السياسة الأمريكية في سوريا: من صراع الجغرافيا إلى حكمها.. قراءة في تصريحات ترامب وباراك

في كل مرة تعلن فيها واشنطن “تغييرا” في سياستها تجاه سوريا، يتهيأ العالم لخطوة عسكرية أو تفاهم دبلوماسي جديد، لكن التصريحات الأخيرة لكل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومبعوثه الخاص توماس باراك لا تشي بمجرد تعديل تكتيكي، بل توحي بتبدل أعمق في العقل الاستراتيجي الأمريكي نفسه تجاه المسألة السورية.

وراء الكلمات المحسوبة التي صدرت خلال الأيام الماضية، تلوح خريطة ذهنية جديدة ترسمها الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط؛ خريطة تقوم على إعادة توزيع الأدوار داخل الإقليم بما يخدم استقرارا وظيفيا يضمن مصالح واشنطن في زمن تراجع الانخراط العسكري المباشر.

من الجغرافيا إلى الضبط الجيوسياسي

في خطاب توماس باراك الذي قال فيه إن “دور قوات سوريا الديمقراطية في مكافحة داعش قد انتهى إلى حد كبير”، تبدو اللغة في ظاهرها تقنية، ولكنها تكشف عن تحول المفاهيم في الرؤية الأمريكية، فالقوة التي شكلت طوال عقد الذراع المحلية للتحالف الدولي لم تعد، بنظر واشنطن، ضرورة جغرافية؛ إذ تغير موقعها في معادلة السيطرة.

لا يمكن فهم هذا القرار إلا بوصفه تحويلا في الجغرافيا السياسية؛ فالولايات المتحدة لم تعد ترى في شمال شرق سوريا “مساحة عسكرية” بل “حيزا إداريا” ينبغي أن يعاد إلى السلطة المركزية تحت إشراف أمني إقليمي، وواشنطن تمهد لمرحلة من “الصراع الجيوسياسي” إلى “الإدارة الجيوسياسية”.

الدعوة التي وجهها باراك للكرد للاندماج في الدولة السورية ليست مصالحة أخلاقية بقدر ما هي استراتيجية ضبط للمجال، فبدلا من استمرار جيوب مستقلة مرتبطة بالولايات المتحدة، تسعى واشنطن إلى أن تسلم هذا المجال إلى سلطة دمشق، ولكن تحت سقف تفاهمات أمنية تضمن توازن القوى، فالسياسة الأمريكية الجديدة في سوريا تسعى إلى ضبط النفوذ الخارجي المتضارب، بدلا من ترك المجال مفتوحا لتوسع غير محدود من أي طرف خارجي.

ترامب وسياسة “التحكم عن بعد”

تصريحات ترامب، التي أثنت على أداء الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، تندرج ضمن ما يمكن وصفه بسياسة التحكم عن بعد (remote control)  فهو لا يمد سلطة دمشق بشرعية كاملة، لكنه يمنحها “تفويضا عمليا” لإدارة الأرض في مواجهة بقايا تنظيم الدولة، مع احتفاظ واشنطن بحق التدخل الاستخباراتي واللوجستي متى شاءت.

يلتقي ترامب مع مدرسة سياسية ترى أن الفراغ في الشرق الأوسط لم يعد يملأ بالقواعد العسكرية، بل بالتفاهمات المرنة، فالولايات المتحدة في عهدها الجديد لا تبحث عن الاحتلال، بل عن إعادة ترسيم المشهد بحيث تبقى الممرات الحيوية والطاقة والحدود مع العراق وتركيا تحت إشرافها غير المباشر.

إنها مقاربة لحروب ما بعد الاستعمار، حين تتحول الجغرافيا من ساحة قتال إلى نظام من “المناطق الرمادية” تدار عبر وكلاء محليين وتفاهمات دولية.

من “سوريا المفيدة” إلى “سوريا القابلة للإدارة”

إذا تأملنا الخريطة السورية بعد عام 2024، نجد أن واشنطن لم تعد معنية بموازين القوى في إدلب أو حلب بقدر ما تركز على الممر الممتد من دير الزور إلى الحسكة، حيث تتقاطع المصالح النفطية والأمنية مع خطوط النفوذ التركي.

التصريحات الأخيرة ليست سوى إعلان رسمي عن مرحلة ما بعد الجغرافيا الكردية، حيث تختزل سوريا إلى مفهوم جديد هو “سوريا القابلة للإدارة”، فلا تسعى واشنطن إلى تقسيم رسمي، لكنها تمارس تقسيما وظيفيا:

  • سلطة دمشق تسيطر سياسيا وأمنيا ضمن نطاق محدد.
  • أنقرة تحافظ على شريطها الحدودي،
  • والولايات المتحدة تظل “المنسق الأعلى” الذي يضبط الإيقاع بين هذه الأطراف.

وفق هذا التصور تتحقق علاقة من يملك تحديد وظيفة المكان، يملك التحكم بالسياسة.

ما وراء الخطاب — من مكافحة الإرهاب إلى هندسة النفوذ

حين يقول ترامب إن الولايات المتحدة “أوقفت الفوضى في سجون داعش” بالتعاون مع الحكومة السورية، فهو في الواقع يعلن تحولا في تعريف “الإرهاب” نفسه، فالإرهاب لم يعد عدوا أيديولوجيا، بل أداة معيارية لتبرير إعادة توزيع السلطة.

الولايات المتحدة، منذ انسحابها الجزئي عام 2019، لم تترك سوريا فراغا، بل أطلقت ما يمكن تسميته بـ”الهندسة المرنة للنفوذ”؛ سياسة تتيح لها التدخل عبر أدوات غير عسكرية:

  • العقوبات الاقتصادية الذكية التي تعيد تشكيل شبكات التمويل.
  • الدبلوماسية الإنسانية التي تمنح شرعية للعودة التدريجية للدولة السورية تحت رقابة دولية.
  • الاتفاقات النفطية التي تبقي خطوط الإنتاج والتصدير ضمن الرقابة الأمريكية غير المباشرة.

في ضوء هذه الأدوات، يغدو التصريح الأميركي عن “انتهاء دور الـSDF” خطوة في مشروع أوسع هو إعادة تأهيل الجغرافيا السورية بما يخدم نظاما إقليميا جديدا.

سوريا كمرآة للتحول الأمريكي

عمليا لا يمكن اختزال الجغرافيا في الخرائط فقط، فسوريا ليست “إقليما مضطربا” فحسب، بل نقطة انعكاس لتوازن القوة العالمية، وما تفعله واشنطن اليوم هو اختبار لمبدأ أكبر: هل يمكن للإمبراطورية أن تحافظ على نفوذها دون حضور مباشر؟

الإجابة الأمريكية حتى الآن نعم، بشرط أن يتحول النفوذ إلى نظام مرن من الوكلاء والشراكات المؤقتة، ويبدو المبعوث توماس باراك أشبه بمهندس إداري أكثر منه دبلوماسيا، فيتحدث عن “الاندماج الكردي” و”الشراكة المجتمعية” بلغة محايدة، لكنها تخفي خلفها تصورا كاملا لإعادة بناء السلطة في سوريا عبر تحويلها إلى عقدة من شبكة نفوذ إقليمية تتحكم واشنطن في مفاصلها غير المرئية.

الجغرافيا المتغيرة وعودة الدولة كأداة

المفارقة الكبرى في التفكير الأمريكي الجديد هي أنه يعيد الاعتراف بالدولة السورية كفاعل ضروري، لكن هذا الاعتراف ليس استسلاما، لأنها صاغت السلطة وفق مصالحها وأعادت توظيفها، فالولايات المتحدة تدرك أن بقاء مؤسسات الدولة – ولو بشكل هش – يخلق بيئة يمكن إدارتها، على عكس الفوضى المفتوحة.

من هنا يمكن قراءة تصريح ترامب عن “دعم الشرع” باعتباره شرعنة مقننة للدولة، تتيح لواشنطن أن تتعامل مع سلطة دمشق كشريك في الأمن، دون أن تمنحها شرعية سياسية كاملة.

إنها صيغة جديدة من “الوصاية المرنة” عبر التحكم الجيوسياسي في مجالات النفوذ دون الحاجة إلى الاحتلال.

بين الواقعية الجديدة والرهان الإقليمي

تسعى واشنطن في هذه المرحلة إلى خلق توازن بين الواقعية السياسية والبراغماتية الجغرافية، فهي تدرك أن انسحابها الكامل سيفتح الباب أمام تحالفات تتناقض مع مصالحها، وبقاؤها العسكري المكثف بات عبئا داخليا، لذا فهي تختار طريقا ثالثا من خلالإدارة التوازنات عبر الآخرين، وتشرك أنقرة حينا، وتهادن موسكو حينا آخر، وتفتح الباب أمام سلطة دمشق كي تمارس السيادة ضمن حدود مرسومة، فتدار الجغرافيا لا كميدان حرب، بل كلوحة تحكم متعددة الأزرار.

إذا استمر هذا النهج، فإن سوريا التي ستتشكل في السنوات المقبلة لن تكون “سوريا القديمة” ولا “سوريا المقسمة”، بل سوريا معاد هندستها جيوسياسيا لتكون حلقة وسطى بين الشرق والغرب، والمحور الإيراني والفضاء المتوسطي، وبين النفوذ الروسي والحضور الأمريكي.

الحديث عن “الاستقرار” أقرب إلى التحكم بالزمن الجغرافي، عبر القدرة على تجميد الصراع ضمن مستوى يمكن التنبؤ به والسيطرة عليه، وهذه بالضبط هي روح التفكير الأمريكي الجديد؛ تحويل الجغرافيا السورية من فضاء ثائر إلى مجال يمكن التعايش معه دون كلفة عالية.

من الحرب إلى الإدارة

ما تتجه نحوه واشنطن ليس انسحابا ولا انتصارا، بل تحول نوعي في فلسفة الهيمنة، فالإدارة الأمريكية اليوم تفكر في سوريا كما يفكر الجغرافي في الخريطة؛ لا كحدود ثابتة، بل كعلاقات قوة متغيرة.

في ضوء هذا التحول، تغدو التصريحات الأخيرة لترامب وباراك علامات على ولادة جغرافيا سياسية جديدة في الشرق الأوسط لا تصنعها المدافع بل الحسابات، ولا ترسم بالتحالفات فقط، بل بالموازنة الدقيقة بين الأطراف المحلية والإقليمية والدولية.

أدركت واشنطن أن السيطرة لم تعد تقاس بمساحة الأرض التي تحتلها، بل بمستوى النفوذ الذي تستطيع ممارسته من بعيد،  وسوريا، مرة أخرى، تصبح المختبر الأكثر حساسية لهذه الحقيقة الجيوسياسية.

التحول الهادئ: إعادة تعريف الجغرافيا السياسية لسوريا

التحول الهادئ: كيف تعيد واشنطن تعريف الجغرافيا السياسية لسوريا؟

تحليل للتحول الاستراتيجي الأمريكي من الجغرافيا العسكرية إلى الإدارة الجيوسياسية عبر أدوات النفوذ المرنة

تم تحسين العرض للأجهزة المحمولة. قم بتدوير الشاشة أفقياً للحصول على تجربة أفضل.

النموذج الاستراتيجي الجديد

من الجغرافيا إلى الضبط الجيوسياسي
تحول الولايات المتحدة من رؤية شمال شرق سوريا كـ”مساحة عسكرية” إلى “حيز إداري” يعاد إلى السلطة المركزية تحت إشراف أمني إقليمي.
التحكم عن بعد (Remote Control)
سياسة تمنح دمشق “تفويضاً عملياً” لإدارة الأرض مع احتفاظ واشنطن بحق التدخل الاستخباراتي واللوجستي متى شاءت.
سوريا القابلة للإدارة
تحويل سوريا إلى مفهوم جديد يتم تقسيماً وظيفياً بين دمشق (سياسياً وأمنياً)، أنقرة (الشريط الحدودي)، وواشنطن (المنسق الأعلى).

أدوات النفوذ المرنة

العقوبات الاقتصادية الذكية: إعادة تشكيل شبكات التمويل والاقتصاد السوري
الدبلوماسية الإنسانية: منح شرعية للعودة التدريجية للدولة السورية تحت رقابة دولية
الاتفاقات النفطية: الحفاظ على خطوط الإنتاج والتصدير ضمن الرقابة الأمريكية غير المباشرة
الهندسة المرنة للنفوذ: التدخل عبر أدوات غير عسكرية مع إعادة توزيع السلطة

مسار التحول الأمريكي

قبل 2019
النموذج التقليدي: الاعتماد على القوات المحلية (قسد) كذراع عسكرية والوجود العسكري المباشر
2019-2023
مرحلة الانتقال: انسحاب جزئي وتحول نحو “الهندسة المرنة للنفوذ” عبر أدوات غير عسكرية
2024 وما بعد
النموذج الجديد: إعلان انتهاء دور قسد رسمياً والتحول إلى “سوريا القابلة للإدارة” عبر الضبط الجيوسياسي

الفاعلون في المعادلة الجديدة

الولايات المتحدة
“المنسق الأعلى” – يضبط الإيقاع بين الأطراف ويحافظ على النفوذ غير المباشر
الحكومة السورية (دمشق)
تسيطر سياسياً وأمنياً ضمن نطاق محدد تحت “تفويض عملي” أمريكي
تركيا (أنقرة)
تحافظ على شريطها الحدودي ضمن التفاهمات الأمنية الأمريكية
روسيا وإيران
أطراف إقليمية يتم موازنة نفوذها ضمن نظام “الإدارة الجيوسياسية” الأمريكي

المقارنة: النموذج القديم vs النموذج الجديد

الخريطة الجيوسياسية المعاد هندستها

“ما تتجه نحوه واشنطن ليس انسحاباً ولا انتصاراً، بل تحول نوعي في فلسفة الهيمنة، فالإدارة الأمريكية اليوم تفكر في سوريا كما يفكر الجغرافي في الخريطة؛ لا كحدود ثابتة، بل كعلاقات قوة متغيرة.”

الاستنتاجات الرئيسية

التحول من الاحتلال إلى الإدارة: واشنطن تتحول من الوجود العسكري المباشر إلى نظام “الوصاية المرنة” عبر التحكم الجيوسياسي
إعادة تعريف الإرهاب: تحويل “الإرهاب” من عدو أيديولوجي إلى أداة معيارية لتبرير إعادة توزيع السلطة
الهيمنة عن بعد: السيطرة لم تعد تقاس بمساحة الأرض المحتلة بل بمستوى النفوذ الذي يمكن ممارسته من بعيد
سوريا كمختبر جيوسياسي: سوريا تصبح مختبراً لحرب ما بعد الاستعمار حيث تتحول الجغرافيا من ساحة قتال إلى نظام من “المناطق الرمادية”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *