تغيّر النتيجة الاستراتيجية للحرب. أما في ميزان الرمزية، فهي تقول شيئا مختلفا:

  • أن السماء كانت ما تزال ساحة تنازع، لا مجالا مغلقا.
  • أن المخاطرة لم تكن أحادية؛ فكما كان السوريون مكشوفين لضربات “الميراج”، وكانت المدن والمنشآت الإسرائيلية، نظريا على الأقل، ضمن مدى الطيران السوري.
  • أن العاصمة الاقتصادية لـ”إسرائيل” لم تكن منطقة محرّمة بالكامل في اليوم الأول للحرب.

هذه اللحظة القصيرة، طائرتان تشقان الطريق نحو مصفاة على المتوسط، تختصر الشكل الكلاسيكي للصراع السوري–”الإسرائيلي”، حيث دولتان بجيشين نظاميين، وحدود واضحة، وجبهة مستورة خلف الأسلاك، وحافة ردع تجعل أي مغامرة في العمق فعلا محسوبا لا استعراضا مجانيا للقوة.

الذاكرة المنتصرة: كيف تُخفى الحيوية خلف رواية “الشلل الكامل”؟

الرواية الإسرائيلية والغربية الأوسع عن حرب 1967 بُنيت على فكرة “الضربة القاضية”؛ تدمير أغلب سلاح الجو العربي على الأرض في الساعات الأولى، ثم تحوّل السماء إلى فضاء أحادي تتحرك فيه الطائرات “الإسرائيلية” بلا مقاومة تقريبا، وهذه الرواية، المدعومة بأرقام حقيقية عن حجم الخسائر العربية، تُغطي بطبيعتها على أي شذرات مقاومة أو محاولات اختراق معاكسة.

محاولة قصف حيفا لا تنفي التفوق الإسرائيلي، لكنها تقول إن التاريخ أعقد من صورة “شلل كامل” من اللحظة الأولى، و إنكار هذه الحركية في اليوم الأول مهم سياسيا؛ فكلما بدت الجبهة السورية عاجزة تماما في الماضي، أصبح من الأسهل تصورها مُستباحة بالكامل في الحاضر دون حساسية أخلاقية أو قلق استراتيجي.

المرويات المنتصرة تحاول جعل الخرائط تبدو حتمية، وكأن التاريخ لم يكن يمكن أن يسير إلا باتجاه مفترض، لكن مشهد ميغ سورية تحلق فوق حيفا يقول لنا إن الحرب لم تكن محسومة بهذا القدر من القدرية؛ كان هناك هامش حركة، ولو ضيق، يسمح لبنادق الطرف الأضعف أن تصل ولو لمرة واحدة إلى مدى غير متوقع.

من سماء مزدحمة بالميراج والميغ… إلى سماء أحادية فوق الجولان

إذا انتقلنا من 1967 إلى 2025، فإن التحوّل الأكثر خطورة ليس تغيّر نوع الطائرات أو تطور أنظمة الرادار، بل تغيّر طبيعة الجبهة السورية نفسها.

في سيناريو اليوم، الجيش السوري – كجيش دولة مركزية ذات قدرة حرب تقليدية – لم يعد موجودا على الجولان بمعناه الكلاسيكي. ما تبقّى هو:

  • وحدات متآكلة.
  • فراغات أمنية.
  • انتشار لقوى محلية ومتعددة الولاءات.
  • سماء تملكها عمليا منظومات الاستطلاع والطائرات المسيّرة والمقاتلات “الإسرائيلية”.

هذا يعني أن الجولان تحوّل من “جبهة” إلى “هامش مراقَبة”، ولم يعد هناك خط تماس بين جيشين، بل حافة بين دولة تملك كامل أدوات الحرب الحديثة، وأرض منهكة فقدت جيشها وعمق سيادتها.

الحديث عن “تحرك حر” للجيش “الإسرائيلي” على طول الجولان ليس توصيفا مبالغا فيه، بل تعبيرا عن نمط من السيطرة الناعمة، فهناك دوريات وطلعات جوية وضربات دقيقة ضد أهداف في العمق السوري، ومن دون خوف حقيقي من رد نظامي مماثل، وهذه العمليات، التي وثقتها تقارير متعددة خلال السنوات الأخيرة، رسخت نمطا جديدا من “الحرب بين الحروب” فوق سوريا.

السماء التي كانت ساحة اشتباك بين الميغ والميراج باتت اليوم فضاء أحادي تتحرك فيه الطائرات والدرونات الإسرائيلية وفق إيقاعها الخاص، بينما طرف الصراع الآخر يفتقر حتى إلى القدرة الرمزية على محاولة تكرار مشهد حيفا 1967.

الجولان: تضاريس الصراع المغيّب

من يقرأ خريطة الجولان يدرك أن هذه الهضبة ليست مجرد “أرض محتلة” بالمعنى القانوني، بل مفتاح توازن جغرافي كامل، فهي:

  • شرفة تطل من ارتفاعات بركانية على الجليل وبحيرة طبريا.
  • بوابة من الجنوب نحو دمشق.
  • حافة مائية–جبلية تحكم علاقة سوريا بالموارد المائية في الحوض الأعلى لنهر الأردن.

في 1967، حين أقلعت الميغ باتجاه حيفا، كانت الجولان خلفها بمواقع مدفعية ودشم وبنية دفاعية، مهما كانت نقاط ضعفها، أما في 2025، فإن الهضبة ذاتها تحولت إلى أرض تدار من طرف واحد؛ حاجز مراقبة أكثر منها خط اشتباك.

هذا التحوّل يُخفي حقيقة أساسية بأن الصراع السوري–”الإسرائيلي” لم ينته، بل فقد شكله الكلاسيكي الذي يمكن للجمهور أن يراه ويُحاسِب عليه.

حين كانت الميغ تحاول الوصول إلى حيفا، كان المواطن السوري يدرك – حتى بمعرفته المحدودة – أن هناك جيشا يخاطر، يخسر وربما ينجح أو يفشل في الوصول إلى منشأة حيوية في عمق العدو، واليوم، تُدار الضربات فوق سوريا وفي محيط الجولان في صمت شبه كامل عبر تقارير مقتضبة عن صواريخ تُطلق من البحر أو من الجو، وانفجارات بعيدة عن عيون الجمهور.

هذا الانتقال من حرب مرئية بين دولتين إلى هندسة أمنية فوق الأرض السورية لا يعني “السلام”، بل حالة هشّة من التوازن المقنع، وصراع مستمر لكن بلا مسرح واضح ولا قدرة متبادلة على الرد تفرض على الطرفين احترام حدود معينة.

من حيفا إلى 2025: ماذا يغطي الصمت؟

إذا أخذنا حادثة حيفا كنقطة بداية، يمكننا أن نرى مسارا كاملاً:

  1. 1967:
    1. دولة سورية بجهاز عسكري موحّد.
    1. طيارون يُكلفون بمحاولة ضرب مصفاة حيفا.
    1. دفاع جوي يسقط طائرة “ميراج” فوق مطار الضمير.
    1. وجبهة لها معنى، وحدود لها رمزية.
  2. 2025:
    1. دولة سورية منهكة.
    1. جيش “جديد” من تجمع فصائل عسكرية بعضها غير سوري غير قادر على خوض حرب جوية أو برية تقليدية.
    1. جبهة الجولان تتحول إلى خط مراقبة من طرف واحد.
    1. والسماء فوق جنوب سوريا مساحة عمليات للطيران “الإسرائيلي” من دون مخاطرة مقابلة حقيقية.

في هذا الانتقال تُدفن الحيوية الأولى للصراع تحت ركام السرديات السياسية، فلم يعد من السهل تذكر أن جيشا سوريا حاول ذات يوم أن يضرب قلب حيفا الصناعي، وأن طيارا عاد من فوق الهدف ليقول ببرودة فنية: “وصلنا ولم يسقطنا أحد، حتى لو لم نُصِب ما أردنا”.

هذا النسيان ليس بريئا، فكلما تم طمس هذه اللحظات من تاريخ الصراع، بدت سيطرة 2025 على الجولان شيئا طبيعيا، وكأنها نتيجة جغرافيا أبدية لا اختلال موازين قوى سياسية وعسكرية.

وفي المقابل، كل استعادة لوقائع مثل غارة حيفا لا تهدف إلى تمجيد الماضي أو تجميل نظام سياسي ما، بل إلى تذكير القارئ بأن العلاقات بين الدول لا تختزل في اللحظة الراهنة؛ كل وضع مهيمن اليوم يحمل في داخله ذاكرة لحظاتٍ كان فيها هشًا أكثر مما يريد أن يعترف.

بين طائرتين وخرائط مفتوحة: أي مستقبل للصراع؟

تقول حادثة قصف مصفاة حيفا – أو محاولة قصفها – شيئا بسيطا وعميقا، فحتى الطرف الأضعف، في لحظة ما، يستطيع أن يلمس قلب خصمه، ولو بشكل رمزي.

في زمن كانت فيه دمشق وحيفا جزءا من معادلة إقليمية أكبر، كان الاشتباك بين الميغ والميراج فوق الجليل وحيفا والجولان تعبيرا عن صراع شديد الحيوية، له ثمن وقواعد وحدود خطر يدركها الطرفان.

أما في زمن 2025، فإن الخطر لا يكمن في استمرار هذا الصراع، بل في تحوّله إلى علاقة غير متكافئة تُدار من طرفٍ واحد فوق أرض فقدت جيشها وحدودها الفعلية.

يبدو الجولان هادئا بشكل يشبه هدوء البحار قبل العواصف الطويلة، سطح ساكن يخفي توترات عميقة في المجتمع السوري، وفي الإقليم، وفي النظام الدولي الذي قبل عمليا بأن تتحول هضبة كاملة إلى منطقة نفوذ لا يحاسَب عليها أحد.

استعادة تفاصيل صغيرة مثل مسار طائرتين سوريتين نحو حيفا محاولة لطرح السؤال الحقيقي: هل نهاية الجيوش الوطنية على حدود “إسرائيل” تعني نهاية الصراع، أم بداية شكلٍ أخطر من التعايش القسري بين قوة عظمى محلية وأرض محطمة بلا أدوات دفاع؟

تُلمح الجغرافيا أكثر مما يقول التاريخ، فالصراع لم يغِب؛ ما غاب فقط هو القدرة على رؤيته في صورة طائرة تعود من فوق مصفاة في حيفا، أو دبابة تتبادل المواقع على منحدرات الجولان؛ الباقي يحدث اليوم في صمت، وفي السماء المفتوحة فوق الجنوب السوري، وفي خرائط لا تزال تتبدل تحت أقدام الجميع، حتى وإن بدت في لحظة ما ثابتة إلى الأبد.

تحليل مرئي: تطور الصراع السوري-الإسرائيلي
التطور التاريخي: 1967 ← 2025
1967
معركة حيفا الجوية
2025
الجولان المفتوح
1967: صراع بين دول
2025: هيمنة أحادية
مقارنة القوة الجوية: 1967 مقابل 2025
القوة الجوية السورية
القوة الجوية الإسرائيلية
تحليل مستويات المخاطرة
1967: مخاطرة متبادلة
2025: هيمنة أحادية
مقارنة الوضع العسكري
1967
الوضع العسكري
جيش سوري نظامي موحد
قدرة على اختراق العمق
مواجهة جوية مباشرة
حدود واضحة ومحصنة
2025
الوضع العسكري
وحدات متآكلة وفصائل
سيطرة جوية أحادية
عمليات دون رد فعل
خرائط مفتوحة وهيمنة
تحليل القدرات الاستراتيجية
القدرات السورية
1967: قدرة على الوصول للعمق
2025: غياب القدرة على الرد
التغير: -85%
القدرات الإسرائيلية
1967: تفوق جوي مطلق
2025: سيطرة كاملة
التغير: +10%
الإحصاءات التحليلية
58
عام من الصراع
85%
انخفاض القدرة السورية
100%
سيطرة جوية إسرائيلية
0%
مخاطرة متبادلة 2025

1 فكرة عن “طائرتان فوق حيفا: كيف تكشف غارة 1967 عن تحولات الصراع السوري–الإسرائيلي حتى عام 2025”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *