منذ بدايات القرن الحادي والعشرين، كانت الجغرافيا السورية مسرحا متنازعا عليه أكثر مما كانت وطنا متّسقاً في بنيته السياسية والاجتماعية، فالدولة السورية، الممتدة من شواطئ المتوسط إلى الفرات، ومن سفوح جبل الشيخ إلى بادية التنف، ظلت رهينة موقعها لا سيّدته.
في العشرين من كانون الثاني 2026، تبدو سوريا بلدٌ موحّد في الشكل، متصدّع في الجوهر، يوازن بين الأطراف المتنافرة لا بين القوى المتكاملة.
الجغرافيا السياسية هنا ليست وصفا للأرض، بل تشريحٌ للقوة، وما يميز المرحلة الراهنة هو أن التوازن الداخلي السوري، بعد عام من سقوط النظام القديم وبداية المرحلة الانتقالية، يتخذ شكلاً “متذبذباً ومتشظياً”، كما تصفه التقارير الأممية، وتوازن يقوم على هشاشة أكثر مما يقوم على صلابة، وعلى إدارة تناقضات أكثر مما يقوم على تجاوزها.
مركزية جديدة فوق أرض غير مستقرة
تعيد دمشق في 2026 فرض سيطرة مركزية متزايدة على الشمال والشرق السوريين، وهي مناطق كانت حتى وقت قريب خارج نطاق نفوذها الفعلي، فمحافظات الحسكة والرقة ودير الزور، التي شكّلت قلب السيطرة الكردية – الأمريكية سابقاً، تشهد الآن عودة رمزية للعلم السوري فوق مؤسساتها المدنية والعسكرية.
هذا “الاسترجاع” لا يعكس بالضرورة إعادة بناء للسيادة الوطنية بقدر ما يعبر عن إعادة انتشار للسلطة التقليدية، فتحافظ الدولة على حضورها عبر شبكات محلية هجينة: مجالس مدنية تخضع لتوجيهات سلطة دمشق، وقيادات عشائرية تموَّل من المركز، ووحدات عسكرية مندمجة شكلياً فقط في الجيش النظامي، هذه البنية “اللامتماسكة” تمنح الانطباع بوجود دولة، لكنها تخفي غياب العمق المؤسساتي.
من منظور الجغرافيا السياسية، فإن ما يجري هو مركزية من دون مركز فعلي، فالعاصمة لا تمسك الأرض إلا بقدر ما تسمح به الولاءات المتغيرة، بينما تبقى الأطراف، ولا سيما الفراتية منها، في حالة انتظار لتسوية دائمة لم تأتِ بعد.
وقف النار الهشّ: من التسوية العسكرية إلى اختبار الشرعية السياسية
تشهد الساحة السورية منذ مطلع كانون الثاني 2026 حالة هدنة متعثّرة بين الحكومة المركزية في دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، جاءت نتيجة ضغوط دولية وإقليمية متقاطعة أكثر مما جاءت نتيجة توافق داخلي مستقر، وتم توقيع الاتفاق الأخير في 14 كانون الثاني بجهد أمريكي بطيء، ونصّ على وقف شامل لإطلاق النار، وانسحاب التشكيلات العسكرية الكردية من غرب الفرات، ودمج عناصرها تدريجياً ضمن مؤسسات الجيش والشرطة السورية، مقابل التزام حكومي بإعادة هيكلة الإدارة المحلية في محافظات الحسكة والرقة ودير الزور بما يضمن التمثيل المتوازن للمكوّن الكردي والعشائري.
إلا أن التطورات الميدانية التي تلت توقيع الاتفاق كشفت عن هشاشة بنيوية في ترتيبات وقف النار، فتحولات الاشتباكات المتفرقة إلى معركة للسيطرة على كل مناطق قسد، ما أظهر محدودية السيطرة الفعلية للقيادات السياسية على الوحدات الميدانية، ويعود هذا التناقض إلى غياب الثقة المتبادلة، وإلى الطبيعة المركّبة لقسد كتحالف فصائلي غير متجانس، يعتمد على شبكات محلية متباينة الولاءات والارتباطات الخارجية.
من منظور الجغرافيا السياسية، تكتسب المناطق المشمولة بالهدنة أهمية استراتيجية بالغة، كونها تشكّل عقدة الربط بين الشمال الزراعي والشرق النفطي، وبين الحدود التركية من جهة والعمق العراقي من جهة أخرى، فالسيطرة عليها تمثل رهاناً مزدوجاً اقتصادياً وأمنياً لا يمكن اختزاله في بعد رمزي أو سياسي فقط، كما أن عملية دمج المقاتلين الأكراد في القوات النظامية، رغم أهميتها من حيث الشكل، ما تزال محكومة باعتبارات مناطقية وإثنية تجعلها أقرب إلى تسوية مؤقتة منها إلى اندماج مؤسسي مستدام.
إن ما يمكن تسميته اليوم بـ”السلام المتوتر” يُعبّر بدقة عن الحالة السورية الراهنة؛ فالتوازن العسكري القائم هو توازن قلق تحكمه ديناميات الردع المتبادل لا منطق العقد الاجتماعي أو الشراكة السياسية، ومع تراجع الضغط الدولي وانحسار الرقابة الإقليمية المباشرة، انهارت الهدنة ودخلت البلاد في دوامة اللااستقرار وبصورة أكثر تعقيداً.
هوية تبحث عن نفسها
رغم أن منح الحكومة الانتقالية الجنسية الكاملة للأكراد واعترافها باللغة الكردية كلغة وطنية ثانية يُعدّ خطوة إيجابية في الشكل، فإنها تبقى إجراءً رمزياً أكثر منها تحولاً بنيوياً في مفهوم الهوية الوطنية، فالمسألة لا تتعلق بالاعتراف اللغوي أو القانوني فحسب، بل بمدى استعداد الدولة لإعادة توزيع السلطة والتمثيل على نحوٍ يعكس هذا التنوع واقعاً لا شعاراً، فـ”السوريّة” في خطاب المرحلة الانتقالية هوية مُعلنة أكثر مما هي مُتحققة، تُستخدم لتجميل المشهد السياسي أكثر من كونها مشروعاً جامعاً يعيد تأسيس المواطنة على قاعدة المساواة والتعدد.
الهوية الوطنية ليست مجرد نصوص قانونية، بل نتاج تفاعل طويل بين الذاكرة والمكان والسلطة، ففي مناطق الجنوب والوسط، ما زالت خطوط التصدّع الطائفية والمناطقية تشكّل عائقاً أمام بناء ثقة جماعية، أما في الشمال الشرقي، فالعلاقة بين العرب والكرد، رغم التهدئة الشكلية، ما تزال مشوبة بالحذر والشكوك المتبادلة.
تنعكس الجغرافيا السورية اليوم كمرآة دقيقة للانقسام الثقافي والاجتماعي؛ فكل منطقة تملك سرديتها الخاصة عن الوطن، وترسم مفهومها للمركز من زاويتها الخاصة، فلم تعد “السوريّة” هوية موحَّدة بقدر ما غدت فسيفساء من الانتماءات المتجاورة والمتنافسة، ينتج عنها وطن واحد في الجغرافيا، لكنه متعدد الجغرافيات السياسية ومتباين الذاكرات والهويات.
الأمن والمصالحة المؤجّلة
لا يمكن قراءة الوضع السوري اليوم بمعزل عن البنية الأمنية التي تظل قائمة كإرث للحرب، فبين بقايا خلايا تنظيم الدولة، وعودة الفصائل الجهادية، وازدياد التوترات العشائرية في دير الزور والرقة، تبدو الجغرافيا السورية كشبكة أعصاب مضطربة، كل جرح فيها مرشّح للالتهاب.
تميل سلطة دمشق إلى المقاربة الأمنية أكثر من السياسية، فتعيد إنتاج التوتر بدل احتوائه، فالمصالحة الوطنية، التي وعدت بها الحكومة الانتقالية، ما تزال حبيسة المؤتمرات والبيانات، فلا مصالحة من دون عدالة، ولا عدالة من دون كشف للحقيقة، ما يجعل الأمن السوري الراهن استقراراً فوق فوهة بركان.
الاقتصاد: الجغرافيا المرهقة
الاقتصاد السوري، في جوهره جغرافي يعتمد على الزراعة والمياه والطرق الإقليمية والطاقة، لكن الحرب أفقدت الجغرافيا الاقتصادية توازنها، فالمناطق المنتجة، الجزيرة والفرات، كانت خارج السيطرة لسنوات، والموانئ تضررت بفعل الصراع والعقوبات، والمراكز الصناعية في حلب وحمص لم تستعد عافيتها.
في العامين الأخيرين، شهدت البلاد موجة تضخم غير مسبوقة، وهجرة واسعة للعقول الشابة، وانكماشاً في القطاعات المنتجة، غياب رؤية اقتصادية وطنية متكاملة يحول دون أي انتعاش فعلي.
الجغرافيا التي كانت يوماً مصدر قوة، أصبحت عبئاً: بادية مترامية بلا إنتاج، وساحل مثقل بالتهريب، وحدود مفتوحة على اقتصاد الظل.
يتحول الضغط الاقتصادي إلى عامل سياسي محدد، إذ يستخدم كأداة تفاوض بين دمشق والمانحين الدوليين. لكن هذا الدعم، كما تشير الوقائع، مشروط بالإصلاح والشفافية وهما شرطان لم يتحققا بعد.
الدعم الدولي المشروط: الجغرافيا كرهينة للسياسة العالمية
سوريا اليوم ليست في عزلة كما كانت قبل عقد، لكنها أيضاً ليست حرة الحركة، الدعم الدولي للحكومة الانتقالية من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، مشروط بمطالب خاصة لها علاقة بمصالح الدول الاقليمية وعلى رأسها اسرائيل، مع ترتيبات اللامركزية السياسية.
في المقابل، أصبحت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الفاعلين الأساسيين في رسم الإطار السياسي والاقتصادي للمرحلة الانتقالية، من خلال دعمٍ مشروط بالإصلاح المؤسسي واحترام حقوق الأقليات ولو كإطار شكلي، وتثبيت وقف إطلاق النار، فباتت السيادة السورية موزعة بين التزاماتٍ خارجية ثقيلة وضغوطٍ داخلية متزايدة، ما جعل الدولة تتحرك في هامش محدود من الاستقلالية.
لم يعد توازن القوى في الميدان السوري محلياً بحتاً؛ بل أصبح انعكاساً لتقاطع المصالح بين واشنطن والعواصم الإقليمية، من أنقرة والرياض إلى بغداد وبروكسل، فتتحول الجغرافيا السورية مجدداً إلى ساحة اختبار لتوازنات النفوذ الدولي والإقليمي، أكثر مما هي مجالٌ فعليّ لتبلور سياسة وطنية مستقلة ومستقرة.
توازن فوق الرمال المتحركة
يمكن توصيف التوازن الداخلي السوري في مطلع 2026 بأنه توازن هشّ قائم على توازي خطوط الانقسام أكثر مما هو على التقاء المصالح، فالدولة استعادت الخريطة لا المجتمع، والمركز توسّع إدارياً لكنه لم يترسخ سياسياً، فالهدوء العسكري يخفي هشاشة اجتماعية، والتهدئة الإقليمية تخضع لتبدّل مصالح القوى الكبرى.
لا يمكن فهم سوريا اليوم إلا كـ”نظام جغرافي في حالة سيولة”، فالأرض لم تعد ثابتة في المعنى السياسي، والمجتمع لم يندمج في فضاء وطني واحد، بينما السلطة ما زالت تتكيّف مع التناقضات أكثر مما تسعى إلى حلّها.
التوازن الذي نراه ليس نهاية الصراع بل هدنة بين دورات التاريخ والجغرافيا، وربما يكون درسه الأهم أن من يملك الأرض لا يملك بالضرورة السلطة، ومن يفرض الأمن لا يصنع بالضرورة السلام.
سوريا، بعد خمسة عشر عاماً من الحرب دولة في اختبار دائم لذاتها ما بين الجغرافيا والذاكرة، والمركز والأطراف، والرغبة في الوحدة والحذر من ضياع الهوية الوطنية والخصوصية الحضارية المتنوعة.
سوريا بين الجغرافيا والسياسة: التوازن الداخلي الهشّ في مطلع 2026
الهشّ
التوازن
مسار وقف النار الهش: من التسوية العسكرية إلى اختبار الشرعية
الهشاشة

