من الركام إلى الإنتاج: كيف يقود قطاع البناء التعافي في سوريا

في التجارب الدولية الممتدة من رواندا إلى البوسنة، ومن كمبوديا إلى العراق، برزت التنمية بعد الحرب كأكثر من عملية اقتصادية، ففي جوهرها، إعادة تعريف للعلاقة بين الدولة والمجتمع، والمواطن وقدرته على التحكم في مصيره، فالتنمية في البيئات الخارجة من النزاعات ليست خططا مالية ولا مشروعات بنية تحتية ضخمة فحسب؛ بل فعل ترميم شامل للبشر وللثقة قبل المؤسسات.

تظهر الخبرات الدولية أن مفتاح النجاح في مرحلة ما بعد الحرب لا يكمن في حجم التمويل الدولي، بل في قدرة المجتمعات المحلية على تحويل المساعدات إلى طاقة إنتاجية مستدامة، فحين يتحول المستفيد من الإغاثة إلى فاعل اقتصادي، وحين يستعيد الشباب شعورهم بالجدوى من العمل، يبدأ التحول الحقيقي نحو التعافي.

في هذا السياق، تأتي الفكرة في تمكين الشباب السوري بمهارات مهنية متخصصة في قطاع البناء والتشييد، كأحد القطاعات القليلة التي يمكن أن تجمع بين الضرورة الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، والإمكانات الواقعية في آن واحد.

إعادة البناء كعملية اجتماعية

يبدو قطاع البناء للوهلة الأولى مجالا تقنيا بحتا، لكن في مجتمعات ما بعد النزاع، يتحول البناء إلى رمز لإعادة الحياة، فكل جدار يُرمم هو فعل مقاومة للنسيان، وكل ورشة تعمل هي مؤشر على عودة الإيقاع الطبيعي، لكن الأهم من ذلك أن هذا القطاع يمتلك قدرة نادرة على استيعاب اليد العاملة الشابة بسرعة، دون الحاجة إلى سنوات من التعليم الأكاديمي.

إن إعادة الإعمار ليست شأنا هندسيا فقط، بل مسار تنموي يستعيد من خلاله الشباب السوري موقعهم داخل الاقتصاد والمجتمع، فبدلا من انتظار فرص عمل في اقتصاد جامد، يمنحهم المشروع الأدوات ليصنعوا فرصهم بأنفسهم.

التمكين القابل للتوظيف: من المهارة إلى الكرامة

جوهر الفكرة يكمن في مفهوم “التمكين المهني القابل للتوظيف أي تدريب الشباب على مهارات تقنية عالية الجودة مصممة وفق احتياجات السوق الحقيقي، فالمهارات المستهدفة ليست نظرية، بل عملية مباشرة ومبنية على الطلب الفعلي في مشاريع الإعمار والترميم.
يُضاف إلى ذلك مكون مهم في هذا النوع من المشاريع؛ ثقافة العمل الاحترافية  لسلامة المهنية مع الانضباط والالتزام بمعايير الجودة، وهذه ليست تفاصيل شكلية؛ بل عناصر ترفع قيمة العامل وتزيد من ثقة السوق المحلي بقدراته.

في بلد تضررت فيه البنية التحتية، يصبح العامل الماهر رأس مال بشريا نادرا، وحين يكتسب الشاب مهارة يمكن تحويلها إلى عمل مأجور خلال أشهر، لا سنوات، فإنه يتحول من متلق للمساعدة إلى منتج، ومن عبء اقتصادي إلى ركيزة اقتصادية.

من العمل المأجور إلى ريادة الأعمال المحلية

ما يجعل التعامل مع الشباب لإعادة الإعمار أكثر تميزا هو أنه لا يتوقف عند تأهيلهم لسوق العمل، بل يفتح أمامهم مسارا تدريجيا نحو ريادة الأعمال الصغيرة، فالخريج الذي يتقن مهارة الترميم أو التشطيب يمكنه أن يؤسس ورشة صغيرة أو فريق صيانة أو مشروع خدمات هندسية.
ومن خلال دعم هذا التحول بتدريبات في الإدارة والتسعير والتعامل مع الزبائن، يتحول الحرفي إلى رائد أعمال محلي.

بهذه المقاربة، يتحول الاهتمام بالشباب إلى حاضنة اقتصادية صغيرة تنتج فرص عمل بدلا من استهلاكها، وكل خريج ناجح يخلق حوله سلسلة قيمة محلية، من المزودين إلى العمّال المساعدين، ومن التجار إلى حرفيي التشطيب، فهي ديناميكية أثر اقتصادي مضاعف تُعيد تدوير الدخل في المجتمع وتقلّل من اعتماده على الخارج.

ما بعد الطوارئ: الاقتصاد بوصفه استقرارا

التنمية في سياقات ما بعد النزاع لا تنجح إلا حين تترجم إلى استقرار اقتصادي ملموس، فالتوظيف ليس مجرد أداة للرزق، بل هو آلية لاحتواء التوترات الاجتماعية، وإعادة دمج الفئات المهمشة، واستعادة الثقة بين الأفراد والمؤسسات.
حين يجد الشباب عملا كريما، تتراجع مخاطر الانزلاق نحو اقتصاد الظل أو الهجرة غير النظامية أو الانخراط في العنف، فيصبح كل عقد عمل وكل مشروع صغير استثمارا في السلم الأهلي.

قطاع البناء يعد من أكثر القطاعات طلبا في فترات إعادة الإعمار، فهو منصة مثالية لهذا النوع من التدخلات، حيث يوفر فرصا فورية، ويستجيب مباشرة لحاجات المجتمع، ويظهر نتائج ملموسة في زمن قصير؛ ما يجعل هذه المبادرات أكثر إقناعا للجهات المانحة والمجتمعات المحلية على حد سواء.

الاستدامة: من التدريب إلى النظام الاقتصادي

التحدي الأكبر لأي مشروع تدريبي هو ما سيأتي بعد، فكم من مبادرة انتهت بانتهاء التمويل؟ فلكي تكون التنمية حقيقية، يجب أن تتكامل ثلاثة عناصر؛ المهارة والتمويل والسوق، فالتدريب وحده لا يكفي إن لم يجد الخريج فرصة لاستخدام مهارته، وتظهر هنا أهمية الربط بين مراكز التدريب ومؤسسات القطاع الخاص، وبين حاضنات الأعمال وبرامج التمويل الصغير.

يمكن لأي مشروع ضمن هذه الرؤية، إذا صمم بذكاء، أن يتحول إلى نموذج وطني لتأهيل الكوادر السورية في قطاع الإعمار، بالشراكة مع البلديات المحلية والمنظمات الدولية، فبدلا من الاعتماد على الشركات الأجنبية المكلفة، يمكن بناء طاقات محلية مستدامة تُسهم في خفض كلفة الإعمار وتحفّز النمو الداخلي.

التنمية بوصفها مصالحة

الحديث عن التنمية في سوريا لا يمكن فصله عن البعد الاجتماعي، فالمجتمع الذي أنهكته الحرب يحتاج إلى ما هو أكثر من وظائف؛ إنه يحمل معنى جديد للانتماء، فحين يعمل شاب على ترميم مدرسة في حيّه، أو يعيد بناء بيت لجاره، فهو لا يكسب دخلا فحسب؛ بل يشارك في إعادة صياغة النسيج الاجتماعي.
هذه المشروعات الصغيرة تشكّل فضاءات تعايش مدني، حيث يلتقي أبناء مناطق وخلفيات مختلفة على هدف عملي واحد: البناء.

في هذا المستوى الرمزي، يصبح إعادة الإعمار مشروع مصالحة مجتمعية عبر الفعل وليس الخطاب، فالتنمية الحقيقية تبدأ عندما يُمنح الأفراد فرصة لإعادة اكتشاف ذواتهم كمواطنين قادرين على الفعل، لا كضحايا دائمين.

حجر فوق حجر، ثقة فوق ثقة

في نهاية المطاف، تبدو مبادرات التدريب المهني في بلد مثقل بالأزمات مسعى متواضعا، لكنها في الواقع حجر الأساس لكل عملية تنموية صادقة، فإعادة الإعمار لا تبدأ من الأبراج ولا من المخططات الهندسية، بل من العامل الذي يضع أول حجر في مكانها، ويمتلك مهارة وثقة وأملا.

إن المشروع الذي يمكّن الشباب السوري من العمل والإنتاج في قطاع البناء لا يعيد بناء الجدران فقط، بل يعيد بناء العقد الاجتماعي بين الجهد والأمل، والفرد، والمجتمع واليوم والغد.
إذا كان الحجر هو لغة الإعمار، فإن التمكين المهني هو لغته الأخلاقية لأنه يخلق الثقة التي تبنى الوطن.

رحلة تحويل الشباب السوري: من الركام إلى الإنتاج

رحلة تحويل الشباب السوري: تحليل بياني تفاعلي

تتبع التحول من الإغاثة إلى التنمية المستدامة من خلال البيانات والرسوم البيانية

مسار التحول الزمني

الركام والطوارئ
التدريب المهني
التوظيف والإنتاج
ريادة الأعمال
المصالحة المجتمعية

نمو معدلات التوظيف

تطور متوسط الدخل الشهري ($)

10%
معدل التوظيف الحالي
$50
متوسط الدخل الشهري
20%
مستوى الاستقرار المجتمعي

تأثير التحول على المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية

رحلة تحويل الشباب السوري – تحليل بياني تفاعلي يوضح مراحل التحول من الإغاثة إلى التنمية المستدامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *