أحمد الشرع بين الإعلامين الغربي والعربي: رئيس في مرآتين متناقضتين

بعد عام يمكن أن نعيد قراءة السردية السورية بشكل مختلف، ونحاول فهم كيف ترسم التوازنات الدولية صورة مختلفة ومتباينة عبر الإعلام، ففي عالم السياسة الحديثة، لا تولد الزعامات في ساحات القتال فقط، بل في غرف التحرير أيضا، فحين سقط نظام البعث في دمشق أواخر عام 2024، بدا أن المشهد السوري يتهيأ لولادة سرديات جديدة أكثر من ولادة نظام جديد.

إحدى هذه السرديات، وربما أهمها، هي قصة أحمد الشرع، الزعيم الإسلامي الذي تحول من رمز ميداني إلى رئيس دولة انتقالية، ومن “عدو إرهابي” إلى “شريك محتمل في الاستقرار”.
لكن الغرابة ليست في مسار الرجل، بل في الطريقة التي اختار بها كل من الإعلام الغربي والعربي رسم صورته، فكما تتبدل التحالفات في الجغرافيا، تتبدل أيضا في اللغة والصورة والمفاهيم.

من المقاتل إلى الدولة — ولادة سردية مزدوجة

بالنسبة إلى الغرب، يشكل أحمد الشرع نموذجا لما يمكن تسميته بـ “التحول القابل للإدارة”؛ زعيم خرج من رحم جماعة إسلامية متشددة، لكنه تخلى عن أطيافها الصلبة لصالح خطاب وطني متزن.
في مقالات واشنطن بوست وتايم، نقرأ لغة تشبه لغة إدارة الأزمات: الشرع “عملي” و “منضبط”، و”يدرك حدود القوة”، ويعرف أن الحكم لا يتم بالرصاص بل بالتوازن.

أما في الإعلام العربي، فالأمر أكثر فوضوية، فالرجل عند البعض بطل وطني أعاد للثورة وجهها المدني، وعند آخرين عميل تركي أو واجهة لجماعة الإخوان، أو حتى “إرهابي ناعم الملامح” في ثوب الدولة، ويتحول الشرع من كيان سياسي إلى مرآة تعكس هشاشة الموقف العربي من نفسه، فمن تعريف الدولة والثورة والدين.

البراغماتية في مقابل الهوية

في السرد الغربي، يقرأ الشرع ضمن تصنيف سياسي معروف؛ “الإسلامي البراغماتي”، فهو ليس أردوغان في ذروته ولا الغنوشي في نسخته التونسية، بل مزيج من التجربتين داخل بيئة أكثر قسوة، لذلك يتعامل الإعلام الأميركي والأوروبي معه من زاوية الوظيفة؛ فهل يمكن لهذا الرجل أن يضمن استقرار سوريا؟ أن يحيد إيران؟ أن لا يتحول إلى قاعدة جديدة لروسيا؟

السؤال الغربي ليس أخلاقيا بل استراتيجيا، لذلك نجد تحفظا دائما في اللغة، فالشرع “متكيف” لكنه “غامض”، “منفتح” لكنه “موضع مراقبة”، وهذه اللغة ليست إدانة، بل صيغة إدارة لعلاقة مستقبلية.

أما الإعلام العربي فيتحرك بمنطق آخر؛ الهوية أولا فيحاكم لا على أفعاله بل على أصله السياسي، فالقنوات المحسوبة على محور المقاومة ترى فيه استمرارا “للخطة الأميركية لتقسيم سوريا”، بينما الإعلام العربي المستقل يراه رمزا لاحتمال ولادة مشروع وطني بعد الحرب، لكنه مهدد بانزلاقه نحو الاستبداد الديني.
في الحالتين، لا أحد يناقشه كحاكم فعلي، بل كـ”رمز” إما يجب دعمه دفاعا عن الثورة أو رفضه دفاعا عن الدولة.

أخلاقيات الصورة أم واقعية المصلحة؟

الغرب لا يتعامل مع الزعماء من منظور القيم، بل من منظور “القدرة على التنبؤ”، فالزعيم المقبول هو الذي يمكن توقع سلوكه ضمن نظام المصالح الدولي.
من هذه الزاوية يرى الغرب أن الشرع ينتمي إلى فئة “الرجال القابلين للترويض”، على طريقة محمد بن سلمان في بداياته أو عمر البشير قبل سقوطه؛ زعيم ذو ماض مثير للجدل، لكنه يمكن أن يكون مفيدا في ترتيب المشهد الإقليمي.

أما في الخطاب العربي، فالقيمة الأخلاقية هي أداة سياسية بحد ذاتها، وكل طرف يتحدث باسم “الحق الوطني” أو “الثورة” أو “الإسلام المعتدل”، فيصوغ صورته الخاصة للشرع بما يخدم هويته هو.
وبذلك يتحول النقاش حول الرجل إلى حرب رمزية بين سرديتين عربيتين متناقضتين:

  • سردية ترى في دمشق الجديدة مشروع استقلال وطني.
  • وسردية ترى فيها مشروع انكشاف جديد أمام النفوذ الغربي.

التقنية الخطابية — بين المفردة والرمز

يختلف الأسلوب الخطابي بين الإعلامين اختلافا جذريا، ففي المقالات الغربية اللغة باردة ومصاغة بعناية، تخلو من الأوصاف المطلقة.
يستخدم فيها قاموس سياسي-أمني: stabilization, governance, regional balance, pragmatic leader.
حتى حين ينتقد الشرع، تقدم الانتقادات كـ”مخاوف” لا كاتهامات.

أما في الإعلام العربي، فالكلمات تنزف شحنة أيديولوجية كثيفة، ففي قناة واحدة يسمى “القائد الذي أسقط الاستبداد”، وفي أخرى “المجرم الذي خان الثورة”، فاللغة هنا لا تنقل المعلومة، بل تعبئ الجمهور.
ولعل هذا ما يجعل صورة الشرع في الوعي العربي أكثر درامية ووجدانية منها في الوعي الغربي، الذي يراه كرقم جديد في معادلة الشرق الأوسط، لا كملحمة سياسية أو خيانة مقدسة.

ما وراء السرديات — من يملك تعريف “الشرعية”؟

جوهر الفارق بين الإعلامين هو تعريف الشرعية نفسها، فالإعلام الغربي يمنح الشرعية من خلال “الفاعلية”؛
إذا كان الزعيم يضمن الاستقرار، فهو شرعي بحكم الواقع.
أما الإعلام العربي فيربطها بـ”المصدر” فهل جاء من الثورة أم من الخارج؟ من الدين أم من الوطن؟ وتصبح صورة أحمد الشرع اختبارا لحدود المفاهيم ذاتها.
ففي الإعلام الغربي، يختزل الوطن في “الدولة” بوصفها جهازا عقلانيا يمكن التعامل معه، أما في الإعلام العربي، فالوطن ما يزال قيمة وجدانية لا مفهوما مؤسساتيا، ويصعب قبول أي زعيم لا يجسد تلك العاطفة أو يتجاوزها.

ما تكشفه المقارنة عن الفضاءين الإعلاميين

المقارنة بين الخطابين لا تضيء شخصية الشرع فحسب، بل تكشف عمق الفجوة في وظيفة الإعلام ذاته،
فالإعلام الغربي يمارس “التوصيف الاستراتيجي” وبناء صورة الزعيم كأداة في شبكة المصالح، أما الإعلام العربي فيمارس “التصنيف الأخلاقي” وتحويل السياسة إلى امتداد للهوية والولاء.

الزعيم نفسه يعيش صورتين متناقضتين في آن واحد:

  • في الغرب، هو فرصة قابلة للاستثمار.
  • في العالم العربي، هو خطر أو خلاص، لا وسط بينهما.

هذه الازدواجية ليست عارضا، بل بنية، فهي تعكس الفارق بين حضارتين إعلاميتين: إحداهما تترجم الواقع إلى معادلات، والأخرى تترجمه إلى مواقف.

أحمد الشرع كمرآة للزمن العربي

لا يمكن قراءة صورة أحمد الشرع بمعزل عن تاريخ طويل من تشوه العلاقة العربية مع السلطة، فالمنطقة، منذ عقود، لم تعرف مفهوم “الزعيم العادي”؛ فإما أن يكون “المنقذ” أو “الخائن”، وحين يخرج شخص من رحم الفوضى ويعتلي الحكم باسم مشروع وطني، يجد نفسه فورا أمام آلة سردية عملاقة تصنعه وتفككه في الوقت ذاته.

الشرع، بهذا المعنى، ليس استثناء بل تجسيدا لمرحلة ما بعد الانهيار؛ مرحلة تبحث فيها المجتمعات عن رموز جديدة، بينما تبحث القوى الكبرى عن وكلاء جدد، وبين هذين البحثين، يتحول الإعلام إلى مصنع للمعاني لا للحقائق.

صورة الرجل وصورة المرايا

كل سردية سياسية هي في جوهرها مرآة لوعي من يرويها، والسؤال الأهم ليس من هو أحمد الشرع حقا؟
بل من نحن حين ننظر إليه؟

في الغرب، النظر إليه يعني فهم كيف يمكن للنظام الدولي أن يعيد إنتاج ذاته بعد كل حرب، وفي الشرق العربي، النظر إليه يعني قياس درجة انقسامنا حول معنى الوطن ذاته.

يظل الشرع، سواء أكان زعيما حقيقيا أم رمزا ظرفيا، علامة على مفترق تاريخي يتقاطع فيه الجدل بين الشرعية والمصلحة، والدين والدولة، والإعلام كسلطة والمعنى كحقيقة.

إنه ليس “الرجل الذي غير سوريا” كما تروج الصحف، بل الرجل الذي كشف كيف تغيرنا نحن حين تغيرت سوريا.

أحمد الشرع: السرديات الإعلامية المتقابلة

أحمد الشرع بين صورتين: كيف صنع الإعلامان الغربي والعربي زعيما على مقاسيهما؟

تحليل لآليات تشكيل الصورة الإعلامية للزعيم السوري عبر منظورين مختلفين: الإعلام الغربي البراغماتي والإعلام العربي الأيديولوجي

7
مفاهيم رئيسية في السرد الغربي
8
مفاهيم رئيسية في السرد العربي
5
مناطق تباين أساسية

التحليل المركزي: السرديات المزدوجة

التحول من رمز ميداني إلى رئيس دولة
تحول أحمد الشرع من “عدو إرهابي” إلى “شريك محتمل في الاستقرار” في غضون عام واحد بعد سقوط نظام البعث في دمشق أواخر 2024.
الصورة في الإعلام الغربي
ينظر إليه كنموذج لـ”التحول القابل للإدارة” – زعيم إسلامي تخلى عن التطرف لصالح خطاب وطني متزن. يُوصف بأنه “عملي”، “منضبط”، و”يدرك حدود القوة”.
الصورة في الإعلام العربي
صورة مجزأة بين: بطل وطني أعاد للثورة وجهها المدني، عميل تركي، واجهة لجماعة الإخوان، أو “إرهابي ناعم الملامح” في ثوب الدولة.

المنظور الغربي: البراغماتية الاستراتيجية

التعامل الوظيفي
التركيز على الوظيفة لا الهوية: هل يمكن للشرع أن يضمن استقرار سوريا؟ أن يحيد إيران؟ أن لا يتحول إلى قاعدة جديدة لروسيا؟
Stabilization Governance Regional balance
الشرعية عبر الفاعلية
الشرعية تُمنح من خلال “الفاعلية” – إذا كان الزعيم يضمن الاستقرار، فهو شرعي بحكم الواقع. الوطن يختزل في “الدولة” كجهاز عقلاني.
اللغة الخطابية
لغة باردة ومصاغة بعناية، تخلو من الأوصاف المطلقة. تستخدم قاموساً سياسياً-أمنياً. حتى الانتقادات تقدم كـ”مخاوف” لا كاتهامات.

المنظور العربي: الصراع الهوياتي

الهوية فوق الفعل
الشرع يُحاكم لا على أفعاله بل على أصله السياسي. القنوات المحسوبة على محور المقاومة ترى فيه استمراراً “للخطة الأميركية لتقسيم سوريا”.
الخيانة البطولة الاستبداد الديني
الشرعية عبر المصدر
الشرعية مرتبطة بـ”المصدر”: هل جاء من الثورة أم من الخارج؟ من الدين أم من الوطن؟ الوطن قيمة وجدانية لا مفهوماً مؤسساتياً.
اللغة الخطابية
الكلمات تنزف شحنة أيديولوجية كثيفة: “القائد الذي أسقط الاستبداد” مقابل “المجرم الذي خان الثورة”. اللغة تعبئ الجمهور ولا تنقل المعلومة فقط.
المقارنة الجوهرية بين المنظورين الإعلاميين
الإعلام الغربي
الهدف الأساسي
التوصيف الاستراتيجي وبناء صورة الزعيم كأداة في شبكة المصالح
مقياس الشرعية
الفاعلية والقدرة على ضمان الاستقرار
نموذج الزعيم
“الرجل القابل للترويض” – مفيد في ترتيب المشهد الإقليمي
طبيعة النقاش
استراتيجي، واقعي، يركز على النتائج والمصالح
الإعلام العربي
الهدف الأساسي
التصنيف الأخلاقي وتحويل السياسة إلى امتداد للهوية والولاء
مقياس الشرعية
المصدر والهوية والأصل السياسي
نموذج الزعيم
“المنقذ” أو “الخائن” – لا يوجد زعيم عادي
طبيعة النقاش
وجداني، أيديولوجي، يعكس انقسامات الهوية العربية

التباينات الأساسية في التناول

البراغماتية مقابل الهوية
الغرب يتعامل مع الشرع من زاوية الوظيفة والاستقرار، بينما العالم العربي يحاكمه من خلال الهوية والانتماء.
الواقعية مقابل الأخلاقية
الإعلام الغربي يركز على “القدرة على التنبؤ” والمنفعة، بينما العربي يجعل من القيمة الأخلاقية أداة سياسية بحد ذاتها.
الفرصة مقابل الخلاص أو الخطر
في الغرب، الشرع “فرصة قابلة للاستثمار”، في العالم العربي هو “خطر أو خلاص”، لا وسط بينهما.
التصورات المتباينة لأحمد الشرع
السرديات المتقابلة
في الإعلام الغربي
  • الإسلامي البراغماتي
  • التحول القابل للإدارة
  • متكيف لكنه غامض
  • منفتح لكنه موضع مراقبة
في الإعلام العربي
  • بطل وطني vs عميل تركي
  • واجهة لجماعة الإخوان
  • إرهابي ناعم الملامح
  • رمز لاحتمال مشروع وطني

الاستنتاج المركزي: الزعيم كمرآة

أحمد الشرع ليس مجرد زعيم سياسي، بل أصبح مرآة تعكس الفجوة بين منظورين إعلاميين وحضارتين. فبينما يمارس الإعلام الغربي “التوصيف الاستراتيجي” ويرى في الشرع رقماً جديداً في معادلة الشرق الأوسط، يمارس الإعلام العربي “التصنيف الأخلاقي” وينقلب النقاش حوله إلى حرب رمزية بين سرديتين عربيتين متناقضتين: سردية ترى في دمشق الجديدة مشروع استقلال وطني، وأخرى ترى فيها مشروع انكشاف جديد أمام النفوذ الغربي.

السؤال الأهم الذي يطرحه هذا التحليل ليس “من هو أحمد الشرع حقاً؟” بل “من نحن حين ننظر إليه؟”. في الغرب، النظر إليه يعني فهم كيف يمكن للنظام الدولي أن يعيد إنتاج ذاته بعد كل حرب. وفي الشرق العربي، النظر إليه يعني قياس درجة انقسامنا حول معنى الوطن ذاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *