في السياسة، كما في الطبيعة، ليست الكوارث وحدها ما يغير شكل الأرض؛ أحيانا يكفي الزمن وحده ليعيد رسم المشهد ببطء وصرامة، سوريا اليوم لم تعد ساحة اشتباك بين نظام ومعارضة، بل مختبرا لسلطة واحدة تتقن البقاء أكثر مما تتقن الحكم، ودولة تستمد معناها من دوامها، ونظام يرى في الاستمرار بحد ذاته مشروعا مكتفيا بذاته.
هذا الشكل من الحكم لا يبنى على القوة وحدها، بل على إدارة دقيقة للزمن وللصورة ولشبكات النفوذ التي تحيط بالمركز السياسي، فبينما تتبدل العناوين وتتغير الوجوه، يبقى المنطق واحدا: الحفاظ على «الدوام» بصفته أعلى أشكال الاستقرار الممكن، ولو كان استقرارا خاليا من الاتجاه.
شرعية بلا تفويض
لم تنشأ البنية السياسية السورية الراهنة من صندوق اقتراع أو من تفاهم وطني شامل، بل من توافق إقليمي–دولي أعاد تركيب المشهد بعد انهيار النظام السابق.
إنها سلطة ولدت من فراغ سيادي مؤقت، وجاءت لتملأه لا لتواصل ما كان قبله، ومن هنا اكتسبت طبيعتها المختلفة؛ فلا امتداد ولا قطيعة كاملة، بل بنية جديدة تحكمها الضرورة أكثر مما يحكمها التفويض.
هذا النمط من الولادة جعلها تبحث عن شكل بديل للشرعية، لا يقوم على الإرث التاريخي أو المشاركة الشعبية، بل على ما يمكن تسميته بـ“شرعية البقاء” المستمدةمن قدرتها على تثبيت الواقع ومنع الانهيار، لا من تمثيل الإرادة العامة.
الشرعية هنا لا تأتي من المشاركة، بل من الاعتياد، فكل شهر يمر دون انهيار شامل يقدم كبرهان على النجاح، وكل معركة ضد مكون سوري حتى لو لم تحسم تسجل كإنجاز وطني، ويتحول الاستمرار ومع الوقت إلى غاية، والمأزق إلى نظام، والوقت نفسه إلى سلعة سياسية.
هندسة الحضور والغياب
في هذا النظام، الحضور الشخصي للسلطة جزء من بنيتها لا من سلوكها، وحضورها اليومي في الفضاء العام ليس نشاطا سياسيا بقدر ما هو إدارة انطباع، فالمجتمع، في نظر السلطة، لا يطمئن إلى الخطط بقدر ما يطمئن إلى الوجوه.
اللقاءات والتصريحات والجولات الميدانية أدوات لتكريس صورة القائد القريب، لا لصياغة سياسة عامة، والغياب يقرأ ضعفا، أما الحضور الدائم يعتبر دليلا على السيطرة.
يتحول الإعلام الرسمي وفق هذه الصورة إلى مسرح يومي لتأكيد الوجود، لا لنقل المعلومة، فلا تطرح الأسئلة الكبرى لأن الهدف ليس الحوار، بل التذكير بأن مركز القرار لا يزال هناك، وأن االسلطة ما تزال ممسكة بالخيوط كلها.
الخطاب كأداة سلطة
اللغة السياسية في سوريا تبدو اليوم أكثر انحيازا لفكرة واحدة، لكنها ما تزال غامضة في الجوهر، فتتحدث بلسان الدولة المدنية، لكنها نادرا ما تترجم خطابها إلى مؤسسات فاعلة أو آليات واضحة للمساءلة.
غياب البرنامج ليس عرضا، بل خيار محسوب، فوضوح الاتجاه يحد من قدرة السلطة على المناورة، بينما يتيح الغموض مساحة رحبة لإدارة توازنات متناقضة في آن واحد ما بين تكنوقراط يبحثون عن استقرار إداري، ورجال أعمال يسعون إلى النفاذ في السوق، وعسكريون يحملون أرث الميليشيات ويريدون ضمانات، وواجهات مدنية تطلب مظلة حماية.
بهذه الصيغة يصبح الالتباس السياسي أداة للبقاء لا دليلا على العجز، فالغموض يمنح الجميع فرصة لتخيل ما يريدون رؤيته في السلطة؛ فكل طرف يراها انعكاسا لمصالحه الخاصة، وكل جماعة تعتقد أنها الأقرب إلى مركز القرار.
ويتحول الغموض إلى لغة جامعة، والوعد المعلق إلى سياسة يومية، بينما يظل المعنى الحقيقي مؤجلا دائما إلى إشعار آخر.
دولة العلاقات لا المؤسسات
في غياب الأحزاب القادرة على احتواء الطيف السياسي والاجتماعي، تتحول العلاقات الشخصية إلى النسيج الحقيقي للسلطة، فالمناصب توزع بناء على الثقة لا الكفاءة، والولاء يكافأ أكثر من المبادرة، فالعائلة والرفاق القدامى وشبكات المصالح القديمة، تشكل الدائرة الصلبة للسلطة.
هذه البنية العائلية ليست عرضا طارئا، بل جزء من فلسفة الحكم ذاتها، فالبيت السياسي يصبح هو الحزب، ومركز القرار هو المؤسسة الوحيدة الفاعلة، ومن خلاله تدار شبكات الاقتصاد والإدارة والأمن، وتعاد هندسة الولاءات على أساس القرابة والولاء الشخصي.
العائلة هنا درع الأمان السياسي الذي يمتص الصدمات، وتحمل التبعات الأخلاقية، ويمكن التضحية ببعض أطرافها عند الحاجة دون المساس بالمركز، فهي منظومة حماية ذاتية في غياب المؤسسات الرقابية المستقلة.
تفكيك المجال العام
سلطة دمشق لا تتعامل مع المجتمع ككتلة واحدة، بل كشبكة من الأفراد والمصالح المنفصلة، فكل فاعل سياسي أو اقتصادي يدار على نحو شخصي، وتذكر أسماؤهم وتقدم لهم الوعود، وتدار علاقتهم بالسلطة كما تدار علاقة الزبون بالراعي.
بهذه الطريقة يفرغ “الناخب” من معناه الجمعي، ويختزل في شخص ذي طلب محدد، فالتمثيل السياسي الجماعي يختفي لصالح الاعتراف الفردي، والمجتمع يتحول إلى مجموعة مصالح متنافسة، لا إلى قوة تفاوضية موحدة.
وفي هذه الحالة نكون السلطة قادرة على تفكيك أي تحالف ناشئ قبل أن يكتمل، عبر تغذية الخلافات بين الأطراف، فالاستقرار ليس ناتجا عن التوافق، بل عن الانقسام المنضبط.
إدارة الخصوم والوقت
أحد أشكال الخصوم في هذه السلطة لا يقضى عليهم، بل يدارون، فالإقصاء علنيا يخلق أعداء دائمين، لذلك يستعاض عنه بإقصاء إداري هادئ عبر النقل والتهميش، أو تجفيف موارد.
الهدف ليس الانتصار، بل التحييد، ومع الوقت، تفتح قنوات المصالحة حين تدعو الحاجة، فكل خصم محتمل يمكن أن يصبح شريكا ظرفيا.
الزمن نفسه يستثمر كأداة حكم، فالسلطة تراهن على أن التعب والإرهاق المجتمعي سيحولان “الواقع المؤقت” إلى حالة طبيعية، فالناس تعتاد ما تكرره كل يوم، والخوف من البديل يتحول إلى ضمانة بقاء للسلطة القائمة.
الصورة بدلا من السياسة
حين تغيب البرامج، تصبح الصورة بديلا عنها، والانتقال من الزي العسكري إلى المدني، ومن خطاب القوة إلى خطاب الدولة، هو إدارة للانطباع العام، فالزي والكلمة والمشهد، كلها رموز تستخدم لتأكيد الهدوء والاستمرارية.
في هذا السياق، السياسة تمارس بالجسد قبل النص، من المصافحة والابتسامة إلى الحضور في المناسبات القبلية، كلها أدوات لإعادة إنتاج السلطة في وعي الناس بوصفها “الأب والضامن”، وأما الخصوم، فلا يهاجمون مباشرة، لأن المواجهة تصنع رموزا مضادة.
الأفضل أن يتولى الأنصار مهمة النقد، بينما تبقى “اليد العليا” نظيفة، كما لو أن السلطة فوق المعركة.
وعود غامضة… بلا التزامات
الخطاب السياسي السوري الجديد يتقن استخدام الوعود كأداة تهدئة، من “الإصلاح” و”الاستقرار” و”الدولة القوية” هي مفردات حاضرة دوما، لكنها بلا تعريف إجرائي، فالوعود تقال بلهجات متعددة، وكل جمهور يسمع ما يريد سماعه.
هذا الغموض ليس ضعفا بل استراتيجية، فاللغة غير المحددة تمنح الحاكم مساحة مناورة واسعة، وتمنع خصومه من محاسبته على نتائج لم يلتزم بها نصا، فالكلمة التي لا تفهم على وجه واحد لا يمكن مساءلة قائلها.
الزمن كبديل عن المشروع
الزمن هو الرأسمال السياسي الأهم في سوريا اليوم، كل عام يمر من دون انهيار شامل يقدم كبرهان على صوابية المسار، لكن هذا الاستثمار في الوقت يحمل مفارقة خطيرة، فحين يصبح “الاستمرار” هو المشروع الوحيد، تفقد السياسة معناها التحويلي.
الأنظمة التي تدير الزمن بدلا من تغييره تربح لحظتها، لكنها تخسر المستقبل، فالتاريخ لا يرحم من يراهن على السكون؛ فتتحول المراوحة مع الوقت إلى شكل من أشكال التآكل البطيء، وما يبدو استقرارا هو في العمق هشاشة مؤجلة.
الدولة كظل للسلطة
المشهد السوري اليوم يلخص تحول الدولة من كيان مستقل إلى ظل للسلطة، فالمؤسسات تعمل ما دامت تخدم المركز، وتتعطل عند أول تماس مع الإرادة الفردية، والسياسة تدار كمنظومة علاقات لا كمنظومة قيم، والشرعية تبنى على الاعتياد لا المشاركة.
هذا النوع من الأنظمة لا ينهار فجأة؛ بل يتآكل بصمت، والأنظمة التي تبنى حول الأشخاص لا المؤسسات تدوم طويلا، لكنها لا تخلد نفسها، فالزمن، الذي كان يوما حليفها، يصبح في النهاية خصمها الأشد.
ربما تكون المعضلة السورية ليست في غياب الدولة، بل في تطابقها الكامل مع السلطة، فلا تعود السياسة بحثا عن الأفضل، بل عن الممكن الأدنى، وأن يبقى كل شيء كما هو، يوما آخر فقط.
السياسة السورية في زمن الفراغ: آليات واستراتيجيات السلطة
محور الزمن
استثمار الوقت كرأسمال سياسي بديل عن المشروع
محور الشرعية
الشرعية المستمدة من البقاء والاعتياد
آليات السلطة
- إدارة الزمن كأداة حكم
- الهندسة المتقنة للحضور والغياب
- الخطاب الغامض كأداة سلطة
- العلاقات الشخصية بدل المؤسسات
- تفكيك المجال العام
- إدارة الخصوم (لا إقصاؤهم)
- الاستثمار في الصورة بدل السياسة
مصادر الشرعية
- الاستمرارية والدوام
- منع الانهيار الشامل
- القدرة على تثبيت الواقع
- الاعتياد المجتمعي
- التوافق الإقليمي–الدولي
- إدارة الانطباع العام
التحديات والمفارقات
- الشرعية بلا تفويض شعبي
- غياب المشروع الوطني
- الدولة كظل للسلطة
- الاستقرار الخالي من الاتجاه
- التآكل البطيء بدل الانهيار
- الزمن: من حليف إلى خصم
دائرة السلطة: العلاقات لا المؤسسات
مسار التحولات في السياسة السورية
! الخلاصة المركزية
المعضلة السورية: ليست في غياب الدولة، بل في تطابقها الكامل مع السلطة. النظام الحالي يحول “الاستمرار” إلى مشروع بديل عن التغيير، ويستثمر في الزمن والعلاقات والغموض كأدوات بقاء. لكن هذا النمط، وإن كان يضمن الدوام الآني، يحمل في طياته بذور التآكل البطيء، حيث يتحول الزمن – الذي كان حليفاً – إلى خصم في النهاية.

