في أقل من أسبوعين، انتقلت سوريا من معارك محدودة في الشيخ مقصود إلى حرب مفتوحة في الطبقة، فالجيش السوري الجديد، الذي أعلن فجر السابع عشر من كانون الثاني سيطرته الكاملة على المدينة وسد الفرات ومطارها العسكري، رسم حدودا جديدة للصراع بين المركز و”قسد”.
إنها ليست عملية ميدانية فقط، بل رسالة استراتيجية بأن سلطة دمشق تريد أن تعود لا إلى الأرض فحسب، بل إلى المياه والموارد والرمزية الوطنية التي تمثلها الطبقة بوصفها آخر ما تبقى من الجغرافيا الكردية غرب الفرات.
لكن هذه العودة لم تكن بلا ثمن، فمع كل كيلومتر يستعيده الجيش، يتقلص رصيد “الشرعية الإصلاحية” التي ادعت حكومة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع بناءها منذ عامها الأول، فالمشهد الذي بدأ بخطاب “الحقوق المتساوية” ينتهي اليوم بمدافع تقصف مدينة سورية باسم الوحدة الوطنية.
دمشق تستعيد الأرض وتخسر السردية
البيان العسكري السوري وصف قوات قسد بـ”ميليشيات حزب العمال الإرهابية”، في عودة إلى لغة ما قبل التفاهمات، كأن الدولة التي وعدت بالاحتواء قررت العودة إلى الإقصاء، لكن خلف الخطاب الأمني تقبع سياسة أكثر عمقا، فسلطة دمشق تريد فرض تعريفها الخاص للسيادة، حيث الدولة لا تُناقش بل تُطاع، وحيث اللامركزية تُختزل في إدارة الخدمات لا في توزيع السلطة.
السيطرة على الطبقة ليست استعادة جغرافيا بقدر ما هي إعادة صياغة لمفهوم الدولة ذاته، فالسد الذي يحبس ماء الفرات لا يوفر الطاقة فقط، بل يحدد مركز السيادة في البلاد، من يملكه يستحوذ على الكهرباء والري، ويملك إيقاع الحياة في الرقة والجزيرة على السواء.
معركة الطبقة، في عمقها، ليست حربا بين جيش وتنظيم محلي، بل اختبار لمن يملك حق تنظيم الزمن السوري، ومن يشغل الضوء، ومن يطفئه، فالعملية العسكرية بيان سياسي مكتوب بمدفعية ثقيلة، حيث يُعاد تعريف الوطن من بوابة الماء والطاقة، لا من بوابة الحدود.
قسد بين الغدر والحسابات
في الضفة الأخرى، ردت قسد باتهام سلطة دمشق بـ”الغدر” وخرق “اتفاق العاشر من آذار” المبرم برعاية دولية، والقيادة الكردية تتحدث اليوم بلغة الجرح والخذلان، لكن خلفها حسابات دقيقة، فهي انسحبت من دير حافر ومسكنة “بناء على مقترحات من دول صديقة”، وجدت نفسها أمام هجوم واسع لم يكن في الحسبان.
خسرت الطبقة، لكنها لم تخسر أوراقها كلها، فالمنطقة التي تسيطر عليها قسد شرقي الفرات ما تزال تمثل شريانا جيوسياسيا حيويا حيث النفط والسدود والمعابر والسجون التي تضم آلاف مقاتلي “داعش”، فكل قذيفة على الطبقة تخلق ارتجاجا في ملفات أخرى، من الأمن الدولي إلى الطاقة إلى اللاجئين، إنه صراع لا تقاس نتائجه بالكيلومترات، بل بعدد الملفات التي يفتحها.
الجغرافيا السياسية للفرات
سد الفرات ليس مجرد منشأة هندسية، بل جهاز حيوي في جسد سوريا، فمنه تولد الكهرباء وتروى السهول وتُدار الموارد المائية بين المحافظات.
السيطرة على سد الفرات تعيد إلى سلطة دمشق موقعا تفاوضيا بالغ الأهمية، لكنها في الوقت نفسه تقحمها في مواجهة غير مباشرة مع القوى الغربية التي تعتبر النهر حدا جيوسياسيا لا ينبغي تجاوزه، فالفرات يشكل اليوم خط الفصل بين الشرق المدعوم أميركيا والغرب الذي تسعى سلطة دمشق لإعادة تكريسه تحت سيادتها بدعم سياسي دولي.
يتحول النهر في 17 كانون الثاني إلى منطقة تماس قابلة للاشتعال في أي لحظة؛ فكل رصاصة تطلق في الطبقة ترتطم بمصالح واشنطن وباريس، وربما تُكرس دور تركيا في المشهد كفاعل مرجح في كل التفاصيل السورية.
موسكو تراقب، وواشنطن تهدد
العلاقة بين دمشق وموسكو تتخذ طابعا براغماتيا يقوم على المصالح المشتركة، خصوصا في مجالات سياسية وأمنية وتقنية، ولا تستند بالضرورة إلى تدخل ميداني في المعارك الحالية.
فروسيا لا تزال تحافظ على وجود مؤثر في سوريا، يتمثل أساسا في قاعدتيها في حميميم الجوية وطرطوس البحرية، وجرت مباحثات رفيعة المستوى بين كبار المسؤولين السوريين والروس لتعزيز أوجه التعاون العسكري والتقني وإعادة هيكلة العلاقات وفق متغيرات المرحلة الراهنة.
كما أكدت موسكو مرارا في بيانات رسمية دعمها سيادة سورية ووحدة أراضيها، والحاجة إلى حل سياسي شامل يشمل جميع المكونات، وهو مبدأ تتكرر الإشارة إليه في تصريحات وزارة الخارجية الروسية.
الدعم الروسي لسلطة دمشق اليوم أقرب إلى دعم سياسي واستراتيجي يهدف إلى تثبيت النفوذ الروسي في الملف السوري ضمن أطر تحالفات ودبلوماسية إقليمية، وليس إلى تغطية عسكرية مباشرة لجميع تحركات الجيش السوري في مواجهة”.
أما واشنطن، فردت بلغة مزدوجة؛ تحذير رسمي من القيادة المركزية (سنتكوم) من “انهيار التوازن الأمني شمال البلاد”، وتهديد من السيناتور ليندسي غراهام بإحياء عقوبات قيصر إذا “استمرت الهجمات ضد الكرد السوريين”.
وفي خلفية كل هذا، يبقى المبعوث الأميركي توم باراك في أربيل، يحاول نسج خيوط “التهدئة المستحيلة” بين مظلوم عبدي ونيجيرفان بارزاني.
الدبلوماسية الفرنسية تدخل المشهد
في باريس، عاد ماكرون إلى الملف السوري بوضوح غير معتاد، وتصريحه بأن “قيام سوريا موحدة لا يكون بمحاربة قسد بل بدمجها” يعكس رهانا فرنسيا على الأكراد كعنصر توازن في أي إعادة بناء للدولة السورية،
بل ذهب أبعد من ذلك حين رحب بالمرسوم الرئاسي الأخير المتعلق بالحقوق الثقافية الكردية، واعتبره “خطوة ناقصة لكنها ضرورية.”
هذا الموقف لا يقرأ كدعم فرنسي مباشر لقسد، بل كجزء من استراتيجية غربية أوسع تحاول فرض رؤية سياسية مختلفة عن تلك التي تنتهجها سلطة دمشق، وتحذيرات باريس ونداءاتها المتكررة لوقف الهجوم ودمج قسد في الدولة السورية تظهر رغبة أوروبية في إعادة صياغة المسار التفاوضي بعيدا عن منطق القوة العسكرية، وهو ما يضع سلطة دمشق تحت ضغط سياسي دولي مباشر.
وفي الوقت الذي تدفع فيه باريس وواشنطن نحو حل سياسي شامل يرتكز على دمج قسد ضمن المؤسسات السورية واستدامة التهدئة، تراقب روسيا المشهد من مسافة دبلوماسية، وتنأى بنفسها عن الانخراط المباشر في التوتر الحالي، محافظة بذلك على نفوذها السياسي القائم في سوريا ضمن حدود تحالفات رديفة أكثر منها شاملة”
بين أربيل والفرات: كوردستان كوسيط مضغوط
زيارة مظلوم عبدي إلى أربيل ولقاؤه ببارزاني ومحمد إسماعيل، ثم وصول المبعوث الأميركي، تعني أن الإقليم الكردي العراقي أصبح مركز ثقل تفاوضي جديد.
فهو الجسر بين واشنطن والأكراد السوريين، والبوابة التي تمر عبرها أي صيغة تهدئة مستقبلية، ولكن هذا الدور محفوف بالمخاطر، فكل توسط من أربيل يفسر من سلطة دمشق كـ”تدخل خارجي” وفي أنقرة كـ”تهديد للأمن القومي التركي”.
تتحول أربيل إلى مساحة مضغوطة بين ثلاث عواصم: دمشق وواشنطن وأنقرة، وكل منها يطالبها بأن تكون حليفا دون أن يضمن سلامتها.
المدنيون في مرمى النهر
في الطبقة والجرنية والمنصورة، تتكرر مشاهد الحرب من قصف ونزوح وانقطاع كهرباء وحقول محترقة قرب صفيان.
منظمات الإغاثة تتحدث عن آلاف النازحين الجدد وعن مخاوف من انهيار في منظومة السجون التي تضم مقاتلي “داعش”، وإذا ما فقدت السيطرة على أحد تلك المراكز، فسيكون الثمن عالميا لا محليا.
يتحول صراع السيادة إلى خطر أمني عابر للحدود، يذكر العالم بأن سوريا ليست بعد دولة مستقرة، بل عقدة أمنية مؤجلة.
نحو جغرافيا جديدة للسلطة
ما جرى في الطبقة ليس نهاية معركة، بل بداية اختبار للدولة السورية الجديدة، فهل يمكنها أن تستعيد الأرض دون نموذج للسيطرة المطلقة؟ وهل تستطيع أن توحد جغرافيتها دون أن تقصي مكوناتها؟
الأسئلة معلقة فوق مياه الفرات، كما كانت معلقة فوق أنقاض الشيخ مقصود قبل أسابيع.
الجيش يتقدم، لكن السياسة تتراجع، وقسد تنسحب، لكن حضورها الدولي يتقدم، أما سوريا، فتمضي نحو خريطة جديدة ترسم بالمدافع وتناقش بالبيانات، فالخريطة تعود إلى الدولة، لكن الدولة لم تعد بعد إلى ذاتها.
من الشيخ مقصود إلى الطبقة: صدام السيادة الأخير
كيف تحولت سوريا من معارك محدودة إلى حرب مفتوحة تعيد تعريف الجغرافيا السياسية للفرات
في أقل من أسبوعين، انتقلت سوريا من معارك محدودة في الشيخ مقصود إلى حرب مفتوحة في الطبقة.
ليست عملية ميدانية فقط، بل رسالة استراتيجية: عودة دمشق إلى المياه والموارد والرمزية الوطنية.
مع كل كيلومتر يستعيده الجيش، يتقلص رصيد “الشرعية الإصلاحية” لحكومة الرئيس الانتقالي.
دمشق تستعيد الأرض وتخسر السردية – عودة إلى لغة “الإقصاء” بدلاً من “الاحتواء”.
سد الفرات ليس مجرد منشأة هندسية – بل جهاز حيوي في جسد سوريا.
الفرات يشكل خط الفصل بين الشرق المدعوم أمريكياً والغرب الذي تسعى دمشق لإعادة تكريسه تحت سيادتها.
في الطبقة والجرنية والمنصورة: قصف، نزوح، انقطاع كهرباء، حقول محترقة.
يتحول صراع السيادة إلى خطر أمني عابر للحدود، يذكر العالم بأن سوريا ليست بعد دولة مستقرة.
معادلة القوة والسيادة
الفاعلون الدوليون والإقليميون
الجغرافيا الاستراتيجية للمواجهة
السرديات والخسائر
الخاتمة: نحو جغرافيا جديدة للسلطة
ما جرى في الطبقة ليس نهاية معركة، بل بداية اختبار للدولة السورية الجديدة. الأسئلة معلقة فوق مياه الفرات:
هل يمكنها أن تستعيد الأرض دون نموذج للسيطرة المطلقة؟ وهل تستطيع أن توحد جغرافيتها دون أن تقصي مكوناتها؟
الخريطة تعود إلى الدولة، لكن الدولة لم تعد بعد إلى ذاتها. صدام السيادة الأخير يفتح فصلاً جديداً في تاريخ سوريا،
حيث تختبر حدود القوة والسياسة والهوية في آن واحد.

