حين تقرأ إدلب من تل أبيب: ما وراء تقرير “دار الوحي الشريف”

نشر مركز بحثي إسرائيلي في منتصف كانون الأول 2025 تقريرا مطولا بعنوان “دار الوحي الشريف: منظومة تعليمية إسلامية تحت رعاية هيئة تحرير الشام”، وتناول فيه شبكة المدارس التابعة للتنظيم في شمال سوريا، واعتبرها “نموذجا مقلقا لإنتاج جيل قرآني جهادي”.
التقرير، الذي استند إلى مواد مرئية وصور ميدانية ومتابعة لتوسع الشبكة منذ عام 2017، وصف دار الوحي الشريف بأنها منظومة تعليمية – دعوية تتبنى فكر هيئة تحرير الشام، وتعمل على غرس قيم دينية وجهادية في نفوس الأطفال منذ المراحل الأولى للتعليم، وأشار إلى أن الشبكة توسعت بعد عام 2024 لتضم أكثر من70  مدرسة ورياض أطفال في محافظات عدة، منها إدلب وحلب ودمشق وحمص وحماة ودرعا واللاذقية.

ورغم طابعه البحثي، يظهر التقرير في لغته ومنهجه منظورا أمنيا استخباراتيا، فيتعامل مع الظاهرة التعليمية من زاوية تقدير التهديدات المستقبلية أكثر من مقاربتها كسلوك اجتماعي أو تربوي في بيئة مضطربة.

التعليم كتهديد أمني

ينطلق التقرير من فرضية مركزية مفادها أن كل مشروع تعليمي ذي طابع إسلامي يمكن أن يتحول إلى أداة تعبئة جهادية، ويستند إلى قراءة ترى في المناهج القرآنية محورا أيديولوجيا لتنشئة “جيل عقائدي” مرتبط بالهوية الجهادية لهيئة تحرير الشام.
ويشير إلى مظاهر عدة تدعم هذا التصور، مثل ارتداء الأطفال أزياء عسكرية في الاحتفالات المدرسية، وتضمين الأغاني والفعاليات المدرسية رسائل عن الجهاد والتحرير والشهادة، إضافة إلى الفصل التام بين الجنسين والتقيد الصارم بالزي الشرعي داخل الصفوف.

هذه القراءة، على اتساقها المنهجي، تغفل السياق الاجتماعي الذي نشأت فيه الشبكة، فمع انهيار النظام التعليمي الرسمي في مناطق واسعة من الشمال السوري، وانقطاع الدعم الحكومي وغياب المدارس العامة، تولت مؤسسات منبثقة عن الميليشيات، مدعومة بمؤسسات دينية أو خيرية، ملء الفراغ التعليمي.
من هذا المنطلق، فإن وجود مدارس دينية هو احتمال لمشروع للتعبئة القتالية، لكنه يعكس أيضا استجابة براغماتية لحاجات مجتمعيةفي ظل انهيار مؤسسات الدولة.

إغفال المجتمع لصالح التحليل الأمني

من أبرز سمات التقرير غياب الأصوات المحلية السورية، فلا يظهر فيه أي رأي لمعلمين أو أهال أو طلاب، بل تقدم الظاهرة التعليمية بوصفها أداة بيد هيئة تحرير الشام، لا كممارسة اجتماعية ذاتية التنظيم.
هذا المنهج يحول النص من دراسة تربوية إلى مسح استخباري وصفي، فتعامل سوريا على أنها مساحات تجريب أيديولوجي أكثر منها بيئات بشرية تحاول إعادة بناء حياة طبيعية بعد عقد من الحرب.

إدراك ملتبس للتحول السياسي في سوريا

يشير التقرير إلى أن شبكة دار الوحي الشريف أصبحت منذ عام 2024 مؤسسة تعليمية رسمية تعمل تحت إشراف وزارة التربية في النظام الجديد بقيادة أحمد الشرع، لكنه يعرض هذا التحول بوصفه احتمالا قادما أو توسعا مقلقا، لا كواقع سياسي قائم.
الوقائع الميدانية والدبلوماسية منذ مطلع 2025 تؤكد أن نظام الشرع الانتقالي يمارس سلطة مركزية فعلية في معظم المحافظات الكبرى، ويدير مؤسسات الدولة، بما فيها التعليم، ضمن إطار إداري موحد، فهو أصدر قرارات تعسفية بطرد المعلمين الذين ينتمون للطائفة العلوية، وعدل بالمناهج بما يخدم توجهه، فألغى شخصيات وطنية، وغير أسماء المدارس، حتى العطل الرسمية امتدت لها يد السلطة و غيرتها بما يتناسب مع النهج الديني الأحادي الإقصائي.

يتعامل التقرير مع هذا التطور بنظرة مزدوجة، فمن جهة، يعترف ضمنيا بوجود دولة سورية جديدة ذات مؤسسات رسمية عبر استخدامه لمصطلحات مثل “وزارة التربية” و”الإداري”، ومن جهة أخرى، يواصل توصيفها ككيان أيديولوجي خطر يهدد الاستقرار الإقليمي.

تكشف هذه الازدواجية أن المقاربة الإسرائيلية لا تزال أسيرة القراءة الأمنية التقليدية التي ترى في أي نظام ذي هوية إسلامية مصدر تهديد، رغم أن هذا النظام اعترف بها وقبل بكل شروط التفاوض معها على حساب سيادة سوريا وحقوقها.

وبالتالي، فإن التقرير يظهر أكثر ما يعكسه هو زاوية النظر الإسرائيلية إلى سوريا ما بعد الأسد، لا حقيقة الواقع التعليمي أو الإداري في البلاد.

جيل قرآني فريد”: بين الهوية التربوية والاتهام الأيديولوجي

يرى التقرير أن شعار شبكة دار الوحي الشريف “نحو جيل قرآني فريد يعكس ما يصفه بـ”الجوهر الأيديولوجي للمشروع”، معتبرا أن القرآن يشكل محورا تعبويا لتنشئة جيل ديني منغلق على مفاهيم الجهاد والتضحية.
المناهج في مدارس الشبكة تدمج التعليم النظامي (الرياضيات، العلوم، الإنجليزية) ضمن إطار ديني صارم، بحيث يبقى القرآن الكريم هو المادة المركزية في العملية التعليمية، وأن الطلاب لا يسمح لهم بالانتقال إلى مراحل دراسية عليا قبل حفظ أجزاء كبيرة منه.

غير أن فهم التقرير للواقع السوري الجديد يظل قاصرا عن استيعاب التحول العميق الذي طرأ على بنية الدولة ذاتها، فـالسياسات العامة في سوريا ما بعدكانونالأول 2024 اتجهت فعليا نحو بناء دولة عقائدية ذات مرجعية دينية واضحة.

فمنذ تولي أحمد الشرع رئاسة المرحلة الانتقالية، أصبح المرجع الفقهي جزءا من آلية صنع القرار، وتحولت المفاهيم الإسلامية إلى إطار ناظم للهوية الوطنية الجديدة.
أعيدت صياغة المناهج الدراسية لتنسجم مع هذا التوجه، فتم حذف كثير من الرموز الوطنية والتاريخية ذات الطابع القومي أو المدني، واستبدلت بمضامين تقدم الانتماء الديني والمرجعية القرآنية كأساس للولاء والانتماء، واتسع دور المؤسسات الدينية لتصبح مصدرا تشريعيا وأخلاقيا مكملا للدولة، تستمد منها التوجيهات العامة في مجالات التعليم والإدارة والحياة اليومية.

الواقع السوري الجديد لا يعبر عن “مجتمع محافظ يعيد بناء ذاته”، كما يصوره التقرير الإسرائيلي، بل عن مشروع دولة عقائدية مكتملة الملامح تسعى إلى إعادة تعريف الوطنية السورية من داخل المرجعية الإسلامية، وتوحيد المجال العام حول منظومة قيم دينية ينظر إليها اليوم بوصفها جوهر الهوية السياسية الجديدة.

قراءة من زاوية واحدة

يقدم تقرير المركز الإسرائيلي حول “دار الوحي الشريف” مادة ثرية من حيث المعلومات والتوثيق الميداني، لكنه في المقابل يعيد إنتاج منطق أمني قديم في فهم التحولات داخل المجتمع السوري.
فهو يرى في المؤسسات التعليمية الإسلامية مصادر تهديد أيديولوجي بدل أن يفهمها كوسائل لإعادة بناء التعليم في مناطق فقدت حضور الدولة المركزية لأكثر من عقد.

كذلك، فإن تجاهله للبعد الإنساني والاجتماعي لحياة المعلمين والطلاب وأسرهم يجعله أقرب إلى تقريرتقييم مخاطر منه إلى دراسة تربوية أو اجتماعية.
وبينما يعترف ضمنيا بوجود نظام سوري انتقالي جديد بقيادة أحمد الشرع يمتلك مؤسسات مدنية فاعلة، يظل التحليل محكوما بمرجعية “العدو المحتمل”، ما يعكس استمرار القراءة الإسرائيلية للمنطقة من منظور أمني صرف، رغم تغير الوقائع السياسية على الأرض.

إن التجربة التعليمية في الشمال السوري – مهما كانت دوافعها وخلفياتها – لا يمكن قراءتها فقط من زاوية “الخطر”، بل ينبغي النظر إليها كمؤشر على إعادة تشكل المجتمع السوري في ظل نظام جديد يرتكز على الدين بشكل أساسي ويتوافق مع البنية التي نشأ عليها والتي رسم وفقها كل العداء للنظام السابق، وتم تغذيتها ودعمها من كل الأطراف الإقليمية والدولية بما فيها اسرائيل لاسقاط نظام البعث.

وإذا كان التقرير يخشى من “جيل قرآني فريد”، فإن الواقع السوري يشير إلى جيل بوضع لا يحسد عليه، وطن ممزق وصراعات طائفية، وأفق تعليمي محدود، في بيئة لم يعد فيها التعليم رفاهية، بل وسيلة للبقاء.

حين تقرأ إدلب من تل أبيب: ما وراء تقرير “دار الوحي الشريف”

حين تقرأ إدلب من تل أبيب: ما وراء تقرير “دار الوحي الشريف”

تحليل نقدي للتقرير الإسرائيلي حول الشبكة التعليمية في شمال سوريا والقراءات المختلفة للواقع السوري الجديد

تقرير “دار الوحي الشريف”: منظور أمني استخباراتي

نشر مركز بحثي إسرائيلي في منتصف كانون الأول 2025 تقريراً مطولاً بعنوان “دار الوحي الشريف: منظومة تعليمية إسلامية تحت رعاية هيئة تحرير الشام”، واعتبر الشبكة التعليمية “نموذجاً مقلقاً لإنتاج جيل قرآني جهادي”.

توزيع مدارس دار الوحي الشريف حسب المحافظات
المنظور الإسرائيلي: قراءة التعليم كتهديد
مكونات المنهج الدراسي في المدارس

التعليم كتهديد أمني

ينطلق التقرير من فرضية أن كل مشروع تعليمي ذي طابع إسلامي يمكن أن يتحول إلى أداة تعبئة جهادية، ويتجاهل السياق الاجتماعي لانهيار النظام التعليمي الرسمي في شمال سوريا.

إغفال المجتمع لصالح التحليل الأمني

من أبرز سمات التقرير غياب الأصوات المحلية السورية، حيث يقدم الظاهرة التعليمية كأداة بيد هيئة تحرير الشام، لا كممارسة اجتماعية ذاتية التنظيم.

إدراك ملتبس للتحول السياسي

يتعامل التقرير مع النظام السوري الجديد بوعي مزدوج، معترفاً بوجود دولة ذات مؤسسات رسمية، مع استمرار توصيفها ككيان أيديولوجي خطر.

جيل قرآني فريد: بين الهوية والاتهام

يشير التقرير إلى أن فكرة “الجيل القرآني” تعكس “الجوهر الأيديولوجي للمشروع”، متجاهلاً أن هذا المفهوم متجذر في الخطاب التربوي الإسلامي التقليدي.

وجهات النظر المختلفة للظاهرة التعليمية
المنظور الإسرائيلي (الأمني)

يرى في المؤسسات التعليمية الإسلامية مصادر تهديد أيديولوجي، وينطلق من منظور تقدير المخاطر الاستخباراتي بدلاً من الفهم الاجتماعي.

المنظور السوري (الاجتماعي)

ينظر إلى المدارس كاستجابة براغماتية لانهيار التعليم الرسمي، وكمؤشر على إعادة تشكل المجتمع في ظل نظام جديد.

الواقع السوري الجديد

يشير إلى تحول عميق نحو بناء دولة عقائدية ذات مرجعية دينية واضحة، حيث أصبح المرجع الفقهي جزءاً من آلية صنع القرار.

مكونات المنهج الدراسي في شبكة دار الوحي الشريف
35%
القرآن الكريم والحفظ
25%
العلوم الشرعية
20%
الرياضيات والعلوم
15%
اللغة الإنجليزية
5%
الأنشطة التربوية
يدمج المنهج التعليم النظامي (الرياضيات، العلوم، الإنجليزية) ضمن إطار ديني صارم، مع بقاء القرآن الكريم كمادة مركزية.

الاستنتاجات الرئيسية من التحليل النقدي

  • التقرير يعيد إنتاج منطق أمني قديم في فهم التحولات داخل المجتمع السوري
  • يتجاهل البعد الإنساني والاجتماعي لحياة المعلمين والطلاب وأسرهم
  • يظل التحليل محكوماً بمرجعية “العدو المحتمل” رغم تغير الوقائع السياسية
  • فكرة “الجيل القرآني الفريد” ليست حكراً على البيئة الجهادية بل جزء من الخطاب التربوي الإسلامي التقليدي
  • الواقع السوري يشير إلى تحول نحو دولة عقائدية مكتملة الملامس وليس مجرد مجتمع محافظ
  • الجيل السوري الجديد يسعى أساساً للتعليم والاستقرار بعد سنوات الحرب

الخلاصة: قراءة من زاوية واحدة

يقدم تقرير المركز الإسرائيلي مادة ثرية من حيث المعلومات والتوثيق الميداني، لكنه يعيد إنتاج منطق أمني قديم. التجربة التعليمية في الشمال السوري – مهما كانت دوافعها – لا يمكن قراءتها فقط من زاوية “الخطر”، بل ينبغي النظر إليها كمؤشر على إعادة تشكل المجتمع السوري في ظل نظام جديد. إذا كان التقرير يخشى من “جيل قرآني فريد”، فإن الواقع السوري يشير إلى جيل يسعى ببساطة إلى التعليم والاستقرار بعد سنوات الحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *