حين استلمت حكومة دمشق الجديدة السلطة في أواخر عام 2024، بدا وكأن البلاد أمام فرصة لإعادة اختراع نفسها بعد عقدين من الانقسام والحرب، لكن ما حدث خلال عامها الأول كشف أن الدولة، في صورتها السورية، لا تزال عاجزة عن فهم جغرافيتها السياسية، فالسلطة التي لا تدرك معنى الأرض، ولا تستوعب دلالات المكان، تظل حبيسة وهم السيطرة.
وفي سوريا، لا شيء أكثر تمرد على هذا الوهم من حي الشيخ مقصود في شمال حلب.
المكان كمعضلة للسلطة
الجغرافيا ليست علما بريئا، بل سلاحا في خدمة الدولة أو ضدها، ووفق هذا التصور يصبح الشيخ مقصود أكثر من مجرد حي؛ إنه موقع جيوسياسي مصغر تختبر فيه دمشق حدود قوتها وحدود فهمها لذاتها، فبينما تتحدث الحكومة عن إعادة بسط “سيادة الدولة” على كل التراب السوري، تكشف الوقائع أن الجغرافيا لا تستعاد بالقوة، بل بالاعتراف بتعقيدها.
في منتصف العقد الماضي، تحول الحي إلى مساحة شبه مستقلة تحت إدارة كردية محلية، وبقي كذلك حتى بعد إعلان الحكومة الانتقالية نهاية 2024 عن مشروعها “للمواطنة الجامعة”، لكن هذا الخطاب الذي وعد بدمج الأكراد في مؤسسات الدولة لم يتجاوز حدود الوثائق والمقابلات الرسمية.
على الأرض، بقيت نقاط التفتيش والضرائب المحلية وهياكل الأسايش؛ شاهدة على ازدواجية السيادة في المكان الواحد.
الجغرافيا المتنازعة
الشيخ مقصود ليس هامشا من المدينة؛ هو مرتفع يطل على مركزها، وشبه جزيرة عمرانية تمتد شمالا حتى الطريق المؤدي إلى عفرين، وفي الجغرافيا السورية، كل ارتفاع له معنى سياسي، والسيطرة عليه ليست تفصيلا عسكريا فحسب، بل بيان سيادي.
لم يكن دخول “الجيش السوري” الجديد إلى الحي في كانون الثاني 2026 استعادة لأرض بقدر ما كان إعلانا عن إرادة رسم الخريطة بالقوة، لكن الخرائط لا تطيع البنادق، فحين تفرغ الدولة المكان من سكانه عبر النزوح، فإنها تفقد جوهره الاجتماعي الذي يعطيه المعنى.
ما فعله التدخل العسكري في الشيخ مقصود هو تحويل الجغرافيا إلى مجرد سطح للسلطة، بدل أن تكون نسيجا اجتماعيا متنوعا يحمل ذاكرة المكان ووعيه الذاتي.

في هذا الرسم التوضيحي، يتجلى تطور ميزان السيطرة في مدينة حلب بين عامي 2024 و2026 في صورة مكثفة عن الجغرافيا بوصفها أداة سياسية لا تمثيلا محايدا للأرض؛ يظهر الخط الأزرق انحسار نفوذ الإدارة الذاتية الكردية من نحو 70% إلى 10% مع تصاعد العمليات العسكرية في الشيخ مقصود والأشرفية مطلع 2026، بينما يعكس الخط البرتقالي تمدد حكومة دمشق المتسارع نحو استعادة هيمنتها حتى بلوغ السيطرة شبه المطلقة في منتصف العام نفسه، في حين يشير الخط المتقطع إلى ثبات نسبي في دور اللجان المدنية رغم تغير القوى المتحكمة.
لا تعبر الخريطة عن تحول عسكري فحسب، بل عن جدلية السلطة والمكان؛ فهي ليست “خريطة للسيطرة” بل تجسيد بصري لصراع المعاني بين الدولة والجغرافيا، حيث تواصل الأرض مقاومتها الرمزية حتى عندما تتبدل الأعلام فوقها.
السلطة التي لا ترى إلا الخرائط
في نظر الحكومة، السيطرة على الشيخ مقصود كانت ضرورة “لإعادة توحيد الجغرافيا الوطنية”، لكن لا وجود لجغرافيا وطنية إلا بقدر ما تعبر عن تنوع الجماعات التي تشكل الوطن، وحين تفرض الدولة وحدة قسرية، فإنها تنتج تمزيقا جديدا، لأن القوة التي توحد من فوق تضعف تماسك القاعدة.
فالنظر إلى الجغرافيا بوصفها شيئا يدار من العاصمة، لا بوصفها شبكة علاقات مكانية متبادلة، وحين تصبح الجغرافيا مجرد خريطة في أيدي البيروقراطيين، تنفصل السياسة عن الأرض، ويختزل السكان إلى معطيات إحصائية، لا إلى بشر لهم تاريخ ومطالب وذاكرة.
الشيخ مقصود كجغرافيا للذاكرة
الحي الكردي في حلب ليس جديدا في تاريخه مع الدولة السورية، فمنذ خمسينيات القرن الماضي، كان الأكراد جزءا من نسيج المدينة؛ عمال نسيج وحرفيون ولاجئون من الأناضول، ثم لاحقا مقاتلون وحماة أحياء، وصنعوا من هذا المكان فضاء حضريا متعددا لا يخضع لأي هوية مطلقة.
حين تعاملت الدولة معه كمنطقة “خاصة” كانت في الواقع تعيد إنتاج منطق التقسيم الذي مزق سوريا منذ عقود، وحين اجتاحت القوات الحكومية الحي في يناير 2026، بدا المشهد كأنه محاولة لمحو الذاكرة قبل استعادة الأرض.
تم قصف نقاط الإدارة الذاتية، وأغلقت المخابز، وانقطع الماء والكهرباء، ونزح عشرات الآلاف، وبين أنقاض المنازل المهدمة، بقيت لافتات قديمة مكتوبة بالكردية، وأسماء شوارع تشير إلى مرحلة حاولت فيها المدينة أن تتصالح مع تعددها.
لكن في سوريا، كما في كل مكان يجهل جغرافيته، لا يسمح للمكان بالتكلم بلغته.
منطق الجغرافيا مقابل منطق الدولة
تستمد سلطة دمشق اليوم قوتها من إعادة مركزية القرار بعد عقدين من الحرب، لكنها تفعل ذلك على حساب الهندسة الاجتماعية للجغرافيا السورية، فلا يمكن لأي دولة أن تضمن استقرارها ما لم تعد تعريف العلاقة بين المركز والأطراف، بين الأرض والسلطة، بين الخرائط والناس.
غير أن حكومة دمشق تبدو عالقة في منطق معاكس؛ إعادة بناء الدولة وفق تصور “ترابي هرمي”، لا وفق منطق الانسياب والتداخل الذي تفرضه الجغرافيا الواقعية، فهي تتحدث عن “التنمية المتوازنة”، لكنها تعيد توزيع الموارد على أساس الولاء لا الحاجة، وتعلن “حماية التنوع”، لكنها تخضع الأقليات لآليات ضبط أمنية لا سياسية.
إنها الدولة التي تحكم باسم الأرض، لكنها تقصي من يسكنونها فعلا.
الجغرافيا كمرآة للعجز الوطني
حين يتأمل المرء خريطة سوريا اليوم، يدرك أن البلاد ليست منقسمة فحسب، بل متعددة الطبقات الجغرافية؛ فهناك جغرافيا الدولة، وجغرافيا الذاكرة، وجغرافيا الفصائل، وجغرافيا الاقتصاد، وكل منها يملك منطقا مختلفا للسلطة والانتماء.
ما فعله صراع الشيخ مقصود هو أنه أظهر التناقض بين هذه الطبقات، وجعل من “وحدة التراب” شعارا يفتقر إلى مضمون اجتماعي.
الجغرافيا التي لا تبنى على المشاركة تتحول إلى أداة قمع، والحي الذي ترسم حدوده بالقصف، لا بالاعتراف، سيبقى نقطة ضعف في أي مشروع وطني مهما بدا صلبا.
أعيد ضم الشيخ مقصود إلى خريطة سلطة دمشق، لكن لم يضم إلى وعيها.
خاتمة: الجغرافيا تفكر، فهل تفكر السلطة؟
بعد عام من الحكم، تبدو حكومة دمشق وكأنها انتصرت عسكريا لكنها خسرت معركة الفهم الجغرافي.
فهي لم تدرك بعد أن السيطرة على الأرض لا تعني السيطرة على المعنى، وأن الأرض ليست مسألة حدود بل مسألة علاقة.
لقد كتب لاكوست أن “من يجهل جغرافيته، يجهل سياسته”.
وسوريا اليوم تجسد هذا الجهل بصورة مؤلمة.
الحي الذي قاوم الخرائط لا يزال هناك، حتى وإن تغير سكانه.
الذاكرة التي تسكن جدرانه ستظل تذكر الدولة بأن الجغرافيا ليست أداة في يد السلطة، بل مقياس حقيقي لشرعيتها.
الجغرافيا التي تفكر: دمشق والأكراد والحي الذي قاوم الخرائط
تحولات ميزان السيطرة في مدينة حلب
تطور السيطرة على الأرض بين الإدارة الذاتية الكردية وحكومة دمشق (نسب مئوية من السيطرة الفعلية)
قراءة في التحولات الجغرافية
يظهر الرسم البياني تناقضاً صارخاً بين خطاب “المواطنة الجامعة” الذي تبنته حكومة دمشق نهاية 2024 والواقع الجغرافي المتغير على الأرض. فبينما وعدت بالدمج والمشاركة، سجلت الفترة 2025-2026 انحساراً حاداً لنفوذ الإدارة الذاتية الكردية من 70% إلى 10% فقط، مقابل توسع سريع للسيطرة الحكومية.
الجغرافيا كسلاح
الشيخ مقصود ليس مجرد حي سكني، بل موقع جيوسياسي مصغر تختبر فيه الدولة حدود قوتها وفهمها لذاتها. المرتفع الذي يطل على مركز المدينة يحمل دلالات سياسية تتجاوز القيمة العسكرية.
ازدواجية السيادة
حتى بعد إعلان مشروع “المواطنة الجامعة”، بقيت نقاط التفتيش والضرائب المحلية وهياكل الأسايش تشهد على وجود سلطتين في المكان الواحد: سلطة الدولة الرسمية وسلطة الإدارة المحلية الفعلية.
الذاكرة مقابل الخريطة
ما بين 2024 و2026، تحولت الجغرافيا من نسيج اجتماعي يحمل ذاكرة المكان إلى مجرد سطح للسلطة. النزوح القسري أفقد الأرض جوهرها الاجتماعي، محو الذاكرة سبق استعادة الأرض.
الخط الزمني للأحداث
-
أواخر 2024استلام الحكومة الانتقالية السلطة وإعلان مشروع “المواطنة الجامعة” لدمج الأكراد في مؤسسات الدولة
-
طوال 2025بقاء الخطاب الرسمي حبيس الوثائق مع استمرار ازدواجية السيادة على الأرض
-
كانون الثاني 2026دخول الجيش السوري إلى الشيخ مقصود والأشرفية، تحويل الجغرافيا إلى سطح للسلطة
-
منتصف 2026سيطرة شبه مطلقة لحكومة دمصور مع بقاء رمزي للجان المدنية المحلية
“الجغرافيا ليست علماً بريئاً، بل سلاحاً في خدمة الدولة أو ضدها. الشيخ مقصود أكثر من مجرد حي؛ إنه موقع جيوسياسي مصغر تختبر فيه دمشق حدود قوتها وحدود فهمها لذاتها.”
الجدلية المركزية: السلطة مقابل المكان
لا يعبر التحول البياني عن تغير عسكري فحسب، بل عن صراع المعاني بين الدولة والجغرافيا. حكومة دمشق تعاملت مع الجغرافيا كشيء يدار من العاصمة، لا كشبكة علاقات مكانية متبادلة. السيطرة على الأرض بالقوة لا تعني السيطرة على المعنى، والأرض ليست مسألة حدود بل مسألة علاقة.
الخلاصة: الجغرافيا تفكر، فهل تفكر السلطة؟
بعد عام من الحكم، تبدو حكومة دمشق وكأنها انتصرت عسكرياً لكنها خسرت معركة الفهم الجغرافي. الحي الذي قاوم الخرائط لا يزال هناك، حتى وإن تغير سكانه. الذاكرة التي تسكن جدرانه ستظل تذكر الدولة بأن الجغرافيا ليست أداة في يد السلطة، بل مقياس حقيقي لشرعيتها.

