في قلب النقاش الدائر حول مستقبل سوريا، تتقاطع كلمة واحدة مع كل حديث عن التنمية وإعادة البناء؛ الاستدامة، فبعد أكثر من عقد من الدمار، لم يعد السؤال فقط كيف تعاد الأبنية والطرقات، بل كيف سيتم بناء الإنسان، لأنه الفاعل الغائب في كثير من خطط إعادة الإعمار التقليدية التي ركزت على الحجر وأهملت من يشيده.
تواجه سوريا اليوم معضلة مركبة؛ الدمار المادي الهائل الذي خلفته الحرب، مقرونا بدمار اجتماعي ومعرفي، فالمهارات التي يحتاجها قطاع البناء والتشييد لاستعادة الحياة إلى المدن والبلدات لم تعد متوفرة بالقدر الكافي، بعدما استنزفت الحرب القوى العاملة الماهرة، إما بالهجرة أو بالإقصاء أو بفقدان منظومات التعليم المهني، فظهرت فجوة المهارات بوصفها التحدي المركزي في أي مشروع إعادة إعمار وطني جاد.
تكشف البيانات الأولية عن عمق هذا التحدي، فإن القوة العاملة السورية تشمل ما يقدر بالملايين من الأشخاص ضمن الفئات العمرية النشطة اقتصاديا، لكن نسبة المشاركة في سوق العمل انخفضت إلى حوالي 37.9% في نهاية 2024، مع معدلات بطالة تقارب21.3% تعكس ضعفا مستداما في امتصاص العمالة وتوفير فرص منتجة، بما في ذلك في قطاعات البناء والتشييد الحيوية لإعادة الإعمار.
تؤكد الدراسات الميدانية وجود فجوة هيكلية حادة بين المهارات المتوفرة في سوق العمل السوري واحتياجاته الفعلية، خصوصا في الكفاءات التقنية المتعلقة بالصناعات والمهن العملية، حيث يرى ثلث أصحاب العمل (33%) أن نقص المهارات التقنية يعد من أهم معوقات التشغيل، مقابل نسبة مماثلة تشير إلى نقص الخبرة العملية.
تُظهر هذه المعطيات أن المشكلة ليست في توفر الأيادي العاملة فحسب، بل في ملاءمتها لمتطلبات إعادة الإعمار والقطاعات الإنتاجية، ما يضع التدريب المهني والتقني في صلب الاستراتيجيات التي لا يمكن للمشاريع الوطنية أو الدولية إغفالها إذا أرادت تحقيق نتائج مستدامة تقلل من الاعتماد على الخبرات الأجنبية وتُعيد البناء من الداخل.
من الإنشاء إلى التنمية: تحوّل في فلسفة الإعمار
يُقدّم التصور القائم على “إعادة الإعمار القائمة على رأس المال البشري” تحولا جذريا في المنهج، فبدلا من النظر إلى الإعمار كعملية هندسية مكلفة تدار بعقود دولية ومواد بناء، يعاد تعريفه كمنظومة تنموية تستثمر في الإنسان قبل الإسمنت.
المقاربة الجديدة تنطلق من فرضية بسيطة، ولكن عميقة فلا إعمار دون كفاءات وطنية، فكل ليرة تُنفق على تدريب العامل والمشرف والمهندس هي في الواقع استثمار في دورة إنتاجية محلية تتكاثر آثارها عبر الاقتصاد الوطني، من خلق فرص العمل إلى تنشيط الأسواق المحلية وتقليل الاعتماد على الخارج.
وتلخّص نظرية التغيير تسلسلية خاصة:
- تدريب مهني متخصص.
- تكوين قوة عاملة وطنية.
- إعمار أسرع وأجود.
- دخل مستدام.
- اقتصاد محلي أكثر صلابة.
- تعاف اجتماعي واقتصادي طويل الأمد.
بهذه الآلية تتحوّل إعادة الإعمار من مجرد إعادة بناء لما تهدم، إلى رافعة لإعادة تأسيس العقد الاجتماعي، حيث يصبح العمل والمهارة والاعتماد على الذات جوهر التنمية لا مجرد نتائجها.
الخلل الهيكلي في السوق السورية
إنّ فجوة المهارات في سوريا ليست وليدة الحرب فحسب، بل هي انعكاس لعقود من التهميش الذي لحق بالتعليم المهني والتقني، فقبل 2011 كانت مؤسسات التدريب المهني تعاني ضعف التمويل وغياب الصلة بسوق العمل، ومع الحرب، تحول هذا الضعف إلى انهيار شبه كامل.
يُطرح اليوم على البلاد مشروع إعادة إعمار يتطلب مئات الآلاف من الفنيين والحرفيين والمهندسين، وتواجه الحكومة والقطاع الخاص معا واقعا قاسيا حيث لا يوجد العدد الكافي من الأيدي المؤهلة لتشييد ما تهدم. النتيجة الطبيعية كانت اللجوء إلى عمالة خارجية أو إلى حلول مؤقتة ترفع الكلفة، وتُضعف الجودة، وتُبقي الاعتماد على الخارج قائما.
إنّ بناء قوة عاملة وطنية مؤهلة لا يندرج فقط في باب “التشغيل”، بل في صلب السياسة الاقتصادية نفسها، فالعمالة المحلية الماهرة تعني بقاء القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني، وتدوير الدخل داخليا، وتعزيز الطلب المحلي، ومن هذا المنظور، فإنّ التدريب المهني يصبح سياسة صناعية بامتياز، لا مجرد برنامج اجتماعي.
الإنسان محور المانحين
حين نقرأ أولويات الجهات المانحة الدولية الكبرى، من الاتحاد الأوروبي إلى البنك الدولي إلى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، نجد خيطاً مشتركاً واضحاً: التنمية المستدامة لا تتحقق إلا حين يُعاد تمكين الإنسان، وتتناغم هذه الرؤية بشكل عضوي مع:
- الاتحاد الأوروبي الذي يرى في ربط الإعمار بالتنمية الاقتصادية وبناء رأس المال البشري سبيلا لخفض التبعية وتعزيز الاستقرار.
- UNDP ونظرته إلى التدريب المهني كأداة للتعافي المبكر وتمكين الفئات المتضررة عبر العمل المنتج.
- البنك الدولي وربطه بين كفاءة سوق العمل وفاعلية مشاريع البنية التحتية في مرحلة ما بعد النزاعات.
ما يُطرح ليس مبادرة معزولة، بل تجسيد عملي لأولويات التنمية الدولية في السياق السوري، حيث تكمن قوته في قدرته على الربط العضوي بين التمكين الاقتصادي وإعادة الإعمار ضمن رؤية تكاملية واحدة، بعدما افتقرت السياسات السابقة إلى هذا التماسك وجرى تنفيذها في مسارات متفرقة ومجزأة.
فرصة لإعادة صياغة العقد التنموي الوطني
المقاربة السابقة تحمل بعدا سياسيا واجتماعيا لا يقل أهمية عن البعد الاقتصادي، فإعادة الإعمار القائمة على رأس المال البشري تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث تصبح المواطنة الإنتاجية بديلا عن المساعدات والاعتماد.
إنّ تدريب الشباب والفئات المتضررة على مهارات البناء لا يعني فقط خلق فرص عمل، بل إعادة دمجهم في دورة الحياة الوطنية، ومنحهم دورا ملموسا في إعادة تشكيل البلاد، ويعزز الانتماء، ويخلق شعورا بالملكية المشتركة لعملية الإعمار، وهو أحد المفاتيح الأساسية لبناء السلام الاجتماعي المستدام.
تجاهل هذه المقاربة يعني استمرار دورة التبعية الاقتصادية، وترك الإعمار رهينة للشركات والمساعدات الخارجية، بما يحول البلاد إلى سوق مؤقتة للآخرين لا إلى بيئة إنتاجية لذاتها.
الإعمار كسياسة للعدالة الاجتماعية
في بلد أنهكته الحرب، تصبح العدالة الاجتماعية حجر الزاوية في أي مشروع تنموي حقيقي، والتدريب المهني أداة لإعادة توزيع الفرص، وإعطاء أولوية للفئات التي خسرت أكثر، فتحويل مواقع الدمار إلى ورش تدريب وتشغيل للشباب إعلان عن حق الناس في إعادة بناء وطنهم بأيديهم.
من منظور النوع الاجتماعي أيضا، يمكن لهذه المقاربة أن تُحدث تحولا نوعيا، فتمكين النساء من الانخراط في قطاعات مهنية وتقنية يفتح أمامهن آفاقا جديدة في اقتصاد ما بعد الحرب، ويعيد تعريف دورهن الاجتماعي والاقتصادي في سياق وطني أوسع.
الاستدامة بوصفها نتيجة طبيعية لا شعارا
في الأدبيات التنموية تستخدم كلمة “استدامة” كديكور لغوي، لكن التعامل مع بناء القدرات يجعل الاستدامة النتيجة الطبيعية لتصميم متكامل يبدأ من الإنسان وينتهي إليه.
حين تُبنى القدرات محليا، تتحقق الاستدامة لأن المهارات لا تُستورد، بل تُنتج وتُورث، وحين يُدرب الجيل الجديد من العمال والفنيين، يتم تأسيس بنية إنتاجية في الاقتصاد قادرة على التجدد الذاتي، لا تحتاج في كل أزمة إلى تمويل خارجي أو تدخل دولي.
من الفكرة إلى السياسات
لكي تتحول هذه الرؤية إلى سياسة عامة، لا بد من بنية حوكمة تشاركية تجمع بين الوزارات المعنية (التربية، الأشغال العامة، الاقتصاد، الشؤون الاجتماعية)، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني، فربط التدريب المهني بخطط الاستثمار الإعمارية الواقعية، يجعل كل برنامج تدريبي موجها نحو احتياج محدد في سوق العمل.
في هذا السياق، يمكن للجهات المانحة الدولية أن تلعب دورا محوريا ليس فقط في التمويل، بل في نقل المعايير الدولية للجودة والسلامة والممارسات المهنية، ما يسهم في رفع سوية البناء ويجعل السوق السورية أكثر قدرة على المنافسة في المستقبل.
الإنسان قبل الإسمنت
ليست إعادة الإعمار مجرد إعادة لما كان، بل فرصة لإعادة التفكير فيما يجب أن يكون.
الاستثمار في تأهيل القوة العاملة شرط وجودي لنجاح الإعمار نفسه، فحين يقف الشاب السوري، الذي كان بالأمس ضحية دمار، في ورشة بناء يرمم فيها مدرسته أو بيته، تتحول الكارثة إلى نهوض، والركام إلى أمل، والإعمار إلى مشروع وطني جامع.
الإعمار القائم على رأس المال البشري ليس مجرد سياسة تقنية، بل فلسفة تنموية جديدة تختار أن تبني من الأسفل إلى الأعلى، زمن الإنسان إلى الوطن.
هذه البداية الحقيقية لسوريا ما بعد الحرب التي تعيد بناء ذاتها بيد أبنائها، ولأجلهم.
إعادة الإعمار القائم على رأس المال البشري
نحو مقاربة سورية جديدة لإعادة البناء – تحليل تفاعلي
المشاركة في سوق العمل السوري
تحديات التشغيل حسب أصحاب العمل
فجوة المهارات في سوريا
أولويات المانحين الدوليين
مقارنة بين مقاربتي إعادة الإعمار
المقاربة المتمركزة على الإنسان
- الاستثمار في رأس المال البشري أولاً
- التدريب المهني والتقني محور العملية
- بناء القدرات الوطنية المستدامة
- تمكين المجتمعات المحلية
- تقليل الاعتماد على الخارج
- تعزيز العقد الاجتماعي
المقاربة التقليدية
- التركيز على البنية التحتية المادية
- العقود الدولية والمواد المستوردة
- الاعتماد على الخبرات الأجنبية
- الحلول المؤقتة قصيرة الأمد
- ارتفاع التكاليف وضعف الجودة
- استمرار دورة التبعية
سلسلة التغيير: نظرية التحول
توزيع المهارات المطلوبة لإعادة الإعمار
مقارنة الاستدامة بين المقاربتين
الفوائد المتوقعة من المقاربة الجديدة
فوائد اقتصادية
- بقاء القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني
- تدوير الدخل محلياً
- تعزيز الطلب المحلي
- تقليل الاعتماد على التمويل الخارجي
- خلق فرص عمل مستدامة
فوائد اجتماعية
- إعادة دمج الشباب في الحياة الوطنية
- تعزيز الانتماء والملكية المشتركة
- بناء السلام الاجتماعي
- تحقيق العدالة الاجتماعية
- تمكين الفئات المتضررة
فوائد تنموية
- تأسيس بنية إنتاجية قادرة على التجدد
- رفع سوية البناء والجودة
- خلق سوق عمل أكثر قدرة على المنافسة
- تأسيس عقد تنموي جديد
- تحويل الكارثة إلى فرصة للنهوض

