في لحظات التحول الكبرى في التاريخ، لا تسقط الإمبراطوريات فجأة، بل تبدأ أولا بفقدان قدرتها على تعريف العالم بمعجمها الخاص.
الولايات المتحدة اليوم، رغم صلابة اقتصادها واتساع تحالفاتها، تبدو كقوة ما تزال في القمة، لكنها تسمع همس الهبوط من تحتها، ليست في طور الانهيار، بل في طور القلق الإمبراطوري؛ ذلك الشعور الذي يسبق التحول أكثر مما يسبق السقوط.
وهم السيطرة في نصف الكرة الغربي
حين تنظر واشنطن إلى أميركا اللاتينية، تراها تاريخيا امتدادا جغرافيا للأمن القومي الأميركي، لا فضاء مستقلا، لكن العالم تغير، فـ”الحديقة الخلفية” القديمة لم تعد خاضعة للراعي كما كانت، ولا جاهزة للتمرد كما يأمل خصومه.
أصبحت هذه القارة – الممتدة بين البرازيل والمكسيك – مرآة دقيقة لحالة الهيمنة الأميركية ذاتها؛ نفوذ عميق بلا هيمنة مطلقة، فحيث يتراجع سحر واشنطن، لا يظهر فراغ كامل بل فسيفساء مصالح تربط دول القارة بالصين، وبروسيا أحيانا أو بذاتها حينا آخر.
إن أميركا اللاتينية لا تنهض كجبهة مقاومة، لكنها لم تعد مجالا مغلقا، فهي المثال الأوضح على أن النظام الأميركي لا ينهار، بل يفقد وحدانيته.
في جوهر القوة الأميركية: هيمنة بلا نصر
القوة الأميركية لم تكن يوما وليدة المجازفة فقط، بل نتاج البنية، فاقتصادها ونظامها المالي وجاذبية نموذجها الثقافي، صنعت معا ما يسميه علماء الأنظمة العالمية “البنية المركزية” للنظام الحديث.
لكن هذه البنية بدأت ترهق نفسها عبر ديون هائلة، وانقسام سياسي داخلي، وطبقة وسطى تفقد ثقتها بجدوى العولمة التي بنتها أميركا ذاتها.
لم تعد الولايات المتحدة قادرة على أن تقدم نفسها للعالم بوصفها “الحلم”، بل بوصفها الواقع الأقوى الذي يستطيع أن يفرض ما يشاء على الآخرين.
هذا التحول الإدراكي أهم من الأرقام، فالقوة لا تقاس فقط بما تملكه، بل بمدى قدرتها على إقناع الآخرين بمعنى ما تملكه، وبهذا الشكل لا يزال الأميركيون أقوياء، لكنهم بدأوا يفقدون اللغة التي تبرر تلك القوة.
بين الانكفاء والتكيف: الاستراتيجية كمرآة للحدود
حين أعلنت واشنطن في استراتيجياتها الأخيرة نيتها التركيز على “الأمن الإقليمي”، رأى كثيرون في ذلك انكفاء، لكنه الانكفاء ليس انسحابا؛ إنه تكيف تكتيكي أمام إدراك داخلي بأن زمن السيطرة الشاملة انتهى، فلم تعد الولايات المتحدة راغبة في احتلال العواصم البعيدة، بل في إدارة توازن القوى من بعيد، مستخدمة تحالفاتها وشبكاتها المالية والتكنولوجية كسلاحها الجديد.
إنها سياسة “الهيمنة الذكية”؛ تحافظ على مركزية القرار دون أن تدفع ثمن التمدد، وهذا ما يميز الإمبراطورية الأميركية عن سابقاتها، فهي لا تنسحب لتسقط، بل لتعيد تعريف نفسها داخل حدودها الممكنة.
لكن هذا التكيف لا يخلو من خطر، فكلما تقلص الحضور المادي للقوة، زادت هشاشتها الرمزية، واكتفت بالتحكم من بعد، وفقدت حس الواقع الذي يبقيها في قلب الأحداث.
خصومها الجدد: استنزاف بلا حرب
في الجهة المقابلة، تنمو قوى جديدة لا تطلب الحرب، بل الإنهاك الصامت، فالصين وروسيا، ومعهما تكتلات مثل بريكس ومنظمة شنغهاي، لا تحاول إسقاط النظام الأميركي بقدر ما تسعى إلى تفريغه من الداخل عبر سحب عناصر احتكاره، من الدولار وسلاسل التوريد والتفوق التكنولوجي.
فهمت هذه القوى درس القرن العشرين جيدا، وأدركت ان لا جدوى من مواجهة واشنطن عسكريا، بل يجب إغراقها في تناقضاتها البنيوية.
تعمل بكين على تحويل الاقتصاد العالمي إلى شبكة لا مركزية، بحيث يصبح النفوذ الأميركي مجرد عقدة من بين أخرى، أما موسكو فتمارس دورها التاريخي عبر اختبار إرادة الغرب عند أطراف الجغرافيا، لا في قلبها، ومع كل خطوة من هذا الاستنزاف، تفقد واشنطن شيئا من قدرتها على فرض تعريفها للعالم، حتى وإن ظلت الأقوى فيه.
التراجع الأميركي بين النسبي والبنيوي
من الخطأ الاعتقاد أن التراجع الأميركي يعني الانهيار، فالولايات المتحدة ما تزال تمتلك نحو ربع الناتج العالمي، وهي الدولة الوحيدة التي تملك تحالفات حقيقية لا مجرد شراكات مصلحية، لكن بنية القوة نفسها تمر بتحول.
التفوق التكنولوجي لم يعد مطلقا؛ فالصين تنافس في الذكاء الصناعي والاتصالات الكمية، وأوروبا، رغم ضعفها العسكري، تستعيد دورها التنظيمي والاقتصادي داخل الغرب.
الأهم من ذلك أن الشرعية الداخلية للقيادة الأميركية للعالم تتآكل، فحين يتشكك المواطن الأميركي في جدوى عولمة لا تصب في مصلحته، تتقلص قدرة واشنطن على تمويل مشاريع الهيمنة.
وهذا هو جوهر التراجع البنيوي؛ ليس في فقدان الموارد، بل في تراجع الإجماع الاجتماعي الذي يبرر استخدامها.
دروس التاريخ: لحظة الذروة كإشارة للمنحدر
كثيرا ما تستدعى القاعدة التاريخية القائلة بأن الإمبراطوريات تنهار في لحظة ذروتها، لكن التعميم يغفل الفارق النوعي بين الإمبراطوريات القديمة والولايات المتحدة، فالإمبراطوريات السابقة كانت تقوم على الأرض والحدود، أما أميركا فتقوم على الأنظمة والمعاني؛ المال والتكنولوجيا والرمز.
تراجعها لن يكون سقوطا ماديا بقدر ما سيكون تحولا إدراكيا، فربما ستظل أميركا غنية وقوية، لكن العالم لن يعود يرى فيها القائد الطبيعي، وسيصبح النظام الدولي شبيها ببحر بلا مركز، تتحرك فيه القوى الكبرى كموجات متقاطعة لا كأهرامات متعاقبة.
إنها ليست نهاية الهيمنة الأميركية بقدر ما هي نهاية حقبتها الميتافيزيقية؛ الحقبة التي كانت فيها واشنطن معيارا لكل شيء.
العالم بعد أميركا: توازن بلا سيادة
حين تفقد الإمبراطورية قدرتها على فرض نظامها الأخلاقي، يبدأ النظام الدولي في التشكل على نحو فوضوي.
العالم اليوم في طور هذه الفوضى المنظمة، فالقوى الصاعدة لا تريد نسف النظام بل إعادة كتابته بلغاتها؛
فهو زمن التوازن بلا سيادة:
- الصين تتقدم في التجارة والتكنولوجيا.
- روسيا تمسك بالميدان الأمني والطاقة.
- أوروبا تضع القواعد.
- والولايات المتحدة تحاول الحفاظ على الخيوط التي تربط كل ذلك في شبكة واحدة.
لكن الشبكات، بخلاف الإمبراطوريات، لا تملك مركزا صلبا، وهذه هي المعضلة الأميركية، فكيف تحافظ على تفوقها في عالم لم يعد يقبل “الهيمنة” كمفهوم مشروع؟
حين يصبح البقاء شكلا من أشكال التراجع
في نهاية المطاف، ليست المسألة من ينتصر، بل من يبقى فاعلا بعد أن يتغير تعريف القوة في القرن الحادي والعشرين، فلم تعد مقياسا للدبابات أو الأساطيل، بل للقدرة على إدارة الزمن والتكنولوجيا والمعلومة،
فالولايات المتحدة رغم كل عثراتها لا تزال الدولة الوحيدة القادرة على الجمع بين هذه العناصر، ولكنها تفقد شيئا فشيئا القدرة على تحويل القوة إلى معنى، وهذا أخطر من فقدان النفوذ نفسه.
لن تسقط الإمبراطورية الأميركية قريبا، لكنها بدأت تفقد الإيمان بضرورتها، وتلك هي اللحظة التي تسبق عادة سقوط أي إمبراطورية؛ لحظة الشك في الذات.
إنها لا تهزم من الخارج، بل تقنع نفسها بالتراجع من الداخل.
كما في كل تحولات التاريخ، فإن النهاية لا تكون حين تنكسر القوة، بل حين تتوقف عن الحلم بأنها لا تزال قادرة على الخلق.
الولايات المتحدة بين الغلبة والتآكل: حين تتهيب الإمبراطورية ظلها
في لحظات التحول الكبرى في التاريخ، لا تسقط الإمبراطوريات فجأة، بل تبدأ أولا بفقدان قدرتها على تعريف العالم بمعجمها الخاص.
الولايات المتحدة لا تزال تمتلك نحو ربع الناتج العالمي، لكن بنية القوة نفسها تمر بتحول. التفوق التكنولوجي لم يعد مطلقاً والشرعية الداخلية للقيادة الأميركية للعالم تتآكل.
القوة الأميركية لم تكن وليدة المجازفة فقط بل نتاج البنية: اقتصاد، نظام مالي، جاذبية نموذج ثقافي. لكن هذه البنية ترهق نفسها عبر:
- ديون هائلة وانقسام سياسي داخلي
- طبقة وسطى تفقد ثقتها بجدوى العولمة
- فقدان القدرة على تقديم نفسها كـ”الحلم”
- تراجع القدرة على تحويل القوة إلى معنى
القوة لا تقاس فقط بما تملكه، بل بمدى قدرتها على إقناع الآخرين بمعنى ما تملكه.
لم تعد “الحديقة الخلفية” خاضعة للراعي كما كانت، ولا جاهزة للتمرد كما يأمل الخصوم. أصبحت القارة مرآة دقيقة لحالة الهيمنة الأميركية:
النظام الأميركي لا ينهار، بل يفقد وحدانيته في نصف الكرة الغربي.
القوى الجديدة لا تطلب الحرب بل الإنهاك الصامت عبر سحب عناصر الاحتكار الأميركي:
| الصين | تحويل الاقتصاد العالمي إلى شبكة لا مركزية |
|---|---|
| روسيا | اختبار إرادة الغرب عند أطراف الجغرافيا |
| بريكس/شنغهاي | تفريغ النظام الأميركي من الداخل |
تركيز واشنطن على “الأمن الإقليمي” ليس انسحاباً بل تكيفاً تكتيكياً أمام إدراك داخلي بأن زمن السيطرة الشاملة انتهى.
حين تفقد الإمبراطورية قدرتها على فرض نظامها الأخلاقي، يبدأ النظام الدولي في التشكل على نحو فوضوي.
- الصين: تتقدم في التجارة والتكنولوجيا
- روسيا: تمسك بالميدان الأمني والطاقة
- أوروبا: تضع القواعد والتنظيمات
- الولايات المتحدة: تحاول الحفاظ على الخيوط الجامعة
كيف تحافظ الولايات المتحدة على تفوقها في عالم لم يعد يقبل “الهيمنة” كمفهوم مشروع؟

