في 25 كانون الأول 2025، وعلى وقع تفجير دموي هز مسجدا في مدينة حمص وأودى بحياة ثمانية مصلين أثناء صلاة الجمعة، بدا الساحل السوري، من اللاذقية إلى طرطوس، وكأنه يغلي تحت رماد مرحلة انتقالية لم تهدأ بعد.
تلك الاحتجاجات التي انطلقت من الساحل لم تكن مجرد رد فعل على حدث معزول، بل كانت صدى بعيدا لانهيار توازن هش عاشته البلاد منذ سقوط النظام السابق، ففي ريف حماة، تتناثر بؤر العنف كشرارات صغيرة في غابة يابسة، فيما تعيد حمص المدينة رسم ملامح خوفها القديم، إذ تتقاطع خطوط الطائفة والسياسة من جديد في خريطة توشك أن تعيد إنتاج ماضيها الأكثر قتامة.
هذه الاضطرابات، بقدر ما تعبر عن اهتزاز أمني داخلي، تكشف عن تحول جيوبوليتيكي عميق في قلب سوريا ما بعد الأسد، فالأرض التي كانت يوما تدار من مركز واحد، صارت اليوم ساحة تنازع بين رؤيتين متناقضتين؛ يعبران عن صراع بين مجتمعات محلية تدافع عن وجودها ضمن منظومة أمنية هشة، وأخرى تسعى إلى إعادة تعريف السلطة وفق توازنات ميدانية واقتصادية جديدة فرضتها التوازنات الإقليمية.
لم يعد السؤال يدور حول وحدة الدولة أو تفككها، بل حول من يمتلك الحق في تمثيلها، ومن يملك القوة لفرض شكلها القادم، فيعاد صياغة الخريطة السورية لا بوصفها مساحة سياسية متجانسة، بل كنسيج متوتر من مناطق نفوذ متداخلة، تتقاطع فيها مصالح الميليشيات والقبائل والعواصم الإقليمية، حيث يصبح الفراغ الجغرافي أداة حكم بحد ذاته.
السياق الأمني: من انهيار النظام إلى فراغ متسع للميليشيات المسلحة
مع نهاية حكم البعث، دخلت سوريا مرحلة انتقالية هشة، وبعد عام من استلام السلطات الجديدة جاء تفجير مسجد في حمص، تبنته مجموعة “سرايا أنصار السنة” المتطرفة، ليتوج سنة كاملة من التأجيج الطائفي، ويظهر زيادة في أنماط العنف، فهذا النوع من الهجمات يعكس صعود فصائل غير مركزية، تستفيد من فراغ أمني وضعف مؤسسات الدولة المركزية، ما يمكن الجماعات الصغيرة من فرض وجودها على الأرض عبر العنف والإرهاب.
في ريف حماة، تبرز حوادث عنف مسلح على خلفيات طائفية، كما في هجوم الصبورة الذي أدى إلى قتلى وجرحى، وهذه الأحداث، وإن بدت من قبيل الجريمة المرتبطة بالإنفلات الأمني، إلا أنها تأتي في نفس النسق الذي يرى فيه الأكاديمي والسياسي أن سوريا تغرق في نزاعات تتداخل فيها الهويات الطائفية مع ضعف مؤسسات الدولة.
الساحل السوري: تظاهرات وتحرك سياسي جديد
تشهد اللاذقية وطرطوس موجة احتجاجات لا يمكن قراءتها بمنظار سياسي ضيق أو من خلال خطاب المطالب المباشرة فحسب، بل ينبغي فهمها في إطارها الجيوبوليتيكي الأعمق، بوصفها انعكاسا لتحول بنيوي في العلاقة بين المكان والسلطة في سوريا ما بعد الحرب.
فهذه المدن باتت الآن تعيد تعريف ذاتها داخل المشهد الوطني، بعد التهميش والمجازر في شهر آذار الماضي، لا باعتبارها مجرد امتداد إداري للدولة المركزية، بل كفضاء جغرافي يحمل ذاكرة خاصة وشعورا متزايدا بالتمايز السياسي والاجتماعي.
المطالبة بالفيدرالية وإطلاق الموقوفين ليست سوى التعبير العلني عن نزوع مكاني نحو الاستقلال في القرار المحلي، في مواجهة مركز سياسي تآكلت شرعيته بفعل الانهيار الأمني والاقتصادي، والتظاهرات المضادة المؤيدة للسلطة الانتقالية تمثل الوجه الآخر لهذا التحول، فهي دفاعا عن سردية الدولة المركزية التي ما تزال تقدم بوصفها الضامن الوحيد لوحدة البلاد.
لكن ما يختبئ وراء هذا التوتر الشعبي هو أكثر من مجرد خلاف سياسي؛ إنه صراع على إعادة تعريف الجغرافيا السياسية السورية، ومن يملك الحق في إدارة الإقليم؟ ويتحكم في موارده؟ ويحدد حدود الولاء والانتماء؟ هنا تتبدى ملامح “جيوبوليتيك الداخل“، حيث تتحول المدن والمناطق إلى وحدات فاعلة ضمن لعبة النفوذ، ويغدو الميدان المحلي ساحة لإعادة توزيع السلطة على أسس جديدة، لا تمليها الدولة بل يفرضها توازن القوى على الأرض.
مشهد الساحل السوري اليوم ليس تمرينا ديمقراطيا، ولا انقساما طائفيا محضا، بل علامة على تصدع النموذج المركزي للدولة الحديثة، وعلى نشوء جغرافيا سياسية جديدة تعيد إنتاج مفهوم “السيادة” عبر خطوط محلية، تحكمها الجغرافيا بقدر ما تحكمها السياسة.
جيبولوتيكيا يمكن قراءة ذلك كعلامة على فشل المشروع الوطني في إرساء سلطة مركزية قوية تتجاوز الهويات الطائفية والمناطقية، حيث ترك فراغ النظام السابق فجوة سياسية كبيرة، سرعان ما ملأتها مجموعات وحركات تحمل رؤى مكانية لإعادة هيكلة الحكم وفق هويات إقليمية أو طائفية.
الانعكاسات الجيوبوليتكية الإقليمية والدولية
على الصعيد الإقليمي، لا يمكن فَصْل ما يحدث في سوريا عن تغيرات أوسع تشمل إعادة ترتيب التحالفات:
- تركيا وإسرائيل كلاعبين إقليميين يراقبان التطورات في سوريا من زوايا متباينة، من أمن الحدود إلى إعادة تشكيل النفوذ في الشرق الأوسط.
- القوى الدولية الكبرى مثل روسيا وإيران فقدتا الكثير من نفوذهما التقليدي في سوريا، وهذا الفراغ يفتح المجال لتغيير كبير في ميزان القوة بين اللاعبين الإقليميين، بما في ذلك الولايات المتحدة في بعض الملفات، وهو ما يشير إلى أن سوريا أصبحت حقلا لتجاذبات جيوسياسية تتجاوز حدودها الوطنية،
ويمكن مقارنة الواقع السوري بما جرى في لبنان بعد الحرب الأهلية، حيث أدت الصراعات المحلية والهويات المتعددة إلى تقسيمات طائفية ومراكز قوة موازية للدولة المركزية.
4. الخطر الأكبر: تحول النزاع إلى دوامة طبقية وطائفية
ما يتكشف في سوريا لا يشبه مجرد اضطراب اجتماعي أو انفلات أمني عابر، بل هو تحول عميق في البنية النفسية والسياسية للمجتمع، فالتوترات التي بدأت كمطالب مرتبطة بالانتهاكات أخذت تتخذ ملامح انقسام طائفي صامت، يزحف ببطء نحو إعادة تعريف الولاءات والمصالح في الجغرافيا السورية، في الساحل، تبدو شعارات الفيدرالية كأنها دعوة لإعادة توزيع السلطة بين المركز والأطراف، لكنها في جوهرها صرخة وجودية من مجتمع يشعر أنه لم يعد ممثلا في الدولة التي ساهم في بنائها والدفاع عنها، فهي محاولة لاستعادة المعنى في فضاء فقد مركزه، أكثر منها مشروعا سياسيا مكتمل الملامح.
وفي حمص وحماة، حيث تتقاطع خطوط الطائفة والقبيلة والريف المهمل، يتبدى الانفلات الأمني لا كفوضى فقط، بل كعودة إلى منطق ما قبل الدولة، حيث يصبح الانتقام شكلا من أشكال العدالة، والانتماء الطائفي ملاذا من غياب القانون، هنا، يتآكل النسيج الاجتماعي لا بالعنف وحده، بل باليأس من إمكانية وجود مرجعية وطنية جامعة.
ما يهدد سوريا اليوم ليس خطر التقسيم الجغرافي، بل تفكك المخيال الوطني نفسه، وهو الرابط الخفي الذي كان يجعل من مدن كحمص وطرطوس ودرعا أجزاء من كيان واحد، وفي هذا التفكك تكمن المأساة الكبرى في أن تتحول الجغرافيا من أرض مشتركة إلى فسيفساء من الخوف المتبادل، وأن تصبح الهوية سلاحا يستخدم للبقاء في زمن انحسرت فيه سلطة الدولة، وباتت الطائفة هي الجغرافيا الجديدة.
سوريا في مفترق طرق
لا يمكن فهم ما يحدث في الساحل وريف حماة وحمص بمعزل عن السياق الجيبولتيكي الأوسع الذي يعيد تشكيل الشرق الأوسط:
- انهيار نموذج الدولة المركزية الذي كان قائما على هيمنة جهة واحدة.
- صعود مطالب محلية تحمل أبعادا سياسية وإقليمية، تزيد من تعقيد المشهد.
- تدخلات إقليمية ودولية في مواقع النفوذ بعد فقدان القوى التقليدية لموقعها.
- تهديد وحدة الدولة بفعل تحول النزاعات من سياسة إلى تناحر هويات.
سوريا تمر بمرحلة عميقة من إعادة البناء والتحول؛ ولكن ليس من المعروف ما إذا كانت ستخرج من هذه المرحلة إلى نظام سياسي أكثر شمولية واستقرارا أو إلى نظام هش يعيد إنتاج أزمات الماضي بوجوهجديدة، يعتمد على قدرة القوى المحلية والإقليمية على إيجاد تسوية سياسية حقيقية تعيد بناء الثقة بين السكان وتضع حدا للفوضى الأمنية والتمييز الطائفي.
سوريا على صفيح ساخن: التحول الجيوبوليتيكي 2025
في أواخر كانون الأول ٢٠٢٥، وعلى وقع تفجير دموي هز مسجدًا في حمص، بدا الساحل السوري يغلي تحت رماد مرحلة انتقالية لم تهدأ بعد. هذه الاضطرابات تكشف عن تحول جيوبوليتيكي عميق في قلب سوريا ما بعد الأسد، حيث تعاد صياغة الخريطة السورية كنسيج متوتر من مناطق نفوذ متداخلة.
خريطة التوترات الإقليمية في سوريا 2025
توتّر: 95%
توتّر: 85%
توتّر: 75%
توتّر: 65%
توتّر: 60%
توتّر: 55%
تحليل أنماط العنف والتوترات
• عنف منظم ومركزي
• سيطرة أمنية على معظم المناطق
• عنف دولة ضد معارضة
• توترات تحت السطح
• ميليشيات تابعة للنظام
• عنف غير مركزي وفوضوي
• فراغ أمني في معظم المحافظات
• عنف مجتمعي وطائفي
• مواجهات ميدانية مباشرة
• ميليشيات مستقلة ومنقسمة
أنماط العنف السائدة:
- تفجيرات استهدافية للمساجد والمراكز الدينية
- اشتباكات مسلحة على خلفيات طائفية في الريف
- اغتيالات سياسية وانتقامية
- صراعات على النفوذ بين الميليشيات
- احتجاجات سلمية تتحول أحياناً لمواجهات
التسلسل الزمني للأحداث الجيوبوليتيكية
الاتجاهات المستقبلية المتوقعة:
- استمرار الاحتجاجات في الساحل مع احتمال تصاعدها
- زيادة العنف الطائفي في المناطق المختلطة ديموغرافياً
- محاولات إقليمية ودولية لملء الفراغ السياسي
- تفاوض حول أشكال لا مركزية للحكم وإدارة المناطق
- خطر تحول الصراع إلى حرب أهلية طائفية شاملة
توزيع النفوذ الإقليمي والدولي في سوريا
روسيا: فقدت أكثر من 60% من نفوذها العسكري والسياسي بعد انهيار النظام الحليف
إيران: تراجع كبير في قدرتها على التحكم بالميليشيات الشيعية وتوزيعها
النظام السابق: زوال كامل للهيكل المركزي القديم ونفوذه
تركيا: توسعت في المناطق الحدودية الشمالية وزاد نفوذها 40%
الميليشيات المحلية: صعودها كفاعل رئيسي في الفراغ الأمني
القوى الطائفية: تحولت إلى مرجعيات بديلة عن الدولة المنهارة
التداعيات الإقليمية والدولية:
- تركيا وإسرائيل تراقبان التطورات من زوايا أمنية واستراتيجية مختلفة
- روسيا وإيران فقدتا معظم نفوذهما التقليدي بعد انهيار النظام الحليف
- الولايات المتحدة تعيد تقييم مواقفها وتتدخل بشكل انتقائي
- سوريا أصبحت ساحة لتجاذبات جيوسياسية متعددة تتجاوز حدودها
- إمكانية تحول النموذج السوري نحو نموذج لبناني من التقسيمات الطائفية
الخطر الوجودي: تفكك المخيال الوطني السوري
- التهديد الحقيقي ليس التقسيم الجغرافي بل تفكك الروابط الوطنية
- التحول من أرض وطنية مشتركة إلى فسيفساء من الخوف والريبة المتبادلة
- الطائفة والمنطقة تتحولان إلى جغرافيا جديدة في زمن انحسار سلطة الدولة
- العودة إلى منطق ما قبل الدولة حيث يصبح الانتقام شكلاً من أشكال العدالة
- تهديد وحدة النسيج الاجتماعي السوري على المدى الطويل والعميق

