منذ مطلع عام 2025، بدأت سوريا تشهد موجة جديدة من القرارات الحكومية تقضي بتغيير أسماء المدارس في عدد من المحافظات، أبرزها حلب، دمشق، حمص، واللاذقية، ويبدو الأمر في ظاهره إداريا أو تنظيميا، ضمن مسعى وزارة التربية إلى “تحديث” أسماء المدارس لتتوافق مع ما تسميه “المعايير الوطنية والثقافية”.
لكن خلف هذه اللغة البيروقراطية الهادئة، تدور واحدة من أكثر المعارك الرمزية حساسية في تاريخ البلاد البلاد، فهي ليست مجرد تغييرات في لافتات حجرية أو لوحات معدنية على بوابات المدارس، بل محاولة لإعادة تعريف الانتماء الجمعي، فتلتقي السياسة بالثقافة، والرمز بالسلطة، في اختبار جديد لما تبقى من المجال العام السوري.
حين تتحول الأسماء إلى سياسة
في كل دولة خارجة من صراع طويل، تصبح الرموز — الأسماء، والشعارات والتماثيل، وحتى أسماء الشوارع والمدارس أدوات لإعادة ترميم الشرعية أو إعادة إنتاجها، وما يجري في سوريا ليس استثناء، فمنذ بداية العام، أُعلن عن خطة رسمية لإعادة تسمية المدارس في جميع المحافظات، بحجة “توحيد المعايير” و”تعزيز الهوية الوطنية”.
الوثائق التي خرجت من مديريات التربية تشير إلى أن الأسماء القديمة، التي حمل بعضها رموزا ثقافية أو أدبية مثل نزار قباني، سعد الله ونوس، سامي الكيالي، مي زيادة، وحتى أسماء شهداء من الحروب مع “إسرائيل”، أُزيلت لصالح أسماء أخرى ذات طابع ديني أو وطني عام مثل الشهيد” و”الإيمان” أو “الوحدة”.
القرار لم يأتِ من فراغ، فالسلطة السورية تعاملت مع الفضاء العام كامتداد لشرعيتها الرمزية، وجزء من هندسة الوعي الوطني، لكن ما يميز قرارات 2025 هو انتقالها من مرحلة السيطرة إلى مرحلة إعادة التشكيل؛ عبر تثبيت الأسماء القائمة إلى صياغة جديدة لهوية جمعية أكثر انسجاما مع الرؤية الإيديولوجية للتشكيلات الإسلامية التي دخلت دمشق نهاية 2024 ضمن تحالف هيئة تحرير الشام.
حروب الذاكرة في سوريا: كيف تُعيد السلطة تشكيل الهوية عبر تغيير أسماء المدارس في 2025
المفارقة أن التغييرات الأخيرة لم تمس فقط الرموز السياسية، بل الثقافية أيضا، وحتى الرمزية المرتبطة بالصراع مع “إسرائيل”، ما أثار جدلا واسعا في الأوساط الثقافية والإعلامية، خاصة في حلب، حيث استُبدلت أسماء مدارس تحمل أسماء شخصيات أدبية سورية بأخرى ذات طابع ديني أو “إيماني”.
أن يرفع اسم نزار قباني عن مدرسة في حلب مثلا، أو أسماء لشهداء من حرب تشرين 1973، ليس حدثا محليا بسيطا، فقباني ليس شاعرا عابرا في الوجدان العربي، بل هو ذاكرة جمالية وثقافية تجسد هوية مدينية منفتحة، تنتمي إلى زمن سوريا الليبرالية، لا إلى أزمنة الانغلاق الأيديولوجي.
بهذا المعنى، فإن تغيير الأسماء لا يبدّل فقط في الجغرافيا الرمزية للمدن السورية، بل يعيد ترميز الذاكرة نفسها فحين تتحول “مدرسة نزار قباني” إلى “مدرسة النور والإيمان”، يصبح التعليم ذاته جزءا من خطاب تعبوي، لا من سردية وطنية مدنية.
ينسحب هذا الأمر على إنهاء باقي الرموز الوطنية لسوريا مثل إلغاء يوم شهداء 6 أيار أو ذكرى حرب تشرين، وانعكست هذه القرارات بشكل تلقائي على أسماء “الشهداء” في المدارس وحتى على أسماء الشوارع نفسها التي مثلت نوعا من رمزية الصراع السوري منذ بداية الدولة الحديثة.
إعادة كتابة الذاكرة الجماعية
لا يمكن قراءة هذه القرارات بمعزل عن مفهوم السيطرة على الذاكرة الذي تحدث عنه المؤرخ الفرنسي بيير نورا، حين قال إن الأمم لا تبنى فقط عبر القوانين والمؤسسات، بل عبر “أماكن الذاكرة” التي تمنح الماضي معنى في الحاضر.
المدارس، في هذا السياق، ليست مجرد مبان لتعليم العلوم، بل فضاءات لإعادة إنتاج السرديات الوطنية، وعبر الأسماء، تعاد كتابة التاريخ.
حين تحمل مدرسة في ريف دمشق اسم من تاريخ سوريا، فهي لا تكرم شخصا إنما تكرس رؤية محددة للماضي، وحين يُستبدل هذا الاسم لاحقا باسم ديني أو رمزي جديد، فذلك يعكس تحولا في الهوية التي تريد الدولة ترسيخها، من هوية “الصراع الحضاري” إلى “الصحوة الإيمانية”.
إنها ليست مجرد محاولة لتطهير المجال العام من الرموز القديمة، بل عملية إحلال رموز جديدة تكرس خطابا قيميا وعقائديا على حساب الرمز الثقافي والمدني الذي شكّل جوهر الهوية السورية الحديثة، فبدل أن تعيد الدولة إنتاج المجال العام على أسس المواطنة والعقلانية والانفتاح تعيد تشكيله بروح أخلاقية–دينية، تقوض مبدأ الحياد الذي يفترضه التعليم العام، فيتحول الفضاء المدرسي من ساحة للمعرفة والتنوير إلى منبر لإعادة “تديين” الذاكرة الوطنية، بما يعيد المجتمع خطوة إلى الوراء عن مشروع الدولة المدنية التي حلمت بها أجيال السوريين في القرن العشرين.
بين إعادة الإعمار وإعادة التصور
من الناحية السياسية، يمكن قراءة هذه السياسات بوصفها جزءا من مشروع السلطة القائمة لإعادة هندسة المجال الرمزي للدولة، في محاولة لإعادة ترميم شرعيتها وبناء سرديتها الجديدة، فبدل الاكتفاء بإصلاح البنى المادية، تتجه السلطة إلى استخدام أدوات رمزية ناعمة، كالتعليم والثقافة وإدارة الذاكرة، لإعادة تعريف ذاتها وصياغة تصور جديد لـ”الدولة السورية” يعكس رؤيتها لمرحلة ما بعد انهيار النظام السابق.
لكن إعادة الإعمار الرمزية أخطر من إعادة الإعمار المادية، لأنها تُعيد تشكيل وعي الأجيال القادمة ضمن إطار محدد سلفا لما يجب أن “يتذكروه” وما يجب أن يُنسى.
ففي سوريا اليوم، لم تعد الذاكرة ساحة مفتوحة للتعدد، بل حقلا مضبوط الإيقاع؛ تُختار رموزه بعناية لتعكس صورة “سوريا الجديدة” كما تراها السلطة، وهذه الرؤية لا تحتمل الكثير من التنوع الرمزي، إذ يُعاد ترتيب الذاكرة الجماعية وفق خطوط الولاء، لا وفق التنوع التاريخي.
الهوية الممزقة بين الذاكرة والمستقبل
الهوية الوطنية ليست بناء ساكنا، بل كائن حي يتغذى من جدلية الماضي والحاضر، وخطورة تغيير أسماء المدارس لا تكمن فقط في محو الذاكرة، بل في إعادة توجيهها.
الأطفال الذين سيدخلون غدا إلى مدرسة “الإيمان” بدلا من “سعد الله ونوس”، لن يتعلموا فقط دروس اللغة والعلوم، بل سيتشربون ضمنيا معنى جديدا للوطن والانتماء.
إن الأسماء، في بلد كتبت تاريخه على خطوط النار، إشارات طريق نحو سردية وطنية جديدة أقل تعددية، وقدرة على احتواء الذاكرة الثقافية لسوريا الحضارية.
السلطة الرمزية وإعادة إنتاج الدولة
يمكن النظر إلى هذا المشهد بوصفه مثالا كلاسيكيا على السلطة الرمزية في الأنظمة ما بعد الأزمات، حيث تسعى الحكومات الخارجة من صراعات طويلة إلى إعادة إنتاج ذاتها عبر الرموز أكثر مما تفعل عبر المؤسسات، فبدل توجيه الجهود نحو إصلاح بنية التعليم أو تحديث المناهج، تُوجه إلى هندسة الفضاء الرمزي للمجتمع، فالتحكم في الرموز أسهل من بناء مؤسسات مستقلة، وأشد تأثيرا في تشكيل الوعي الجمعي.
تظهر هذه المقاربة أن سوريا تنزلق نحو نموذج الدول التي تُهندس ذاكرتها بدل أن تفسح المجال لتعددها، ففي الأنظمة الديمقراطية الحديثة، تُحترم الرموز المتنوعة لأنها تُجسد التعددية وتشكل جزءا من الذاكرة الجمعية المتنوعة، أما في الأنظمة المركزية، فإن الرموز لا تترك للتفاعل الطبيعي داخل المجتمع، بل تدار عبر الضبط والتحكم، بهدف توحيد الوعي العام ضمن سردية واحدة تعبر عن رؤية السلطة لا عن تنوّع المجتمع.
ما بين الإصلاح الحقيقي والمشهد المسرحي
لا أحد ينكر حق الدولة في تنظيم أسماء مدارسها، لكن السؤال الحقيقي الهدف النهائي من هذا الإجراء؟
إذا كان الهدف هو “تعزيز الهوية الوطنية”، فهل يمكن لذلك أن يتحقق عبر محو رموز ثقافية عميقة وراسخة؟
الهوية لا تُبنى بالمحو، بل بالجمع بين التعدد، وسوريا التي عرفتها منذ الاستقلال كانت غنية بالتناقضات، لكنها كانت أيضا غنية بالتنوع.
تغيير الأسماء يعطي للسلطة الجديدة بعض أدوات السيطرة الرمزية، لكنه في المقابل يعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع، لأنه يمسّ أحد أكثر الأشياء حساسية في وعي السوريين؛ ذاكرتهم الثقافية المشتركة.
ليست القضية بأسماء مدارس فقط، بل عمن يملك حق كتابة التاريخ السوري الحديث.
فالدولة تحاول أن تُعيد بناء شرعيتها من خلال إعادة صياغة رموزها، والمجتمع يحاول بصمت أن يتمسك بما تبقى من ذاكرة لا يمكن إعادة تسميتها.
إن معركة الأسماء في سوريا في جوهرها حول المعنى.
وحين يصبح المعنى ملكا للسلطة وحدها، تفقد الذاكرة قدرتها على أن تكون جسرا نحو المستقبل، وتتحول إلى مرآة تعكس فقط ما يريد الحاكم أن يُرى فيها.
حروب الذاكرة في سوريا
إعادة كتابة الهوية على جدران المدارس – 2025
تحول الرموز في المدارس السورية
توزيع التغييرات حسب المحافظة
أنواع الأسماء التي تم تغييرها
ردود الفعل على التغييرات
مقارنة بين الأسماء القديمة والجديدة
الأسماء القديمة (المحو)
- نزار قباني
- سعد الله ونوس
- سامي الكيالي
- مي زيادة
- شهداء حرب تشرين
- شهداء 6 أيار
الأسماء الجديدة (الإحلال)
- الشهيد
- الإيمان
- الوحدة
- النور والإيمان
- الصحوة
- التقوى

