سوريا بعهد “من يحرر يقرر”: بين العدالة المؤجلة والتوازنات الجيوسياسية

سوريا ليست مجرد بلد تبدل نظامها السياسي؛ إنها حلبة تتصارع فيها ثلاثة أبعاد متداخلة: العدالة الداخلية، وإعادة البناء السياسي، والتوازنات الجيوسياسية الإقليمية والدولية، وشعار “من يحرر يقرر” الذي تبنته السلطة الانتقالية عندما سيطرت على دمشق؛ لا يعكس رغبة في إصلاح جذري، بل يرسم تصورا جديدا لـلسلطة باعتبارها امتدادا للصراع المسلح لا انتصارا للشرعية القانونية.

هذه الصياغة ليست مجرد بلاغة سياسية، بل تكشف عن تحول عميق في مفهوم السيادة والقرار الوطني، فمن العدالة والقانون نحو القوة والهيمنة بغطاء سياسي جديد.

السياسات العامة لسلطة دمشق: إعادة إنتاج السلطة بلا عدالة

منذ نهاية كانون الأول 2024، عملت الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع على صياغة “إدارة الدولة” من دون بناء مؤسسات قانونية مستقلة، وصدر النظام الجديد لـ”هيئة وطنية للعدالة الانتقالية” في أيار 2025، لكنها تفتقر حتى الآن إلى صلاحيات ذاتية واضحة أو آليات ملموسة للمساءلة والتحقيق في الانتهاكات الجماعية التي ارتكبت منذ 2011 وحتى سقوط النظام السابق ومن جميع الأطراف.

كما أن الدستور الانتقالي الذي أقر في آذار 2025 منح صلاحيات تنفيذية واسعة للرئاسة، وأبقى على مركزية السلطة مع إشارات متناقضة حول دور الفضاء المدني والأقليات، ما يشير إلى أن القوى التي قادت إسقاط النظام ما زالت تهيمن على مقدرات التغيير الرسمي، وتعيد تصميم الهيكل السياسي وفق توازنات أمنية متأصلة أكثر منها إصلاحية.

على الصعيد الإداري، سعت سلطة دمشق إلى نموذج حكم “هجينة” يجمع بين السلطة المركزية والأجهزة المحلية غير الرسمية، في محاولة لتعويض ضعف السيطرة المؤسسية بهياكل بديلة يعتمد بعضها على شيوخ وطوائف محلية وأجهزة أمنية موازية.

هذا النموذج يوفر استقرارا قصير الأمد، لكنه لا يبني حكما قانونيا قائما على المؤسسات، بل يعمق مناعاته الذاتية ضد التحول الديمقراطي الحقيقي.

في الوقت نفسه، أطلقت مبادرات اقتصادية مثل المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية وصندوق التنمية السوري، بهدف استعادة النشاط الاقتصادي وإنعاش بلد دمر، لكن هذه المشاريع لا تتعامل مع الجذر السياسي للصراع، وهو غياب مشروع وطني لسوريا، بل تعالج النتائج الظاهرية فقط، ما يجعل الاقتصاد وسيطا لإدارة الأزمة لا شرطا لبناء دولة حديثة.

السلم الأهلي بلا عدالة: استقرار متوتر

السلطة الانتقالية تتحدث عن حماية السلم الأهلي كأولوية، لكنها تعامل المطالب المدنية مثل حرية التعبير وإطلاق الحريات بالمنطق الأمني، فتحول التظاهرات السلمية في الساحل إلى تهديد أمني، ويستخدم العنف لقمعها بدل التعامل معها كدعوات شرعية للتغيير.

في وسط البلاد، تراجعت مظاهر الاستقرار حين تكشفت هشاشة الأمن الرسمي، كما تبين في انفجارات وأحداث عنف في حمص ومناطق أخرى، ما يعكس صراع ذاكرة جغرافية يتغذى من غياب العدالة الجماعية والمساءلة، والسؤال الجوهري يبقى: أي سلم يمكن أن يكون قائما على تعايش بلا رؤية وطنية لمستقبل البلاد وحماية حقوق شعبه بكل مكوناته وحماية حدوده وأرضه وعدم التفريط فيها، ومساءلة أي متهم بلا إطار قانوني؟

سوريا تعيش بين خيارين فإما أن تتجاوز نماذج الحكم المركزية القديمة إلى حكم أكثر انفتاحا ديمقراطيا، أو أن تنتقل إلى نموذج مركزية أمنية جديدة تدار فيه الدولة بآليات قوة لا مؤسسات.

العدالة الانتقالية المستبعدة: تهديد أم فرصة؟

العنصر الأكثر حضورا في تحليل الوضع السوري هو غياب مسار عدالة انتقالية فعال، وهو كخيار أساسي، وشرط حاسم لاستقرار دائم، فالمنظمات دولية مثل العفو الدولية ترى أن الحقوق الأساسية للضحايا يجب أن تكون في صميم عملية الانتقال، وإلا فإن المرحلة المقبلة ستبقى دائرة من العنف المعاد إنتاجه بدل حل جذري للأزمات القائمة.

وضع عدالة انتقالية حقيقي يتطلب آليات قانونية مستقلة تحقق في الانتهاكات، وتضمن الإفراج عن المفقودين، وتحاكم مرتكبي الفظائع من كل الأطراف، وما نراه في الواقع هو مسار انتخابي وتأسيس هيئات دون معايير واضحة للمساءلة، ما يعني أن السلم الأهلي أصبح معرضا لأن يكون سلاما أمنيا بلا معنى إنساني أو سياسي.

التحيز في المساءلة وتجاهل مسؤولية بعض الفاعلين في الحرب أو تركها بلا مساءلة، ويمكن أن يجعل العدالة أداة سياسية بيد السلطة، مما يعمق الانقسامات بدل تجاوزها.

أبعاد إقليمية ودولية: سوريا كرقعة شطرنج جيوسياسية

السياق الجيوسياسي للسوري الجديد لا يفهم بمعزل عن التوازنات الإقليمية والدولية، حيثواجهت دمشق موقفا دوليا معقدا:

  • إعادة ربط العلاقات مع الغرب ورفع جزئي للعزلة الدبلوماسية، مع اهتمام أميركي وأوروبي بمرحلة ما بعد النظام، شرط الالتزام بحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية.
  • الدور الروسي بعد سقوط الحليف القديم، حيث تسعى لإعادة تموضعها عبر هيكلة النفوذ العسكري والاقتصادي في سوريا الجديدة، وهو ما يضعف استقلال القرار الوطني لو ترك للعامل الداخلي وحده.
  • الوجود التركي في الشمال والتوترات مع القوات الكردية يشكلان تحديا مزدوجا للسلطة المركزية، إذ تحاول أن توازن بين النفوذ التركي وحضور القوى الكردية، مع افتقارها لقوة منتظمة في كافة الأرجاء السورية.
  • الملف الإسرائيلي والتهديدات الحدودية يضيفان بعدا أمنيا آخر يضغط على سلطة دمشق لإبقاء ميزان القوة المحلي والإقليمي لصالحها، لكنه في الوقت نفسه يشتت الموارد السياسية نحو ملفات الأمن القومي التقليدي.

الرهان الدولي على سوريا مزيج من الانفتاح الاقتصادي وإعادة الإعمار مقابل تقدم حقيقي في المسار السياسي والحقوقي، لكن السلطة السورية الانتقالية تميل إلى إعادة إنتاج نموذج سيطرة مركزي بدل إرساء أساسات انتقال ديمقراطي حقيقي، ما يفتح الباب أمام تنامي النفوذ الخارجي عبر إعادة تقاسم الأدوار.

العدالة بوصفها حجر زاوية الدولة

في نهاية المطاف، المعركة الحقيقية في سوريا ليست بين مؤسسات وأجهزة، بل بين رؤيتين للدولة:

  • واحدة تبنى على السيادة القانونية، العدالة، المشاركة المجتمعية، وحقوق الإنسان.
  • وأخرى تدار عبر الأسلحة والموازنات الأمنية، والإدارة المركزية غير المشروطة.

إذا واصلت السياسة العامة في دمشق تبني رؤية أحادية، فإن السلم الأهلي سيبقى سلاما هشا، والتاريخ سيعيد دورة عنف جديدة، أما إذا توفر مشروع وطني يرى بسوريا وحدة متكاملة يراعى حقوق مواطنيها ضمن قانون يحفظ حقوق الجميع دون تفرقة، كشرط أساسي لبناء الدولة، حينها تكون العدالة الانتقالية حالة تفضى الى مصالحة وطنية، تسقط  فيها الأحقاد، وتجد سوريا في هذا الطريق مخرجا لن يقود فقط إلى استقرار سياسي، بل إلى إعادة تصنيع الشرعية الوطنية.

سوريا ما بعد سقوط النظام: بين السلم الهش والعدالة المؤجلة

سوريا ما بعد سقوط النظام: بين السلم الهش والعدالة المؤجلة

تحليل معمق للمرحلة الانتقالية وعلاقة السلم الأهلي بالعدالة الانتقالية في سوريا الجديدة

السؤال الجوهري

هل يمكن بناء سلم أهلي مستدام في بلد يعاني من فجوة عميقة في العدالة الانتقالية، أم أن هذه الفجوة ستغذي العنف من داخله، إلى أن يعاد إنتاجه بوصفه “عنفا عاديا”؟

مكونات السلم الأهلي المستدام
تحليل المخاطر في المرحلة الانتقالية
مسارات العنف: من المطالب المدنية إلى الاشتباكات

السلم الأهلي: بناء هش أم جسر عبور؟

مفهوم السلم الأهلي ظل غائباً عن سياسات ملموسة للمساءلة والتعويض والاعتراف بالضحايا، ما وضعه في موقع أمني أكثر منه سياسي أو قانوني.

تحول المطالب المدنية إلى عنف

في الساحل، تحولت الاحتجاجات إلى اشتباكات بين متظاهرين ومجموعات محلية متنفذة، ما أسفر عن وقوع قتلى وجرحى في صفوف المدنيين.

العدالة الانتقالية المتأخرة

غياب الأطر التشريعية المؤسسية يمنع إطلاق محاكم مختصة أو لجان تحقيق مستقلة، مما يترك ثغرة العدالة تملأها القوى الأمنية والحماية الذاتية.

أزمة المؤسسات والمرجعيات

يسمح الفراغ المؤسساتي بظهور مرجعيات دينية وطائفية غير رسمية تمارس السلطة في الميدان، مما يعمق الانقسامات بين المراكز والهوامش.

الدروس المستفادة من الخبرات الدولية
نماذج النجاح

التجارب الناجحة في العدالة الانتقالية تظهر أن السلم الحقيقي يبنى مع مسار واضح يتضمن اعترافاً بالجرح الجماعي، ومحاسبة، وإصلاحاً مؤسساتياً.

نماذج الفشل

غياب آليات المساءلة يحول السلم إلى قشرة رقيقة فوق صراع كامن، كما حدث في عدة دول عانت من نزاعات طويلة.

رؤية استراتيجية للخروج من الأزمة
1
وضع إطار قانوني معلن لعدالة انتقالية شاملة
2
إنشاء لجان مستقلة تطلق تحقيقات موسعة مع ضمانات قانونية
3
تعزيز القانون المدني على الأمني في إدارة النزاعات المحلية
4
دعم الحوار الوطني بعيداً عن القوة أو التهميش

الخلاصة: سوريا بين واقعين

سوريا اليوم ليست في طور التعافي، بل في طور إدارة الإنكار. العدالة الانتقالية ليست محاكمة سياسية فقط، بل فلسفة تأسيس، تعيد الاعتراف بالإنسان السوري بوصفه غاية الدولة لا وسيلتها. دونها، ستبقى البلاد تعيش “السلام القاتل” الذي يدار بالبندقية وبالنسيان معاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *