قانون الاستثمار السوري الجديد 2025: رؤية نقدية في بيئة ما بعد العقوبات والانفتاح الاقتصادي

في أروقة دمشق، وبين ملفات الاقتصاد المتراكمة على مكاتب البيروقراطيين، أقر مؤخرا التعديل الأحدث على قانون الاستثمار السوري رقم 18 لعام 2021، عبر المرسوم التشريعي رقم 114 لعام 2025، وفي الظاهر، يقدم هذا القانون بوصفه نقلة نوعية في “تهيئة بيئة جاذبة لرأس المال”، وبوصفه بوابة نحو “إعادة بناء الاقتصاد الوطني بعد الحرب”
لكن، وكما هو الحال في معظم الاقتصادات الخارجة من الصراع، لا يقاس النجاح هنا بعدد البنود القانونية، بل بمدى قدرة المؤسسات على ترجمة تلك النصوص إلى ثقة حقيقية في بيئة ما تزال تتقاطع فيها مصالح الحرب والمال والسياسة.

هيكل القانون الجديد: تحديث أم إعادة تغليف؟

يمنح القانون الجديد للمستثمرين الأجانب حق التملك بنسبة 100%  من مشاريعهم، ويعد بإعفاءات ضريبية وجمركية سخية، تمتد من ثلاث إلى سبع سنوات بحسب القطاع والموقع الجغرافي.
تبدو هذه البنود جريئة ومغرية وخطوة باتجاه “تحرير الاستثمار” على غرار ما شهدته بعض الدول التي خرجت من النزاعات مثل العراق عام 2006 أو السودان في بدايات انفتاحه عام 2020.

لكن عند التدقيق، يظهر أن النصوص نفسها سبقتها وعود مشابهة في قوانين 2010 و2021، من دون أن تحدث تحولا فعليا في بيئة الاستثمار، فما يزال المستثمر في سوريا يصطدم بالبنية القانونية المتداخلة بين المراسيم الخاصة والقرارات الوزارية المتضاربة، وبنظام إداري يتعامل مع الاستثمار كملف سيادي أكثر منه تنمويا.

الاختلاف الحقيقي الذي يقدمه القانون هذه المرة ليس في جوهر الحوافز بل في إعادة توزيع السيطرة على منح التراخيص، حيث تنتقل صلاحيات واسعة من الوزارات إلى “هيئة الاستثمار السورية”، في محاولة لتقليص مركزية القرار لكنها تبقى ضمن الإطار ذاته للدولة المركزية الصارمة.

مفارقة الجذب والخوف

تاريخيا، تقاس فاعلية قوانين الاستثمار بقدرتها على خلق ثقة سياسية قبل المكاسب المالية، وفي سوريا، حيث لا تزال آثار الحرب والفساد الإداري ماثلة، تصبح الثقة هي العملة الأندر.

فالقانون الجديد، رغم نصوصه الواضحة في حماية المستثمر من “المصادرة أو التقييد إلا بحكم قضائي وتعويض عادل”، لا يعالج فعليا إشكالية انعدام استقلال القضاء الاقتصادي ولا يقدم آليات تنفيذية لمراقبة النزاعات التجارية، ما يجعل من تلك الضمانات إطارا شكليا أكثر منها أداة حماية.

الاستثمار في دول ما بعد الحرب لا يبنى فقط على التشريعات، بل على منظومة عدالة اقتصادية من الشفافية، والقضاء المستقل، والمؤسسات المالية محايدة، وهذه العناصر لا يمكن أن تستنسخ بمرسوم؛ تماما كما حصل في العراق بعد 2003، حين تحولت قوانين الاستثمار الحديثة إلى غطاء لتضارب مصالح النخب السياسية دون أن تخلق تنمية متوازنة.

الاقتصاد الموازي كخصم خفي

ثمة حقيقة أخرى يغفلها القانون الجديد، فالاقتصاد السوري لا يدار بالكامل عبر القنوات الرسمية، فأكثر من 60% من النشاط الاقتصادي، وفق تقديرات منظمات اقتصادية مستقلة، يجري في الاقتصاد غير النظامي، سواء في تجارة العقارات أو التحويلات أو السوق السوداء للوقود والعملات.

هذا الاقتصاد الموازي يملك نفوذه ومؤسساته وشبكاته الاجتماعية، وفي ظل غياب إصلاح مالي جذري، فإن أي محاولة لتطبيق قانون استثماري رسمي ستصطدم حتما بهذه الشبكات التي ترى في “تنظيم السوق” تهديدا لمصالحها.

القانون لم يتضمن أدوات لدمج هذا القطاع أو استيعابه تدريجيا، وهو بذلك يعيد إنتاج الانقسام بين “اقتصاد الدولة” و”اقتصاد الظل”، ما سيقوض فرص تحويل الحوافز القانونية إلى نتائج عملية.

المناطق التنموية: وعود على الورق؟

من بين أبرز بنود القانون الجديد إنشاء مناطق استثمار وتنمية خاصة، تمنح المستثمرين إعفاءات إضافية ومرونة في التحويلات المالية.
تجربة شبيهة حاولت الحكومة تطبيقها سابقا في “المدينة الصناعية بعدرا” و”منطقة حسياء الصناعية”، لكنها لم تحقق الجذب المأمول بسبب ضعف البنى التحتية التي أعاقت التحويلات المصرفية.

اليوم، ومع رفع العقوبات الدولية واستعادة سوريا جزءا واسعا من حضورها الإقليمي والدولي، تكتسب خطط إعادة إطلاق المناطق التنموية طابعا أكثر واقعية إلا أن التحدي لم يعد في غياب الضمانات المصرفية كما كان في السابق، بل في قدرة المؤسسات السورية على استثمار الانفتاح الجديد بآليات شفافة ومستقرة تحافظ على ثقة الشركاء والمستثمرين، فالمناطق التنموية اليوم تقف على مفترق طريق، فإما أن تصبح مختبرا حقيقيا لإعادة بناء الاقتصاد السوري عبر شراكات إنتاجية مستدامة، أو أن يعاد إنتاجها بوصفها واجهات إدارية جديدة في ثوب تحديثي لا يمس جوهر الأداء الاقتصادي.

بين الجغرافيا والسياسة

الاقتصاد السوري ليس جزيرة معزولة، فكل بند قانوني فيه يتقاطع مع حسابات سياسية وجيوإستراتيجية، القانون الجديد، مثلا، لا يفصل بوضوح بين أنواع الاستثمارات المسموح بها في المناطق التي ما تزال تحت تأثير قوى غير حكومية مثل الشمال الشرقي الخاضع للإدارة الذاتية.

هذا الغموض ينتج بيئة طاردة للمستثمرين الدوليين الذين يحتاجون إلى ضمانات سيادية موحدة، في المقابل، تستفيد منه شبكات رأس المال المحلي المتحالفة مع السلطة، التي ترى في القانون وسيلة لإضفاء شرعية اقتصادية على احتكارات قائمة.

إنه شكل من أشكال الاقتصاد السياسي للقانون، حيث يقدم التشريع باسم الانفتاح، لكنه يستخدم لترسيخ بنية نفوذ محددة.

الاستثمار كمفهوم سياسي

يمكن أن يقرأ قانون الاستثمار السوري الجديد في سياق أوسع من مجرد إصلاح اقتصادي، فهو في جوهره بيان سياسي موجه للخارج بقدر ما هو محاولة داخلية لإعادة ترتيب الاقتصاد.
رسالة إلى الشركاء المحتملين مفادها أن السلطة في دمشق مستعدة للانفتاح، وأن “المرحلة الاقتصادية بدأت”، لكن الرسائل السياسية لا تصنع مناخ استثمار، فالمستثمر، أيا كانت جنسيته، يبحث عن قواعد واضحة لتوزيع المخاطر والعوائد، وعن سلطة قضائية مستقلة تحكم في الخلافات، وعن مؤسسات تحترم العقود، وعن شفافية مالية تقنعه بأن أرباحه لن تبتلع في متاهة البيروقراطية أو الفساد.

القانون يعبر عن تحول في اللغة الرسمية للدولة السورية؛ من خطاب “الصمود” إلى خطاب “الانفتاح والتنمية”، وما لم تظهر بيئة سياسية-اقتصادية جديدة، فإن النصوص، مهما كانت أنيقة الصياغة، ستظل ترفا لغويا أكثر منها أداة تحول.

تجارب دول مثل رواندا أو كولومبيا أو حتى البوسنة أظهرت أن التشريعات وحدها لا تعيد بناء اقتصاد ممزق، بل منظومة ثقة جديدة تبنى على المصالحة، والمحاسبة، والانفتاح المؤسسي.

القانون كمرآة للأمل والريبة

ربما لا يمكن الحكم على القانون الجديد بعد، إذ ما زال في طور الترجمة التنفيذية، لكن بين السطور، يمكن قراءة مزيج من الطموح المشروع والقلق المتجذر.
الطموح إلى جذب رأس المال وإنعاش سوق العمل، والقلق من واقع إداري-سياسي لا يزال يقيد الحركة الاقتصادية في أغلب مفاصلها.

القانون يَعِد بالكثير، لكنه في النهاية مرآة لحالة سورية رمادية؛ بلد يقف على أطراف التحول، لكنه لا يزال أسير بنية ما قبل الحرب، يحاول أن يقنع نفسه والعالم بأنه جاهز للاستثمار، بينما يظل السؤال الحقيقي معلقا، فهل يمكن بناء ثقة اقتصادية في غياب تسوية سياسية حقيقية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *