التحالف الثلاثي في شرق المتوسط: زلزال جيوسياسي يقترب من السواحل السورية

بعد القمة العاشرة بين “إسرائيل” واليونان وقبرص في القدس؛ بدأت لحظة تأسيسية لتحالف جديد يعيد هندسة شرق المتوسط استراتيجيا، فهو اتفاق ولد من رحم الطاقة، لكنه يتمدد نحو الأمن والدفاع والسياسة، ليصبح نواة لمحور يطمح إلى كسر المعادلات التي حكمت المنطقة لعقود.
لكن الأخطر أن هذا التحالف لا يتحرك في فراغ، بل فوق لوحة إقليمية مضطربة تلامس تخوم سوريا ولبنان وتركيا ومصر، ما يجعل تأثيره محتملا على كل مناحي الجغرافيا السياسية في المشرق.

التحالف الثلاثي: من شراكة غاز إلى منظومة نفوذ

منذ منتصف العقد الماضي، ومع اكتشاف حقول الغاز الضخمة في شرق المتوسط، “ليفياثان” و”تمار” في “السواحل الإسرائيلية”، و”أفروديت” القبرصية، بدأت المصالح الاقتصادية تعيد توجيه البوصلة السياسية.
بدابة كان التنسيق بين تل أبيب ونيقوسيا وأثينا ذا طابع تقني بحت؛ رسم حدود بحرية واتفاقيات تنقيب ومشاريع تصدير محتملة، لكن معضلة الطاقة في أوروبا بعد الحرب الأوكرانية دفعت بهذا المشروع إلى ما هو أبعد ليصلح تحالف استراتيجي متعدد الأبعاد.

فأوروبا، الباحثة عن بديل للغاز الروسي، وجدت في شرق المتوسط حلا جزئيا لأزمتها، وتحولت اليونان إلى محور لوجستي لتوزيع الغاز، فيما باتت “إسرائيل” وقبرص موردتين محتملتين، واندفعت واشنطن لرعاية التنسيق الثلاثي فيما يعرف بـ”صيغة 3+1؛ إسرائيل واليونان وقبرص والولايات المتحدة.
ما جرى ليس مجرد مشروع أنابيب، بل إعادة بناء هندسة النفوذ في شرق المتوسط، من محور أنقرة – “تل أبيب” القديم إلى محور أثينا – “تل أبيب” الجديد.

التحول “الإسرائيلي”: من أنقرة إلى أثينا

التاريخ القريب يذكرنا أن “إسرائيل” كانت يوما الحليف العسكري الأوثق لتركيا، وفي التسعينيات ساهمت في تطوير طائراتها وسفنها، وتبادلت معها معلومات استخباراتية مكثفة.
لكن التحول بدأ مع صعود حزب العدالة والتنمية عام 2002، وتفاقم مع حادثة سفينة “مرمرة” عام 2010، وتصاعدت الهوة بين “تل أبيب” وأنقرة، وتحول التوتر إلى قطيعة استراتيجية غير معلنة.

في المقابل، وجدت “إسرائيل” في اليونان وقبرص شركاء جددا يشاركونها الخشية ذاتها من الطموح التركي في شرق المتوسط، وهذه الشراكة لم تبن على اللحظة فقط، بل على سردية أعمق؛ مواجهة الجغرافيا السياسية التركية التي تحاول إعادة إنتاج نفسها كقوة بحرية مهيمنة على الممرات المتوسطية.

التحالف الجديد، بهذا المعنى، ليس مجرد تعاون مصالح، بل هو تحالف ضد التمدد التركي، وهو ما يفسر التصعيد في الخطاب الدبلوماسي بين أنقرة وأثينا، وعودة التوترات البحرية حول الجزر المتنازع عليها.

الغاز كذريعة والجغرافيا كقدر

من يقرأ التحالف الثلاثي بسطحية اقتصادية سيظن أنه مشروع طاقة بحت، لكن من يفهم منطقه الجيوسياسي، يدرك أنه تحالف جغرافي قبل أن يكون اقتصاديا.
عمليا التحالفات الدائمة لا تقوم على الأيديولوجيا، بل على الجغرافيا والمصالح العميقة، وهنا، يبدو شرق المتوسط ساحة مفتوحة لتجسيد هذا المنطق بامتياز، فـ”إسرائيل” المحصورة في زاوية جغرافية ضيقة، تبحث عن منفذ بحري آمن نحو أوروبا.
اليونان، التي كانت تعد هامش الاتحاد الأوروبي، تريد أن تتحول إلى مركز طاقة وجسر جيو-اقتصادي.
أما قبرص، فهي تسعى لترسيخ استقلالها النسبي في وجه النفوذ التركي المزمن.
في الخلفية، أوروبا وأميركا تدعمان هذا الثلاثي بوصفه أداة لتقليص النفوذ الروسي، ومواجهة الطموح التركي والإيراني على السواء.

سوريا في مرمى التحولات

بالنسبة لسوريا، فإن هذا التحالف يطرح تحديات غير مباشرة لكنها عميقة، فشرق المتوسط كان تقليديا جزءا من العمق البحري السوري، سواء عبر منفذ طرطوس أو عبر شبكة المصالح التي تمتد نحو لبنان وقبرص، ومع صعود محور أثينا – “تل أبيب” – “نيقوسيا”، تتراجع قدرة دمشق على التأثير في التوازنات البحرية والطاقة في الإقليم.

  1. من زاوية الطاقة:
    رغم أن الساحل السوري يحتوي على مكامن غاز محتملة، إلا أن غياب الاستقرار السياسي يجعل استثمارها شبه مستحيل حاليا، ومع احتكار “التحالف الثلاثي” للبنى التحتية الإقليمية، سيستبعد الساحل السوري فعليا من منظومة الغاز المتوسطية.
  2. من زاوية الأمن البحري:
    هذا التحالف، بدعم أميركي، سيزيد من عسكرة المتوسط الشرقي، فأي تصعيد بين “إسرائيل” ولبنان أو بين تركيا واليونان ستكون له ارتدادات مباشرة على السواحل السورية، التي يتواجد فيها الأسطول الروسي، وتصبح سوريا جزءا من معادلة ردع مزدوجة بين محورين متقابلين؛ شرق متوسطي غربي، وروسي موجود على شواطئها.
  3. من زاوية السياسة الإقليمية:
    في المدى المتوسط، تجد سلطة دمشق نفسها أمام معضلة؛ فهل تنخرط في تفاهمات مع التحالف الجديد عبر الوساطة الأمريكية؟ أم تكتفي بسياسة الحياد السلبي؟ كلا الخيارين محفوف بالمخاطر، فالميل نحو “إسرائيل” واليونان سيشعل توترا داخليا، فيما استمرار القطيعة سيزيد من عزلتها عن منظومة المتوسط الجديدة.

السيناريوهات المستقبلية

  • سيناريو التحالف المغلق (الهيمنة الثلاثية)

في هذا السيناريو، يتعزز التعاون الثلاثي ليصبح تحالفا شبه عسكري، مدعوما من الناتو والولايات المتحدة، وتتحول اليونان إلى عقدة طاقة أوروبية، وتستخدم الموانئ القبرصية و”الإسرائيلية” في نقل الغاز، بينما تقصى تركيا وسوريا ولبنان من أي دور فعال.
هذا النموذج سينتج شرق متوسط ثنائي القطب؛ محور موال للغرب في الجنوب والغرب، ومحور روسي في الشمال والشرق.
بالنسبة لسوريا، ستكون النتيجة مزيدا من التهميش البحري والاقتصادي، وربما ضغطا متزايدا على خطوطها البحرية في طرطوس وبانياس.

  • سيناريو التوازن المرن

يفترض هذا السيناريو أن التحالف الثلاثي سيحافظ على حدوده الاقتصادية دون انزلاق إلى مواجهات عسكرية، حيث ستسعى “إسرائيل” لتخفيف التوتر مع تركيا حفاظا على قنوات الغاز البديلة، بينما ستحاول اليونان تجنب استفزاز مباشر لأنقرة.
ربما تفتح فرص محدودة أمام سلطة دمشق لتكون شريكا ثانويا في مشاريع نقل الطاقة أو الأمن البحري، خصوصا إذا استقرت الأوضاع السياسية السورية نسبيا.

  • سيناريو الفوضى البحرية

وهو الأكثر خطورة عبر تصعيد عسكري في المتوسط، سواء بين تركيا واليونان أو بين “إسرائيل” وحزب الله، سيحول شرق المتوسط إلى ساحة نزاع متعدد المستويات.
عندها، ستكون سوريا عرضة للتأثر المباشر:

  • سيتأثر ميناء طرطوس الذي يستخدمه الروس.
  • ستتراجع حركة النقل البحري والتجارة.
  • يتم استغلال المياه السورية كمنطقة رمادية للردع أو نقل الأسلحة.

عندها تصبح سوريا رهينة التفاعلات الخارجية، دون قدرة حقيقية على صياغة خياراتها.

تحولات ما بعد الغاز: الجغرافيا الجديدة للبحر

يبدو الغاز اليوم هو عنوان المرحلة، لكن جوهر المشهد أعمق من خلال إعادة بناء الجغرافيا السياسية لشرقي المتوسط الذي كان مساحة فراغ استراتيجي تتقاطع فيها مصالح متعارضة بلا مركز ثقل واضح.
مع صعود التحالف الثلاثي، يتشكل لأول مرة محور جيوسياسي مستقر نسبيا، وقادر على فرض أجندته الطاقية والعسكرية.

هذا المحور، بمرور الوقت، يحمل إمكانية التوسع ليشمل مصر وربما الأردن، لتتشكل منظومة تمتد من بحر إيجه إلى قناة السويس، تحت المظلة الغربية.
في المقابل، سيعزز المحور الروسي حضوره في الساحل السوري لموازنة الكفة وتبلور خطوط تماس بحرية جديدة، تشبه خطوط الحرب الباردة، ولكن في قلب المتوسط.

سوريا بين الجغرافيا والقدر

سوريا، التي طالما اعتبرت نفسها قلب المشرق، تجد نفسها اليوم على هامش معادلة المتوسط، ففي حين تتشكل منظومات جديدة على مسافة قريبة من شواطئها، ما تزال غارقة في عزلتها السياسية والاقتصادية، إلا أن موقعها الجغرافي يمنحها، نظريا، فرصة نادرة بأن تكون جسر توازن بين محوري المتوسط الشرقي والغربي.
لكن ذلك يتطلب رؤية استراتيجية لا تزال غائبة عبر إعادة تعريف دورها البحري، والانخراط في دبلوماسية بحرية جديدة تستفيد من الصراع بدل أن تبتلع فيه.

عودة المتوسط كقوة

التاريخ حسب المفكر الأمريكي الجيوستراتيجي روبرت كابلان، يعود عندما تتغير الجغرافيا السياسية، وما نراه اليوم في شرق المتوسط هو تجسيد حي لهذه الفكرة، فالتاريخ يعود لا كذكرى رومانسية، بل كقوة قادرة على إعادة صياغة المنطقة.
التحالف الثلاثي بين “إسرائيل” واليونان وقبرص ليس مجرد خطوة في دفتر العلاقات الدولية، بل بداية هندسة جديدة للبحر، سيكون لها ما بعدها في العقود المقبلة.
بالنسبة لسوريا، فإن هذه الموجة الجيوسياسية القادمة من الغرب ليست بعيدة عن شواطئها، بل تتقدم نحوها ببطء، لتذكرها أن من يغفل عن البحر في الشرق الأوسط، ينسحب من التاريخ ذاته.

التحالف الثلاثي في شرق المتوسط: زلزال جيوسياسي يقترب من السواحل السورية

التحالف الثلاثي في شرق المتوسط: زلزال جيوسياسي يقترب من السواحل السورية

تحليل استراتيجي لتأثيرات التحالف بين إسرائيل واليونان وقبرص على التوازنات الجيوسياسية في المنطقة

التحول الجيوسياسي في شرق المتوسط

بعد القمة العاشرة بين “إسرائيل” واليونان وقبرص في القدس؛ بدأت لحظة تأسيسية لتحالف جديد يعيد هندسة شرق المتوسط استراتيجياً، فهو اتفاق ولد من رحم الطاقة، لكنه يتمدد نحو الأمن والدفاع والسياسة، ليصبح نواة لمحور يطمح إلى كسر المعادلات التي حكمت المنطقة لعقود.

توزيع احتياطيات الغاز في شرق المتوسط
التطور الزمني للتحالف الثلاثي
مستويات التهديد على السواحل السورية

التحول الإسرائيلي: من أنقرة إلى أثينا

التاريخ القريب يذكرنا أن “إسرائيل” كانت يوماً الحليف العسكري الأوثق لتركيا. لكن التحول بدأ مع صعود حزب العدالة والتنمية عام 2002، وتفاقم مع حادثة سفينة “مرمرة” عام 2010.

الغاز كذريعة والجغرافيا كقدر

من يقرأ التحالف الثلاثي بسطحية اقتصادية سيظن أنه مشروع طاقة بحت. لكن من يفهم منطقه الجيوسياسي، يدرك أنه تحالف جغرافي قبل أن يكون اقتصادياً.

تحولات ما بعد الغاز

يبدو الغاز اليوم هو عنوان المرحلة، لكن جوهر المشهد أعمق من خلال إعادة بناء الجغرافيا السياسية لشرقي المتوسط الذي كان مساحة فراغ استراتيجي.

سوريا بين الجغرافيا والقدر

سوريا، التي طالما اعتبرت نفسها قلب المشرق، تجد نفسها اليوم على هامش معادلة المتوسط، ففي حين تتشكل منظومات جديدة على مسافة قريبة من شواطئها.

تأثيرات التحالف الثلاثي على سوريا
تأثيرات طاقية

رغم أن الساحل السوري يحتوي على مكامن غاز محتملة، إلا أن غياب الاستقرار السياسي يجعل استثمارها شبه مستحيل حالياً. مع احتكار “التحالف الثلاثي” للبنى التحتية الإقليمية، سيستبعد الساحل السوري فعلياً من منظومة الغاز المتوسطية.

تأثيرات أمنية بحرية

هذا التحالف، بدعم أميركي، سيزيد من عسكرة المتوسط الشرقي، فأي تصعيد بين “إسرائيل” ولبنان أو بين تركيا واليونان ستكون له ارتدادات مباشرة على السواحل السورية.

تأثيرات سياسية إقليمية

في المدى المتوسط، تجد دمشق نفسها أمام معضلة؛ فهل تنخرط في تفاهمات مع التحالف الجديد عبر الوساطة الأمريكية؟ أم تكتفي بسياسة الحياد السلبي؟ كلا الخيارين محفوف بالمخاطر.

السيناريوهات المستقبلية المحتملة
سيناريو التحالف المغلق (الهيمنة الثلاثية)

في هذا السيناريو، يتعزز التعاون الثلاثي ليصبح تحالفاً شبه عسكري، مدعوماً من الناتو والولايات المتحدة، وتتحول اليونان إلى عقدة طاقة أوروبية.

سيناريو التوازن المرن

يفترض هذا السيناريو أن التحالف الثلاثي سيحافظ على حدوده الاقتصادية دون انزلاق إلى مواجهات عسكرية، حيث ستسعى “إسرائيل” لتخفيف التوتر مع تركيا.

سيناريو الفوضى البحرية

وهو الأكثر خطورة عبر تصعيد عسكري في المتوسط، سواء بين تركيا واليونان أو بين “إسرائيل” وحزب الله، سيحول شرق المتوسط إلى ساحة نزاع متعدد المستويات.

أبرز الاستنتاجات الاستراتيجية

  • التحالف الثلاثي ليس مجرد مشروع أنابيب، بل إعادة بناء هندسة النفوذ في شرق المتوسط
  • التحول من محور أنقرة – “تل أبيب” القديم إلى محور أثينا – “تل أبيب” الجديد
  • أوروبا، الباحثة عن بديل للغاز الروسي، وجدت في شرق المتوسط حلاً جزئياً لأزمتها
  • سوريا تتحول إلى رهينة التفاعلات الخارجية، دون قدرة حقيقية على صياغة خياراتها
  • يتشكل لأول مرة محور جيوسياسي مستقر نسبياً في شرق المتوسط
  • من يغفل عن البحر في الشرق الأوسط، ينسحب من التاريخ ذاته

الخلاصة: عودة المتوسط كقوة

التاريخ حسب المفكر الأمريكي الجيوستراتيجي روبرت كابلان، يعود عندما تتغير الجغرافيا السياسية، وما نراه اليوم في شرق المتوسط هو تجسيد حي لهذه الفكرة. بالنسبة لسوريا، فإن هذه الموجة الجيوسياسية القادمة من الغرب ليست بعيدة عن شواطئها، بل تتقدم نحوها ببطء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *