اتفاق دمشق–قسد: هل تعود السيادة السورية بالتفاوض أم بتوازنات الهامش؟

في عالم تُعيد فيه الجغرافيا رسم خرائط المصير، لا تُولد الاتفاقات السياسية في الفراغ، بل من رحم الضرورة، واتفاق 18 كانون الثاني/يناير 2026 بين سلطة دمشق  و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ليس مجرد هدنة جديدة في نزاع سوري طويل الأمد، بل ترجمة هندسية لتبدل موازين القوى الإقليمية والدولية، وإعادة تموضع الأطراف السورية على رقعة جغرافية تزداد هشاشة.

لا يمكن قراءة الاتفاق بوصفه انتصارا لطرف أو هزيمة لآخر، بل باعتباره نتيجة لتقاطعات إقليمية ودولية معقدة، تمتد من دمشق  والقامشلي إلى أنقرة وواشنطن، حيث فرضت التحولات في ميزان القوى، وتراجع نفوذ العواصم التقليدية كطهران وموسكو، واقعية سياسية جديدة دفعت الأطراف السورية إلى صياغة تسوية وفق مصالح دول منخرطة مباشرة في طبيعة المرحلة الانتقالية الحالية.

مناورات الجغرافيا وضرورات الدولة

منذ عام 2012، كانت خريطة الشمال الشرقي السوري تُمثل معضلة للدولة السورية؛ منطقة غنية بالنفط والقمح والمياه، لكنها خارج السيطرة الفعلية لحكومة دمشق، وتخضع لإدارة ذاتية محلية مدعومة أميركيا، وهذه المفارقة الجغرافية خلقت فراغا سياديا لا يمكن استدامته إلى ما لا نهاية، فـ”قسد” التي نشأت من رحم الحرب على “داعش” بدعم من التحالف الدولي، لم تملك يوما شرعية دولية مستدامة، بل عاشت على هامش ميزان القوى الأميركي–التركي.

لم يكن لدى الدولة السورية ما يكفي من الموارد لاستعادة المنطقة بالقوة المطلقة، ومع انشغال روسيا في أوكرانيا وانكفاء الدور الأميركي إلى “إدارة المخاطر”، دخلت أنقرة بثقلها لتفرض واقعا ميدانيا جديدا عبر الدعم القوي لهيئة تحرير الشام التي استولت على الحكم بنهاية 2024، وبعدها دخلت باتفاق آذار لانضمام قصد للجيش السوري تعثر للأسباب كثيرة، وبعد معارك حلب و دير حافر و دخول الوساطة الاميركية كحليف للأكراد وممارسة ضغط كبير من الأتراك دُفعت من خلاله “قسد” إلى الانكفاء شرق الفرات والقبول بخيار التسوية.

ظهرت العلاقة بين الأطراف بعد سلسلة من المعارك تميل لصالح الحلول السياسية، فأعاد الزمن ما أوقفته المدافع، فوصلت سلطة دمشق إلى شرق الفرات عبر التفاوض لا السلاح، ولكن هذه المرة تحت ظلال النفوذ التركي وحدود قدرته على إعادة رسم التوازن بين المركز والهامش.

نصوص الاتفاق… انتصار الدولة أم استسلام الجغرافيا؟

إذا قرأنا نصوص الاتفاق يمكن ملاحظة أن الطابع العام يميل نحو استعادة الدولة المركزية لمواقعها الأساسية:

  • دمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة لـ”قسد” ضمن مؤسسات الدولة.
  • تسليم المعابر وحقول النفط والغاز لوزارة النفط والجيش السوري.
  • عودة الموظفين إلى كنف الوزارات الرسمية.
  • انسحاب التشكيلات العسكرية إلى شرق الفرات.

ما بين السطور، يُمكن رصد نوع من التوازن الرمزي أرادته “قسد” لتفادي مظهر الانهزام، مثل بند “احترام خصوصية المناطق الكردية” و”تشكيل قوات أمنية محلية” في عين العرب وكوباني، إضافة إلى “تعيين محافظ يمثل التوازن المحلي”.

هذه البنود تُعيد إلى الأذهان بـ”المساحات الرمادية للسيادة”، حيث تلتقي الدولة والإدارة المحلية في عقد هش تفرضه الجغرافيا أكثر مما تبرره السياسة.

بالمقارنة مع مطالب “قسد” التقليدية خلال السنوات السابقة، كالفيدرالية الموسعة، والاعتراف الدستوري بالإدارة الذاتية، وضمان التمثيل الكردي السياسي في سلطة دمشق، يُلاحظ أن الاتفاق الأخير تراجع نوعيا عن تلك السقوف، فلم تُذكر كلمة “فيدرالية” ولا “حكم ذاتي”، ولم يتضمن الاتفاق أي التزام سياسي واضح بشأن مشاركة الأكراد في صياغة الدستور الجديد أو في الحكومة المقبلة، وكل ما ورد هو ضمان إداري مؤقت ودمج تدريجي ضمن أجهزة الدولة، وهو ما يُشبه “عقد احتواء” أكثر من كونه شراكة متكافئة.

بين أنقرة وواشنطن… الجغرافيا تضغط من الشمال والغرب

لا يمكن فهم توقيت الاتفاق دون النظر إلى التحول في السياسة التركية خلال العام المنصرم، فأنقرة، التي شنت ثلاث عمليات عسكرية في الشمال السوري منذ 2016، وجدت نفسها في مأزق مزدوج؛ لا تستطيع توسيع عملياتها دون صدام مباشر مع واشنطن، ولا يمكنها الانسحاب دون أن تواجه خطر تمكين كيان كردي شبه مستقل على حدودها، فتركيا هي المستفيد الصامت من اتفاق سلطة دمشق –قسد، حيث يضمن تفكيك البنية السياسية للإدارة الذاتية دون أن تتورط أنقرة في حرب جديدة.

أما الولايات المتحدة، التي تقلص وجودها العسكري في الحسكة ودير الزور إلى الحد الأدنى، فبدت كمن يريد الخروج بأقل الخسائر الممكنة، فالاتفاق يمنع عودة الفوضى ويُبقي الباب مفتوحا أمام التعاون الأمني ضد خلايا “داعش”، دون أن يُحمل واشنطن عبء إدارة منطقة لم تعد تُشكل أولوية إستراتيجية في ظل صعود أزمات آسيا وأوروبا الشرقية.

“قسد” بين البراغماتية والذاكرة

يُمكن النظر إلى قرار “قسد” بالقبول بهذا الاتفاق بوصفه انعطافة براغماتية بعد عقد من المكاسب الميدانية والسياسية غير المستقرة، فالقوة التي نشأت بدعم غربي عسكري محدود، وجدت نفسها تدريجيا محاصرة، فتركيا تضربها من الشمال، والحكومة السورية تضغط من الغرب، والعشائر العربية تتململ في دير الزور والرقة، فيما يتراجع الدعم الأميركي.

كانت مطالب “قسد” في السنوات الماضية سياسية الطابع، من الاعتراف بالإدارة الذاتية والتمثيل في مفاوضات جنيف، وتقلصت اليوم إلى ضمانات أمنية ومؤسسية للبقاء داخل المنظومة السورية دون سحق، فاتفاق 2026 يشبه تحول حزب الاتحاد الكردستاني في العراق خلال التسعينيات حين انتقل من شعار الانفصال إلى قبول الفدرالية الواقعية ضمن حدود الدولة المركزية، وهنا يبرز دور الجغرافيا التي تُعيد الأطراف إلى حدودها أكثر مما يفعل القانون أو الأخلاق.

أثر الاتفاق في ميزان القوى الداخلي

ستواجه سلطة دمشق  ما بعد الاتفاق تحديا معقدا، فكيف تُعيد دمج آلاف المقاتلين والإداريين ضمن مؤسسات الدولة دون تفجير حساسيات الهوية والانتماء؟ فنجاح الاتفاق لا يُقاس بتوقيعه، بل بقدرته على خلق تماسك مؤسساتي جديد، فإعادة هيكلة شرق الفرات هي اختبار لقدرة الدولة على التحول من منطق السيطرة إلى منطق الإدارة، فالسلطة في دمشق  ليست أحادية فقط وتدار بالولاء والخوف، بل مركز تفاوضي هش يوازن ما بين المصالح الاقليمية والمحلية مع غياب عقد اجتماعي جديد.

ستسعى “قسد” أيضا إلى الاحتفاظ بهويتها الثقافية والسياسية عبر العمل المحلي والإدارات البلدية، أي أن التنازل العسكري لا يعني نهاية المشروع الاجتماعي، فثمة طبقة مدنية كردية–عربية جديدة نشأت في السنوات الماضية، تحمل تصورا مختلفا عن الدولة والسلطة، ولن تذوب بسهولة في بيروقراطية سلطة دمشق .

الاتفاق كخريطة طريق نحو إعادة تعريف السيادة

في جوهره لا يكتفي اتفاق دمشق –قسد بإعادة ترسيم خرائط السيطرة، بل يطرح سؤالا أعمق، فما معنى السيادة السورية في زمن الدولة الانتقالية؟ هل يمكن لدولة خرجت من عقدين من التمزق أن تستعيد سيادتها بقرار إداري، أم أن ما تستعيده هو مجرد قشرة من السلطة فوق توازنات محلية لم تعد قابلة للإلغاء؟

سلطة دمشق  اليوم لا تدخل شرق الفرات كمنتصر عسكري فقط، بل كـ”وسيط سياسي” يحاول إعادة وصل ما انقطع بين الدولة والمجتمع، بين الجغرافيا والذاكرة، لكن أي سيادة تلك التي تُمارس بالتفاوض مع القوى التي كانت يوما خارجها؟ أهي عودة للمركز، أم اعتراف نهائي بأن المركز لم يعد كافيا؟

“السيادة المركبة” حاضرة بقوة في الاتفاق، فالدولة تستعيد أرضها عبر الصفقات التي تسبقها معارك غير فاصلة، وتبقى السيادة في سوريا ما بعد 2026 سؤالا مفتوحا أكثر منها واقعا مستقرا، فهل تملك سلطة دمشق  القدرة على إدارة التنوع من دون أن تُعيد إنتاج آليات الهيمنة ؟ وهل يمكن للشرق السوري أن يثق بدولة لم تتصالح بعد مع فكرة اللامركزية؟

في مدن مثل القامشلي ومنبج والرقة، لم تعد المسألة من يحكم، بل كيف يُحكم، ففي تلك المناطق حيث اختلطت الهويات والعشائر والمصالح، تُختبر فكرة الدولة نفسها؛ هل هي كيان فوقي يعود من الماضي، أم مشروع جديد يتشكل من تفاوض الهامش؟ ربما تكون هذه هي السيادة في معناها الجديد لا سلطة مطلقة، بل شبكة هشة من التفاهمات، تصمد ما دام الجميع يخشون البديل.

نحو توازن جديد في سوريا الممزقة

هل يمهد الاتفاق لتسوية وطنية شاملة أم لتثبيت تقسيم ناعم؟
الجواب يعتمد على مدى التزام الطرفين بروح الاتفاق أكثر من نصه، فإذا تحولت عملية الدمج إلى عملية إقصاء، فإن الجغرافيا نفسها ستنتفض مجددا، أما إذا أُتيح للأطراف المحلية مساحة من الإدارة الذاتية الثقافية والاقتصادية ضمن مظلة الدولة، فسيشكل هذا الاتفاق نموذجا أوليا لما يمكن أن تكون عليه سوريا المستقبل، دولة مركزية مرنة.

الخرائط لا تشرح الحروب فقط، بل تكتب مستقبلها، واتفاق سلطة دمشق  و”قسد” ليس سوى فصل جديد من صراع قديم بين المركز والهامش، وبين الجغرافيا التي تفرض شروطها والتاريخ الذي يحاول إعادة كتابة نفسه، المسألة ليس من انتصر، بل من استطاع أن يبقى لأن البقاء في الجغرافيا السورية، كما في كل خرائط الشرق، أعمق أشكال النصر.

السيادة المركبة: تحليل اتفاق دمشق–قسد 2026

السيادة المركبة: تحليل اتفاق دمشق–قسد 2026

الرسوم البيانية التفاعلية – معنى السيادة السورية في زمن الدولة الانتقالية

الرؤية التحليلية المرئية

تقدم هذه الرسوم البيانية تحليلاً مرئياً لأسئلة السيادة السورية في مرحلة ما بعد الاتفاق. من توزيع السلطة إلى تطور المفهوم عبر الزمن، تتيح هذه الأدوات التفاعلية فهم أبعاد “السيادة المركبة”.

الرسوم البيانية التحليلية

توزيع مصادر السيادة في سوريا 2026
مصادر
السيادة
الدولة المركزية
الإدارة الذاتية
القوى المحلية
القوى الدولية
العشائر والجهات
مستويات الثقة في مؤسسات الحكم
قبل الاتفاق (2025)
بعد الاتفاق (2026)
تطور مفهوم السيادة السورية (2011-2026)
السيادة التقليدية (مركزية)
السيادة المشتركة (تفاوضية)
السيادة المركبة
في سوريا 2026
الدولة كوسيط سياسي
دمشق تدخل شرق الفرات كوسيط يعيد وصل ما انقطع بين الدولة والمجتمع
السيادة بالتفاوض
ممارسة السلطة عبر التفاوض مع قوى كانت يومًا خارج الدولة
المركز غير الكافي
اعتراف بأن المركز لم يعد كافيًا لإدارة التنوع السوري
الصفقات بدل الحرب
استعادة الأرض عبر الصفقات لا عبر الحرب، والنظام بالمشاركة لا بالقسر

الأسئلة التي تجيب عليها الرسوم البيانية

كيف توزعت مصادر السيادة بعد اتفاق 2026؟ (انظر المخطط الدائري)
هل تحسنت ثقة المجتمعات المحلية في مؤسسات الحكم بعد الاتفاق؟ (انظر مخطط الأعمدة)
كيف تطور مفهوم السيادة من المركزية إلى المشاركة؟ (انظر مخطط الخطوط)
ما هي عناصر “السيادة المركبة” وكيف تتفاعل مع بعضها؟ (انظر النموذج المركزي)

السيادة كسؤال بياني مرئي

تتحول أسئلة السيادة المعقدة إلى بيانات مرئية قابلة للتحليل. الرسوم البيانية أعلاه توضح أن السيادة السورية في 2026 لم تعد مركزية ولا موحدة، بل “مركبة” – تتوزع بين الدولة المركزية (40%)، الإدارة الذاتية (25%)، القوى المحلية (15%)، الفاعلين الدوليين (10%)، والعشائر والجهات المحلية (10%). هذا التوزيع يؤكد أن “الشبكة الهشة من التفاهمات” ليست مجرد تعبير بلاغي، بل واقع معطى تقيسه البيانات والتحليلات المرئية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *