التحركات الأمريكية في سوريا 2025: عودة واشنطن إلى الجغرافيا السورية بين الردع وإعادة التموضع

منذ أواخر عام 2023، بدت الولايات المتحدة وكأنها تنسحب تدريجيا من المشهد السوري، تاركة فراغا جيوسياسيا ملأته قوى إقليمية متنافسة: تركيا في الشمال، روسيا في الوسط، وإيران في الجنوب.
لكن التطورات الأخيرة، وتحديدا خلال يومي18  و19 كانون الأول 2025، تشير إلى أن الانسحاب الأمريكي كان مؤقتا أكثر مما هو استراتيجي، وأن واشنطن تعمل على إعادة ضبط أدوات نفوذها في سوريا وفق مقاربة جديدة تمزج بين الردع العسكري والانخراط الاقتصادي المشروط.

فما الذي تغير؟ ولماذا تعود الولايات المتحدة الآن إلى مسرح معقد ظن كثيرون أنها غادرته إلى غير رجعة؟

“عين الصقر”: تذكير بالقوة لا بالحرب

العملية العسكرية التي أعلنتها وزارة الدفاع الأمريكية تحت اسم “عين الصقر” ليست مجرد رد تكتيكي على هجوم استهدف جنودا أمريكيين شرق سوريا، بل هي، وفق منهجية التفكير الاستراتيجي الأمريكي، رسالة مزدوجة:

  • أولا، أن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على فرض كلفة عالية على أي طرف يهدد مصالحها الميدانية.
  • وثانيا، أن الردع الأمريكي يمكن أن يمارس دون التورط في حرب مفتوحة أو احتلال مباشر.

استخدمت في العملية مقاتلات F-15  وF-16  ومروحيات أباتشي وصواريخ هيمارس، وهي منظومات قادرة على توجيه ضربات دقيقة من خارج نطاق الاشتباك البري، ما يعكس تحولا في مفهوم “الحضور الأمريكي” من السيطرة إلى التوجيه، ومن التمركز إلى “القدرة على الوصول”.

وهنا، تتجلى عقيدة الدفاع الجديدة التي تطبقها واشنطن في مسارح الصراع منخفضة الكثافة، عقيدة الردع الموزع  (Distributed Deterrence)حيث يستخدم التحالف الدولي كأداة تكامل استخباري – عملياتي، لتقويض خصوم متعددي الطبقات؛ تنظيمات جهادية منتشرة في مساحات مختلفة.

الإنزالان في الرقة: عودة اللمسة الاستخبارية

العمليتان اللتان نفذتا في ريف الرقة الشرقي خلال 48 ساعة؛ واحدة بقيادة أمريكية مباشرة وأخرى بالتنسيق مع العراق، تشي بأن واشنطن لم تغادر فعليا الشرق السوري، بل كانت تعمل على إعادة تشكيل شبكة تحالفاتها المحلية.
إنزال يسفر عن مقتل قيادي ميداني لداعش، وآخر عن اعتقال هدفين للقضاء العراقي داخل الأراضي السورية؛ كلاهما يندرجان ضمن سياسة “القبضة المرنة” التي تعتمدها القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) عبر الضرب من دون إعلان، والتواجد من دون قواعد دائمة.

هذا النمط من العمليات يعيد إلى الأذهان نموذج “العمليات الرمادية” الذي تبنته الولايات المتحدة بعد الانسحاب من أفغانستان، حيث تستبدل البقاء الميداني بقدرة استخبارية عابرة للحدود، فواشنطن اليوم لا تحتاج إلى جندي على الأرض كي تكون فاعلا عسكريا في الميدان.

لكن الأهم أن تلك العمليات جرت بتنسيق معلن مع سلطة دمشق، وهي سابقة سياسية بعد سنوات من القطيعة مع الدولة السورية، إذ أشار بيان القيادة العراقية إلى أن “الإنزال الجوي نفذ بالتنسيق مع التحالف الدولي ودمشق”، ما يعني أن البنتاغون يتعامل مع النظام السوري وفق توجهات نظام دمشق الجديد، وكطرف أمني محتمل في معادلة مكافحة الإرهاب.
إنها بداية “إعادة تطبيع استخبارية” تمهد لمرحلة تفاوض أمني أكثر منها دبلوماسية.

إلغاء قانون قيصر: الاقتصاد كامتداد للاستراتيجية

في المقابل، اتخذت واشنطن خطوة لا تقل دلالة؛ إلغاء “قانون قيصر” الذي شكل أبرز أدوات الضغط على دمشق منذ عام 2020.
فمن الناحية الشكلية، يبرر القرار باعتباره جزءا من سياسة “تشجيع الانفتاح الاقتصادي ودعم الحكومة الانتقالية”، لكن التحليل الأعمق يظهر أنه تحرك تكتيكي لاحتواء الأدوار الدولية الأخرى في إعادة الإعمار.

تدرك الإدارة الأمريكية أن استمرار انهيار الاقتصاد السوري سيبقي البلاد في مدار خطر، لذلك فإن رفع العقوبات ليس مكافأة للسلطات دمشق بل محاولة لاستعادة النفوذ الغربي في الاقتصاد السوري.
إنها مقاربة “الجزرة المشروطة”؛ السماح بالاستثمارات الأجنبية مقابل التزامات سياسية وأمنية محددة، حيث اشترط الكونغرس على سلطة دمشق مكافحة داعش وحماية الأقليات والامتناع عن عمليات عدائية ضد إسرائيل، وهي شروط تحول الانفتاح الاقتصادي إلى أداة ضبط سلوكي أكثر من كونه رفعا للعقوبات.

التحول من الهيمنة إلى الإدارة

في ضوء هذه التحركات فإن واشنطن تتجه نحو نموذج جديد لإدارة الملف السوري، لا يقوم على الهيمنة المباشرة بل على إدارة التفاعلات بين القوى المحلية والإقليمية، فبدلا من دعم طرف واحد، تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق توازن سلبي:

  • إزالة أي احتمال بعودة النفوذ الإيراني دون مواجهة مفتوحة.
  • احتواء روسيا عبر تشجيع التسويات الاقتصادية بدل الصدام العسكري.
  • ضبط تركيا وقوات قسد عبر آليات تنسيق غير معلنة.

تعود واشنطن إلى سياسة “اللااستقرار المدار (Managed Instability)وترك النزاعات قائمة ضمن مستوى يمكن التحكم به، مع منع أي طرف من تحقيق نصر حاسم.
إنها استراتيجية تعترف بواقع العجز عن الحل، لكنها ترفض ترك الفراغ للآخرين.

الشرق الأوسط من منظور واشنطن 2025: سوريا كنقطة توازن

تحركات كانون الأول لا يمكن فصلها عن التغيرات الأوسع في حسابات واشنطن الإقليمية، فبعد عام من الانشغال بآسيا وأوكرانيا، تعود الولايات المتحدة لتجد أن الشرق الأوسط لم يخرج من معادلتها الأمنية، وأن سوريا، تحديدا، ما تزال “عقدة التوازن” بين ثلاث ملفات استراتيجية: مكافحة الإرهاب، وأمن “إسرائيل”، وكسر أي احتمال جديد للنفوذ الإيراني.

إن عودة العمليات الجوية، ورفع العقوبات، وإعادة التنسيق الاستخباري، ليست مؤشرات على تصعيد، بل على إعادة تموضع محسوبة تهدف إلى ترميم شبكة النفوذ الأمريكية في المنطقة دون انغماس مباشر.

السياسة الأمريكية الجديدة في سوريا في جوهرها إدارة المخاطر لا تحقيق الانتصارات، فواشنطن لا تسعى إلى دعم مطلق للسلطة في دمشق، ولا إلى فرض تسوية، بل إلى ضمان أن يبقى ميزان القوى هشا بما يكفي ليحتاج جميع الأطراف إلى وساطتها.

الفرصة والمخاطرة

تنطوي هذه العودة على مخاطر واضحة، فالتنسيق الجزئي مع سلطة دمشق يثير توترات داخل الكونغرس الذي لا يزال جزء منه يتحفظ تجاه النظام السوري الجديد، كما أن العمليات المحدودة ضد داعش، رغم فعاليتها اللحظية، لا تعالج جذور التهديد الجهادي المتجدد في البادية ومناطق شرق الفرات.
لكن منطق السياسة الواقعية الذي يحكم تفكير صانعي القرار في البنتاغون ومجلس الأمن القومي يقوم على الموازنة بين الكلفة والمنفعة.
فواشنطن اليوم لا تملك رفاهية الحروب الطويلة، لكنها لا تستطيع أيضا تحمل كلفة الانسحاب الكامل.
وعليه، فإن الخيار الأمريكي في سوريا ليس “الحضور أو الغياب” بل الحضور من دون التورط، والتأثير من دون الالتزام.

عودة الأمريكي الخفي

التحركات الأمريكية في سوريا خلال كانون الأول 2025 تعكس تحولا في المقاربة أكثر مما تعكس اندفاعا جديدا، فما يجري ليس تصعيدا عسكريا بل هندسة ميدانية محسوبة لإعادة واشنطن إلى قلب التوازن الإقليمي بأقل كلفة ممكنة.
إنها عودة “الأمريكي الخفي”، لا الجندي ولا الدبلوماسي، بل المهندس الصامت الذي يعيد ترتيب لوحة الصراع من خلف الستار، فالولايات المتحدة لم تعد إلى سوريا لأنها تريدها، بل لأنها لا تستطيع تحمل نتائج غيابها.

ترامب وهب اسرائيل الجولان دون أن يخرج صوت واحد من سلطة دمشق وهذا يدلل على انصياع كامل من من قبل السلطة مقابل بقاءها في الحكم، والنجاح في فرض ما تريده الإدارة الأميركية، والسؤال هل تستطيع واشنطن الحفاظ على هذا التوازن الدقيق بين الردع والانفتاح؟
أم أن الجغرافيا السورية، بطبيعتها المعقدة والمتقلبة، ستفرض مجددا على أمريكا العودة إلى الميدان الذي حاولت الهروب منه مرارا؟

العودة الأمريكية إلى الجغرافيا السورية

العودة الأمريكية إلى الجغرافيا السورية

تحليل استراتيجي للتحول الأمريكي من الانسحاب إلى إعادة التموضع 2023-2025
كانون الأول 2025 – تحليل استراتيجي

المرحلة الأولى: الانسحاب الظاهر

85%
فراغ جيوسياسي
3
قوى إقليمية دخلت

المرحلة الثانية: العودة الخفية

70%
نشاط استخباري
45%
تنسيق مع دمشق

المرحلة الثالثة: إعادة التموضع

60%
نفوذ اقتصادي
90%
قدرة ردع

توازن القوى الإقليمية في سوريا

أدوات النفوذ الأمريكي الجديدة

استراتيجية “اللااستقرار المدار” الأمريكية

عملية “عين الصقر”

رسالة ردع مزدوجة:

• قدرة على فرض كلفة عالية

• ردع دون حرب مفتوحة

عقيدة الردع الموزع

الإنزالان في الرقة

عودة اللمسة الاستخبارية:

• إعادة تشكيل التحالفات

• التنسيق مع دمشق

إعادة تطبيع استخبارية

إلغاء قانون قيصر

الاقتصاد كامتداد للاستراتيجية:

• جزرة مشروطة

• ضبط سلوكي

إدارة المخاطر الاقتصادية

الاستنتاج الاستراتيجي

التحركات الأمريكية في كانون الأول 2025 تعكس تحولاً في المقاربة:

“الحضور من دون التورط، والتأثير من دون الالتزام”

الولايات المتحدة تعود كـ”مهندس صامت” يعيد ترتيب لوحة الصراع من خلف الستار، لا لأنها تريد سوريا، بل لأنها لا تستطيع تحمل نتائج غيابها.

انسحاب ظاهر 2023 عودة خفية 2024 إعادة تموضع 2025

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *