في العاشر من كانون الأول صوّت مجلس النواب الأمريكي بأغلبية مريحة لصالح مشروع موازنة الدفاع الوطني (NDAA) الذي تضمّن بندا غير مسبوق؛ إلغاء قانون قيصر الذي شكّل لعقود الرمز الأقوى للعزلة الأمريكية المفروضة على دمشق.
لكن هذه المرة، لم يأتِ القرار في ظل النظام ذاته، بل بعد سقوط نظام البعث الذي شكّل عماد الحكم في سوريا منذ ستينيات القرن الماضي.
إنه ليس رفعا تقنيا للعقوبات، بل إعلان غير مباشر عن نهاية حقبة سياسية بأكملها، وبداية مشروع أمريكي جديد لإعادة هندسة الشرق الأوسط ما بعد البعث.
من قانون الردع إلى منطق إعادة البناء
حين أُقرّ قانون قيصر عام 2019، كان الهدف منه خلق مصاعب أمام النظام السوري وفرض عزلة اقتصادية خانقة لإجباره على القبول بانتقال سياسي، لكن بعد خمس سنوات من العقوبات، تحوّل القانون إلى رمز للعجز أكثر منه أداة فعالة، فلم يسقط النظام، ولم تتحقق العدالة، بل تفكّكت البنية الاجتماعية والاقتصادية السورية حتى حافة الانهيار.
بعد سقوط البعث وتشكّل السلطة الانتقالية، وجدت واشنطن نفسها أمام سؤال محوري؛ هل تُبقي على سياسة العقاب التي طالت المجتمع أكثر مما طالت النظام؟ أم تفتح الباب أمام إعادة البناء وإعادة الإدماج؟
الجواب جاء عبر إلغاء قيصر لا كمنحة، بل كخطة لإعادة صياغة سوريا الجديدة بما يتوافق مع مصالح الغرب ومع منطق “التحكم بالمخاطر”.
اللحظة الأمريكية: من العقوبات إلى الشراكة المشروطة
إن تمرير الإلغاء بأغلبية 312 صوتا مقابل 112 يعكس إجماعا نادرا في الكونغرس، ويشير إلى أن الولايات المتحدة تجاوزت مرحلة “سوريا كعقوبة” إلى مرحلة “سوريا كفرصة”.
لم تعد واشنطن ترى في سوريا مجرد ساحة نفوذ روسي أو إيراني، بل مساحة يمكن تحويلها إلى نموذج جديد لرسم الاستراتيجيات والتحالفات الجديدة لواشنطن.
القانون المعدّل ينص على مراجعة دورية تمتد لأربع سنوات، بمعدل مرة كل 180 يوما، للتأكد من التزام الحكومة الانتقالية الجديدة بمجموعة معايير تشمل:
- التعاون الأمني ضد الإرهاب.
- محاسبة مرتكبي الانتهاكات منذ 8 ديسمبر 2024.
- تفكيك شبكات الفساد وتهريب الكبتاغون.
- ضمان تمثيل الأقليات وحمايتها.
- وإبعاد المقاتلين الأجانب عن مؤسسات الدولة
لا يُعتبر رفع العقوبات نهاية للرقابة الأمريكية، بل إعادة تحويل أدواتها من الردع إلى التوجيه، ومن الحصار إلى الإشراف.
سقوط البعث وبداية الواقعية الجديدة
من منظور جيوسياسي، فإن سقوط نظام البعث لم يكن مجرد تغيير داخلي، بل لحظة فاصلة في توازنات الإقليم، فهو مثل على امتداد العقود منظومة مقاومة شكلت ازمة بالنسبة للإدارة الأمريكية، وانتهى في سياق دولي يتّسم بتراجع المحاور القديمة وصعود منطق “الواقعية الجديدة” الذي تتبناه واشنطن منذ إدارة بايدن.
هذه الواقعية تقوم على مبدأ بسيط فليس هناك حاجة إلى أن نغيّر الأنظمة، بل إلى أن نعيد هندسة الدول، فلا يأتي رفع العقوبات مكافأة للحكومة الجديدة في دمشق، بل كجزء من إعادة هندسة المشهد السوري ليكون منسجما مع التوازنات الجديدة؛ عبر سوريا منفتحة اقتصاديا، ومنزوعة الولاءات العسكرية ومحكومة بمنطق الدولة لا الحزب، ومراقبة ماليا وأمنيا عبر آلية أمريكية.
اقتصاد ما بعد العقوبات: بين الطموح والمخاطر
البيان الأمريكي الذي رافق رفع العقوبات كان صريحا، فالهدف فتح الباب أمام الشركات الأمريكية والدولية للعمل في سوريا، مع الإبقاء على العقوبات الفردية بحق منتهكي حقوق الإنسان ومهربي المخدرات.
إنها صيغة اقتصادية دقيقة بتحرير الأسواق وليس السلطة؛ وتشجيع الاستثمار، لا التهاون مع المسائل السياسية، فتتحول سوريا من “دولة معاقَبة” إلى دولة تحت الاختبار الاقتصادي ويحدد إن كانت قادرة على إعادة بناء مؤسساتها من دون العودة لى بناء منظومة مقاومة جديدة، يكون لها وزنها الاستراتيجي في مستقبل الإقليم.
غير أن هذا الانفتاح، مهما بدا واعدا، يواجه تحديات واقعية من البنية التحتية المدمّرة، وطبيعة السلطة الانتقالية المنحدرة من تشكيلات جهادية، ونجاح مرحلة ما بعد العقوبات يعتمد على قدرة الحكومة الانتقالية على تحويل الدعم الدولي إلى مؤسسات لا إلى أفراد، وعلى بناء شراكات داخلية تحظى بشرعية وطنية لا خارجية فقط.
إعادة تعريف العدالة: بين الرمزية والبراغماتية
القانون الجديد لا يعفي أحدا ظاهريا من الجرائم المرتكبة منذ سقوط النظام، بل يربط رفع العقوبات بمدى التزام الحكومة الانتقالية بمحاكمة من تورّطوا في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بعد الثامن من ديسمبر 2024، سواء من رموز النظام السابق أو من القوى الجديدة على الأرض.
وفي السياق ذاته، تولي واشنطن أهمية خاصة لملف المقاتلين الأجانب الذين شاركوا في النزاع السوري أو تسللوا إلى أجهزة الدولة والأمن خلال مرحلة الفوضى، فإحدى أهم شروط الرفع النهائي للعقوبات تتمثل في إخراج هؤلاء المقاتلين من المناصب الحساسة، وضمان ألا يتحولوا إلى مراكز قوى موازية تغير مسار التغيير الذي ترسم له اسرائيل وواشنطن.
إنها مرحلة دقيقة، تُعيد فيها الولايات المتحدة تعريف العدالة لا بوصفها منظومة مساءلة متكاملة، بل سلطة تتوعد باستهداف الأفراد المتورطين، فالعدالة باتت أداة لضبط التوازن بين الاستقرار والمحاسبة، بين إنهاء الحرب وبناء دولة قادرة على احتكار الشرعية والقوة معا.
التأثير الإقليمي: نهاية زمن العزلة السورية
رفع العقوبات يعني نهاية عزلة سوريا الإقليمية والدخول في مرحلة غير مسبوقة من محدودية السيادة، فرفع العقوبات كان مشروطا بعدم تشكيل تهديد إقليمي ما يعني في النهاية تجميد النفوذ للدول الموجود على الأرض مثل تركيا، ويعتبر نافذة أيضا لـ”إسرائيل” التي بدأت بالفعل المفاوضات مع دمشق وتوسيع نفوذها في الجولان وحوران.
لكن واشنطن، رغم موافقتها على هذا الانفتاح، تُبقي يدها على المفاتيح عبر آلية المراجعة، فكل 180 يوما، سيكون الأداء السوري موضوعا لتقرير أمريكي يقرّر استمرار الانفتاح أو إعادة فرض العقوبات، فلم تعد العقوبات أداة للضغط، بل أصبحت أداة للحوكمة الدولية.
ما بعد قيصر
إن رفع عقوبات قيصر لا يُمكن قراءته كحدث منفصل، بل كعلامة على نهاية مرحلة وبداية أخرى في تاريخ الشرق الأوسط؛ مرحلة “الدولة العقابية” بينما تظهر “الدولة الخاضعة للمراجعة”.
العقوبات التي كانت أداة للهيمنة، تتحوّل إلى آلية لتطويع النظام الجديد ضمن منظومة الاستقرار الأمريكي، فالبعض يرى في ذلك انتصارا للدبلوماسية الأمريكية، ويراه آخرون شكلا جديدا من الوصاية، لكن المؤكد أن سوريا تدخل الآن زمن ما بعد الأيديولوجيا، وما بعد البعث وما بعد قيصر.
رفع عقوبات قيصر: نهاية العقاب وبداية هندسة الشرق الأوسط الجديد
التسلسل الزمني للأحداث
- 2019: إقرار قانون قيصر لفرض عزلة اقتصادية خانقة على النظام السوري
- 2024 (8 ديسمبر): سقوط نظام البعث ونهاية الحكم الأحادي في سوريا
- 2024 (10 ديسمبر): تصويت مجلس النواب الأمريكي لصالح رفع عقوبات قيصر ضمن موازنة الدفاع الوطني
- 2025-2028: فترة المراجعة الدورية كل 180 يوماً لالتزام الحكومة الانتقالية بالشروط الأمريكية
- 2028: المراجعة النهائية واتخاذ قرار دائم بشأن العقوبات
شروط رفع العقوبات الأمريكية
القانون المعدّل ينص على مراجعة دورية تمتد لأربع سنوات، بمعدل مرة كل 180 يوماً، للتأكد من التزام الحكومة الانتقالية الجديدة بمجموعة معايير تشمل:
- التعاون الأمني ضد الإرهاب ومكافحة التنظيمات المتطرفة
- محاسبة مرتكبي الانتهاكات والجرائم منذ 8 ديسمبر 2024
- تفكيك شبكات الفساد وتهريب المخدرات (خاصة الكبتاغون)
- ضمان تمثيل الأقليات وحماية حقوقها في الهيئات الحكومية
- إبعاد المقاتلين الأجانب عن مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية
- بناء مؤسسات وطنية تتمتع بالشرعية وتستبعد منطق الحزب الواحد
- الشفافية المالية ومكافحة غسل الأموال
التأثير الجيوسياسي والإقليمي
رفع العقوبات يعني نهاية عزلة سوريا الإقليمية والدخول في مرحلة غير مسبوقة من محدودية السيادة، مع إعادة رسم التحالفات والنفوذ في المنطقة.
تأثيرات إقليمية رئيسية:
- تركيا: تجميد النفوذ وتراجع الوجود العسكري في شمال سوريا
- إسرائيل: توسيع المفاوضات مع دمشق وتعزيز النفوذ في هضبة الجولان وحوران
- إيران: تراجع النفوذ المباشر وانسحاب القوات والميليشيات المتحالفة
- روسيا: إعادة هيكلة الوجود مع الحفاظ على القواعد العسكرية الاستراتيجية
- الدول العربية: عودة العلاقات الدبلوماسية والشراكات الاقتصادية المحدودة
الاقتصاد بعد العقوبات: بين الطموح والمخاطر
البيان الأمريكي الذي رافق رفع العقوبات كان صريحاً، فالهدف فتح الباب أمام الشركات الأمريكية والدولية للعمل في سوريا، مع الإبقاء على العقوبات الفردية بحق منتهكي حقوق الإنسان ومهربي المخدرات.
التحديات الاقتصادية الرئيسية:
- البنية التحتية المدمرة بعد سنوات من الحرب والعقوبات
- طبيعة السلطة الانتقالية المنحدرة من تشكيلات جهادية وافتقادها الخبرة الإدارية
- تحويل الدعم الدولي إلى مؤسسات وليس إلى أفراد أو جماعات
- بناء شراكات داخلية تحظى بشرعية وطنية وليست خارجية فقط
- معالجة ملف المقاتلين الأجانب وتحويلهم من عناصر قتالية إلى قوى إنتاجية
- إعادة بناء نظام مالي شفاف يمنع عودة اقتصاد الحرب والفساد
الاستنتاجات الرئيسية:
- رفع عقوبات قيصر ليس حدثاً منفصلاً بل علامة على نهاية مرحلة وبداية أخرى في تاريخ الشرق الأوسط
- الانتقال من مرحلة “الدولة العقابية” إلى مرحلة “الدولة الخاضعة للمراجعة الدورية”
- العقوبات تتحول من أداة هيمنة إلى آلية لتطويع النظام الجديد ضمن منظومة الاستقرار الأمريكي
- سوريا تدخل زمن ما بعد الأيديولوجيا، وما بعد البعث، وما بعد قيصر
- العدالة تعاد تعريفها كمنظومة مساءلة متكاملة تستهدف الأفراد المتورطين وليس المجتمع بأكمله

