العقار السوري: عندما تصبح كلفة البناء أعلى من سعر البيع.. تحليل أزمة الاقتصاد العقاري السوري

من الصعب تخيل سوق عقاري يبيع بأقل من كلفة البناء، وهذا التناقض الذي يبدو نظريا مستحيلا هو واقع ملموس في معظم المدن السورية، حيث تعرض المنازل للبيع بأسعار تقل عن تكلفة مواد البناء والأرض والتراخيص، باستثناء بعض العقارات في مراكز المدن الكبرى كدمشق وحلب.
لم يعد قطاع العقارات في سوريا مجرد قطاع متضرر من الحرب والعقوبات، بل أصبح نموذجا مصغرا لاقتصاد يستهلك ذاته، ويعيد تدوير أزماته في دائرة مغلقة من الكساد والجمود.

السوق الذي يعاني من وفرة لا تستهلك

تشير أحدث التقديرات المحلية إلى أن متوسط تكلفة البناء في سوريا يتراوح بين 250 و300 دولار أمريكي للمتر المربع عند احتساب مواد البناء، وأجور العمالة، ورسوم التراخيص، وتكلفة الأرض، وفي المقابل، تنخفض أسعار البيع في معظم المناطق السكنية غير المركزية إلى ما بين 150 و250 دولارا للمتر الواحد، أي أن المطور أو المالك يبيع غالبا بأقل من كلفة ما أنفقه.
تتكرر هذه الصورة في مدن مثل حمص وطرطوس واللاذقية وحلب (خارج مركز المدينة)، حيث تتجاوز كلفة تشييد شقة متوسطة المساحة (100 م²) 25 ألف دولار، بينما لا تجد من يشتريها بأكثر من18  أو 20 ألفا.

تشهد المناطق المركزية في دمشق وحلب استثناء واضحا، فسعر المتر المربع في المالكي أو أبو رمانة يصل إلى 2000 دولار، أي عشرة أضعاف السعر في ضاحية مثل قدسيا، لكن هذه الأسعار المرتفعة لا تعبر عن انتعاش حقيقي، بل عن ندرة العرض في المناطق الآمنة والمخدمة، وسلوك استثماري احتياطي للأثرياء، لا طلبا سكنيا حقيقيا.

الطلب الغائب: السوق بلا مشتر

الخلل الأساسي في السوق العقاري السوري اليوم ليس في قلة المعروض، فهناك وفرة في الأبنية غير المأهولة، بل في تراجع الطلب الحقيقي.
فبحسب بيانات الأمم المتحدة، يعيش أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر، ويبلغ متوسط الدخل الشهري للعامل نحو 40 دولارا فقط، في حين أن كلفة استئجار شقة متواضعة في دمشق تجاوزت 400 دولار شهريا، فالإيجار وحده يعادل عشرة أضعاف متوسط الدخل، ناهيك عن ثمن الشراء.

هذا التناقض جعل القدرة الشرائية شبه معدومة، حتى في الطبقات الوسطى التقليدية، كما توقف المصرف العقاري الحكومي عن منح قروض شراء أو بناء منذ عام 2020، فيما تظل القروض الخاصة نادرة أو بفوائد مرتفعة تفوق 25% سنويا، ما يجعلها غير قابلة للتطبيق.
كيف يمكن لمواطن لا يتجاوز راتبه الشهري ثمن كيس إسمنت أن يشتري منزلا بقيمة 25 ألف دولار؟ لم تعد المشكلة في عدد المنازل المعروضة، بل في انعدام الزبائن القادرين على الشراء.

الركود البنيوي: أزمة تتجاوز العقار

من وجهة نظر اقتصادية، قطاع العقارات هو عادة محرك رئيسي للنشاط الاقتصادي في أي بلد؛ حيث يبني الطلب على السكن مصانع إسمنت وحديد، ويخلق فرص عمل في الهندسة والمقاولات والنقل والخدمات، لكن حين ينهار هذا القطاع، ينهار معه ما حوله.
في سوريا، تشير التقديرات إلى أن قطاع البناء والتشييد كان يساهم بما يقارب 12% من الناتج المحلي قبل عام 2011، وانخفضت اليوم مساهمته إلى أقل من النصف.

الاقتصاد السوري يعيش كسادا متداخلا:

  • الأسعار مرتفعة بالنسبة للدخل.
  • العرض فائض.
  • الطلب شبه غائب.
  • ورأس المال الاستثماري غائب عن المشاريع الجديدة.

حتى المستثمرون الذين يرغبون في دخول السوق يترددون، لأن معادلة الربحية لا تتحقق، فتكلفة البناء أعلى من سعر البيع، والدخل الوطني لا يسمح بتوسع الطلب.

دولار العقار والبحث عن تمويل واقعي

في المشهد الاقتصادي السوري الراهن، يبرز تأسيس مصرف عقاري مشترك بالعملات الصعبة أداة محتملة لتجاوز المأزق البنيوي في سوق الإسكان، فمثل هذا المصرف يتشارك فيه رأس مال عربي أو إقليمي، يمكن أن يشكل مدخلا غير مباشر لإعادة دمج الاقتصاد السوري في منظومته الإقليمية، بعيدا عن القنوات السياسية المأزومة.
يتيح التمويل العقاري الموجه، لا سيما بالدولار، تحريك قطاع راكد يختزن في طياته قدرة تشغيلية هائلة تمتد من الإسمنت والحديد إلى اليد العاملة والخدمات، ويمنح الدول المساهمة نافذة تأثير اقتصادي ناعمة داخل السوق السورية، توازي في قيمتها ما لا تحققه الأدوات السياسية التقليدية.

نجاح هذا النموذج يعتمد على شفافية القروض، واستقلالية الإدارة المصرفية، وضمانات قانونية دولية تعيد الثقة للمستثمرين، وتبعد المشروع عن التجاذبات السياسية. بهذا المعنى، فالمصرف العقاري المشترك ليس مجرد آلية تمويل، بل مشروع استقرار اقتصادي وإقليمي يمكن أن يعيد للعقار السوري دوره كمحرك للنمو بدل أن يبقى شاهدا على الركود.

العقار كمرآة للأزمة الوطنية

أزمة العقار ليست جزيرة معزولة، بل مرآة كاملة للأزمة السورية الشاملة؛ انهيار الدخل، وانكماش الطلب، وفقدان الثقة بالعملة الوطنية، وغياب أدوات التمويل، وتراجع الاستثمار الخاص.
حين تصبح الشقة التي كلفت 25 ألف دولار معروضة للبيع بـ15 ألفا ولا تجد من يشتريها، فذلك يعني أن الاقتصاد لم يعد ينتج قيمة مضافة، بل يستهلك نفسه.

الاستمرار في هذا الوضع يعني تجميدا طويل الأمد لقطاع يمثل أكثر من عشر الناتج المحلي، ويؤثر في 40 حرفة وصناعة فرعية على الأقل (من النجارة إلى النقل إلى الطلاء)، فالجمود العقاري ليس رقما على ورق، بل شلل اقتصادي واسع النطاق.

إلى أين؟ بين الواقع والحل الممكن

الحل ليس بسيطا، لكنه معروف:

  1. إعادة فتح خطوط التمويل العقاري بالدولار أو بعملة مستقرة.
  2. تأسيس مصرف عقاري إقليمي أو مشترك يضمن قروض شراء وإكساء بشروط ميسرة.
  3. تحفيز الاستثمار في البناء السكني المتوسط والمنخفض الكلفة بدل العقارات الفاخرة.
  4. ضبط أسعار مواد البناء عبر سياسات جمركية وضريبية مشجعة.
  5. إعادة الثقة بالعملة الوطنية تدريجيا لتحريك رؤوس الأموال الراكدة.

دون الخطوات السابقة سيبقى سوق العقارات مؤشرا على انكماش الاقتصاد السوري أكثر من كونه قطاعا اقتصاديا بحد ذاته.

العقار كاختبار أخلاقي أيضا

وراء الأرقام، هناك بعد إنساني لا يجوز تجاهله، فهناك أكثر من 6.8 مليون نازح داخلي ما زالوا بلا سكن دائم، ومئات آلاف المنازل المدمرة لم ترمم بعد، وفي بلد يصبح السكن حلما بعيد المنال، تفقد مفاهيم “الملكية” و”الاستقرار” معناها، ويتحول البيت من حق اجتماعي إلى سلعة نادرة.

من دون اعتبار السكن حقا وطنيا أساسا لأي سياسة اقتصادية أو تمويلية، تبقى هذه السياسات عاجزة عن تحقيق العدالة الاجتماعية أو إعادة الإعمار الحقيقي؛ فالحرب دمرت البنية المادية، بينما العجز الاقتصادي يواصل تدمير البنية المعنوية للمجتمع بثمن أفدح وأطول أمدا.

أزمة تعكس معادلة مقلوبة

في الاقتصادات الطبيعية، يرفع الطلب أسعار العقارات فتزدهر مشاريع البناء، أما في سوريا اليوم، فالطلب غائب، والأسعار رغم انخفاضها تفوق قدرة الناس على الشراء، بينما تكلفة البناء تفوق قدرة السوق على الربح.
تلك المعادلة المقلوبة تعني أن السوق لم يعد يشتغل وفق منطق السوق، بل وفق منطق البقاء الاقتصادي الأدنى.

ليست أزمة العقار السورية أزمة قطاعية، بل إشارة تحذير إلى أن الاقتصاد السوري دخل مرحلة “الجمود العميق” مرحلة لا يمكن كسرها إلا بتدفق تمويل خارجي حقيقي، أو بإصلاح داخلي جذري يعيد للدخل قيمته، وللمال وظيفته، وللحجر معنى البناء لا العجز.

العقار السوري: اقتصاد يبني بخسارة

العقار السوري: اقتصاد يبني بخسارة

من الصعب تخيل سوق عقاري يبيع بأقل من كلفة البناء، وهذا التناقض الذي يبدو نظريا مستحيلا هو واقع ملموس في معظم المدن السورية

تناقض التكلفة والسعر

المصدر: تقديرات محلية سورية – 2026
275$
متوسط تكلفة البناء/م²
200$
متوسط سعر البيع/م²
-27%
فارق الخسارة

مقارنة أسعار المدن السورية

المصدر: بيانات سوق العقارات السوري – 2026

المعادلة المقلوبة

تكلفة بناء شقة 100م²

المتوسط الوطني
25,000$

تشمل: مواد بناء، أجور عمالة، رسوم تراخيص، تكلفة أرض

سعر بيع شقة 100م²

المتوسط الوطني
18,000$

باستثناء المراكز المدنية في دمشق وحلب

الدخل مقابل الإيجار

متوسط الدخل الشهري
40$
متوسط إيجار شقة دمشق
400$
90%
من السوريين يعيشون تحت خط الفقر (بيانات الأمم المتحدة)
-50%
انخفاض مساهمة قطاع البناء في الناتج المحلي مقارنة بـ2011
12% → 6%
مساهمة قطاع البناء في الناتج المحلي (قبل 2011 ← الآن)
40+
حرفة وصناعة فرعية تتأثر بجمود القطاع العقاري

الحلول المقترحة

تمويل بالعملة الصعبة
تأسيس مصرف عقاري مشترك بالدولار مع رأس مال عربي أو إقليمي
بناء منخفض الكلفة
تحفيز الاستثمار في سكن متوسط ومنخفض الكلفة بدل العقارات الفاخرة
سياسات داعمة
ضبط أسعار مواد البناء عبر سياسات جمركية وضريبية مشجعة
إصلاح هيكلي
إعادة الثقة بالعملة الوطنية وتحريك رؤوس الأموال الراكدة

أزمة الإسكان والنازحين

المصدر: بيانات الأمم المتحدة والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين

تأثر القطاعات المرتبطة

المصدر: تحليل أثر القطاع العقاري على الاقتصاد السوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *