في الجغرافيا السياسية، لا تعني السيادة مجرد خطوط على خريطة، بل قدرة الجغرافيا على إنتاج السلطة وإعادة توزيعها في فضاءات ملموسة ومرئية، وما حدث في سوريا خلال عام 2025–2026 ليس حكاية نظام يتبدل، بل معركة على الجغرافيا نفسها؛ من الساحل إلى الجنوب الشرقي، ومن الفرات إلى الشمال الغربي.
وسط هذا التغير، يظهر الوجود الروسي ليس كقوة تهيمن على الفضاء، بل كـ”قطعة جغرافية عالقة” بين الحفاظ على مواقع استراتيجية وإعادة قراءة موقعها في خريطة القوة السورية.
الجغرافيا الروسية: من السيطرة إلى الوجود المعاير
في إطار العلاقات المتجددة بين روسيا وسوريا، يمكننا تفسير الحضور الروسي عبر مفهوم الفضاء المنظم، من خلال وجود لم يعد مرهونا بسيطرة مطلقة على الأرض، بل بإدارة مواقع مختارة يعاد تنظيمها وفق موازين القوى الإقليمية.
فالوجود الروسي لم يعد مرهونا بسيطرة مطلقة على الأرض، بل بـ إدارة مواقع مختارة، مع إعادة تعريف طبيعة العلاقات على أساس السيادة والنفوذ المتوازن لا التبعية المطلقة.
ظهر هذا بوضوح في مباحثات بين وزيري الخارجية والدفاع السوريين والروس في موسكو ودمشق في نهاية 2025، حيث سعت موسكو وسلطة دمشق إلى إعادة ضبط بوصلة العلاقات على أساس الثقة المتبادلة وتوسيع التعاون في مجالات محددة مثل الطاقة والبنية التحتية، بدل الهيمنة الأمنية التقليدية.
في هذه الجولة من العلاقات، لا يرى الروس أنفسهم في موقع تقرير كل شيء في سوريا، فالدولة السورية الجديدة في سلوكها، بدلت كل عناصر علاقتها إقليميا ودوليا، وغيرت حتى الرؤية المرتبطة بالدول، وتصر على أن تكون الشراكة مع موسكو ذات جدوى متبادلة لا مجرد امتداد نفوذ قديم.
هذه عملية لا تفهم بوصفها وجودا صلبا، وإنما كهوية جغرافية قابلة للتفاوض، فروسيا تحتفظ بقواعدها العسكرية، لكنها تسعى أيضا إلى تأطير وجودها ضمن معادلات متعددة القوى بدل احتكارها.
ساحل المتوسط: موقع رمزي في ظل واقع هجين
في سوريا يبقى الساحل والمناطق المحيطة بكل من طرطوس وحيميم المكان الذي يظهر العلاقة الروسية بأوضح شكل جغرافي، حيث لا يزال الوجود العسكري قائما، لكنه لم يعد يسيطر على ديناميكيات المنطقة كما في حقبات سابقة، بل هو وجود لديه وظيفة مزدوجة:
- رمزية تمثل استمرارا لارتباط جغرافي طويل الأمد بين موسكو وشرق المتوسط.
- عملية محدودة من خلال التنسيق الأمني وربما بعض الأنشطة اللوجستية، وليس كقوة إمبراطورية تتحكم في الفضاء.
الجغرافيا هنا تخبرنا أنه لم يعد هناك “سيطرة كلية على الساحل”، بل احتفاظ بتأثير محدود ضمن فضاء أوسع يتحرك بين ولاءات محلية وإقليمية متعددة.
الجنوب والشرق: انفتاح متوازن على النفوذ الدولي
فيما يتقدم المشهد الجغرافي نحو الداخل والشرق، تتبلور علاقة دمشق–موسكو باعتبارها إحدى حلقات سلسلة علاقات متعددة، ففي الجنوب والمناطق الممتدة نحو مركز البلاد، لا يزال النفوذ الروسي موجودا في بعض التنسيقات الأمنية والسياسية، لكنه يقف أمام توازن إقليمي تلعب فيه “إسرائيل” الدور الأكبر، في الشمال الشرقي، وهي رقعة جغرافية تضم موارد استراتيجية (كالنفط والغاز) وقوى محلية فاعلة، لم يعد للروس القدرة على فرض إرادتهم من خارج السياق المحلي، فهناك تواصل وتنسيق بين دمشق والقوى المحلية، في ظل وجود تأثيرات أميركية مستمرة في شمال شرق سوريا، مما يجعل الوجود الروسي أحد عناصر النفوذ ضمن فضاء متعدد القوى بدل قيادة حصرية، ما يجعل الحضور الروسي وجودا جغرافيا ضمن فضاء متعدد القوى بدل قيادة حصرية.
تظهر الجغرافيا السورية كشبكة من القوى، تتنافس وتنسق، وتستغل أي موقع لزيادة نفوذها، وفي هذا الحقل، لم يعد للروس قدرة على فرض سياسات أحادية.
موسكو وسياسة التوازنات الإقليمية
ما حدث خلال العام الماضي أن موسكو باتت أكثر انخراطا في التوازنات الإقليمية بدل الجغرافيا السورية مباشرة:
- رغبة سلطة دمشق حسب تصريحاتهم في إعادة تعريف العلاقة مع موسكو بصيغة تحترم السيادة السورية وتؤسس لشراكة جديرة بالثقة.
- الروس بدورهم أكدوا حرصهم على استمرار التعاون في مجالات اقتصادية وعسكرية محدودة، مع تقليص الوجود العسكري الثقيل لهدف موازنة المشاركة مع وجهات نظر أخرى إقليمية ودولية.
وهنا يتشكل مفهوم الانكفاء الجغرافي الاستراتيجي، وتتحول القوة من سيطرة مباشرة على الأرض إلى نسيج من التواجد المتعدد الأبعاد عبر وجود رمزي والتواجد في نقاط استراتيجية، وشبكة مصالح مرتبطة بعدد من القوى المحلية والإقليمية، بدل الاحتكار التقليدي للنفوذ.
التفاوض على الأرض والهوية الجغرافية
الجغرافيا في سوريا لم تمح بعد؛ بل هي خاصرة رخوة يعاد تشكيلها تباعا من جديد، ويظهر الوجود الروسي كعنصر في منظومة قوة متعددة الأصعدة:
- حضور عسكري محدود يبقي النفوذ الروسي مرئيا.
- جولة دبلوماسية مستمرة تعيد ترتيب العلاقة مع سلطة دمشق.
- محاولات للتعاون في مجالات اقتصادية وسياسية جديدة.
إنها جغرافيا يتم إعادة هندستها من الداخل وتدار بتوازنات إقليمية معقدة.
العلاقات الدولية ليست “تحالفات ثابتة”، بل بنى جغرافية متغيرة تحددها الأرض والهواء والموارد والتاريخ والهوية، التطور الذي شهده العام الماضي في العلاقات السورية–الروسية ليس مجرد إعادة ترتيب سياسي،
بل تحويل من الاحتواء إلى تفاوض، والنفوذ إلى مصالح قابلة لإعادة التوازن، والوجود العسكري إلى شرطي جغرافي ضمن نظام متعدد الأطراف.
الفضاء السوري بعد عام: موسكو كعامل جغرافي تحت شرط الواقع
المفهوم المركزي: “قطعة جغرافية عالقة”
يظهر الوجود الروسي ليس كقوة تهيمن على الفضاء، بل كـ”قطعة جغرافية عالقة” بين الحفاظ على مواقع استراتيجية وإعادة قراءة موقعها في خريطة القوة السورية.
تطور النفوذ الروسي في سوريا
تحول النفوذ الروسي من السيطرة المباشرة إلى الوجود المعاير ضمن فضاء متعدد القوى
الخلاصة: الجغرافيا كخاصرة رخوة
الجغرافيا في سوريا لم تمح بعد؛ بل هي خاصرة رخوة يعاد تشكيلها تباعاً من جديد. العلاقات الدولية ليست “تحالفات ثابتة”، بل بنى جغرافية متغيرة تحددها الأرض والهواء والموارد والتاريخ والهوية.

