في نهاية عام 2025، أطلق مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا فتوى تجيز استبدال العملة السورية الجديدة بعد حذف صفرين منها، مؤكدا أن الإجراء تنظيمي ولا يمس الحقوق أو الالتزامات الشرعية، تزامن ذلك مع ترحيب رسمي من مصرف سوريا المركزي، الذي وصف الفتوى بأنها “سند شرعي وعلمي” يعزز الثقة بالإجراء النقدي.
لكن هذا التلاقي بين الخطاب الديني والمؤسسة النقدية يطرح سؤالا جوهريا حول طبيعة استقلالية المصرف المركزي السوري، وهل ما حدث يمثل تكاملا بين الدين والاقتصاد، أم تعويضا رمزيا عن ضعف الثقة بالأدوات النقدية ذاتها؟
من التنظيم إلى الرمزية: فتوى في زمن الشك النقدي
لم تكن الفتوى الصادرة عن مجلس الإفتاء الأعلى خروجا عن المنطق الشرعي؛ فهي في جوهرها تتعامل مع واقعة تنظيمية – حذف صفرين من العملة – بوصفها تصحيحا إداريا لا يخل بالحقوق. لكنها، من حيث المضمون، تفترض استقرارا مؤسسيا واقتصاديا لا تملك أدوات التحقق منه.
الفتوى تمنح شرعية معيارية وتعتبر الإجراء “يجوز” لكنها لا تقدم ضمانة نقدية بأنه سيحقق الاستقرار أو يمنع التضخم، فالخطاب الفقهي بطبيعته ينظم السلوك الأخلاقي في المعاملات، لكنه لا يقيس أثر القرارات الاقتصادية على القيمة الشرائية أو سعر الصرف.
عمليا حين تتحول الفتوى إلى عنصر طمأنة نقدية، لا تبقى مجرد رأي فقهي، بل تصبح جزءا من البنية الرمزية للسياسة النقدية، وهي لحظة خطيرة لأنها تنقل مركز الثقة من الأدوات إلى الرموز، ومن المؤسسات إلى المرجعيات.
المصرف المركزي بين الاستقلال والاحتفاء
في النظريات الاقتصادية الحديثة، تفهم استقلالية المصرف المركزي على أنها آلية مؤسساتية لحماية النقود من السياسة قصيرة الأجل، لا كقيمة أخلاقية في ذاتها، فالمصرف المستقل يحدد أهدافه، ويشرح أدواته، ويحاسب على نتائجه، ضمن أفق زمني يتجاوز دورة السياسة اليومية.
لكن في الحالة السورية، لم تعد المشكلة في الاستقلال الإداري أو القانوني فقط، بل في استقلالية الخطاب نفسه، فحين يصف حاكم مصرف سوريا المركزي الفتوى بأنها “سند علمي وشرعي”، فهو يدمج الخطاب الديني في البنية التفسيرية للسياسة النقدية، ويحول النقاش من نطاق الكفاءة إلى نطاق الشرعية.
فقد المصرف المركزي لغته، فلم يعد يشرح سياسته بأدوات الاقتصاد مثل معدلات الفائدة، والسيولة، والتوقعات التضخمية، بل بلغة الثقة الرمزية التي لا يمكن قياسها أو مساءلتها، فيتحول من صانع سياسة نقدية إلى وسيط طمأنة اجتماعية.
الفرق بين الشرعية والضمانة
الخلط بين الشرعية والضمانة هو قلب الأزمة النقدية السورية اليوم:
- الشرعية المعيارية تجيب عن سؤال الجواز: هل يجوز استبدال العملة؟
- الضمانة النقدية تجيب عن سؤال الكفاءة: هل يحقق هذا الاستبدال استقرارا فعليا؟
وحين تستبدل الضمانة بالشرعية، تتحول السياسة النقدية إلى إجراء رمزي، لا يحاسب عليه أحد، فإذا نجحت الخطة، ينسب النجاح إلى “حكمة القرار”، وإن فشلت، يحال الإخفاق إلى “الظروف” أو “سوء التطبيق”، وبهذه البنية، تضيع المسؤولية المؤسساتية، ويلغى مبدأ المحاسبة كأحد أركان السياسة النقدية الحديثة.
استقلالية الخطاب كشرط للسياسة النقدية
الأبحاث الاقتصادية الحديثة، من “فين كيدلاند” و “إدوارد بريسكوت” إلى ” آلان بليندر”، أظهرت أن التواصل النقدي ليس شكلا من أشكال العلاقات العامة، بل أداة سياسة قائمة بذاتها، فطريقة تواصل المصرف مع الأسواق والجمهور تحدد مدى استقرار التوقعات الاقتصادية.
حين يكون الخطاب النقدي واضحا، يمكن محاسبة المصرف على التزاماته، أما عندما يغلف القرارات بلغة أخلاقية أو رمزية، فإنه يفقد القدرة على بناء التوقعات المستقرة، ويقحم الاقتصاد في منطقة الغموض، وهذا بالضبط ما يحدث في سوريا حيث الخطاب الديني يستخدم لتفسير ما يفترض أن يفسر بالأرقام.
استقلالية المصرف المركزي لا تعني فقط ألا يؤمر من السلطة السياسية، بل أيضا أن لا يفقد لغته التقنية الخاصة، فاللغة ليست أداة للتعبير فقط، بل أداة للسيطرة المؤسسية على المجال النقدي.
بين الأخلاق والسياسة النقدية
ما يميز اللحظة السورية هو هذا الخلط البنيوي بين المجال الأخلاقي والمجال الاقتصادي، فحين يستدعى الدين لتأكيد عدالة الإجراء النقدي، تفهم العدالة بمعناها القيمي لا المؤسساتي، فالعدالة النقدية، إن جاز التعبير، لا تقاس بحسن النية، بل بقدرة النظام النقدي على معاملة جميع الفاعلين بعدالة في السوق، وأن تحافظ الليرة على معناها كأداة قياس، وأن تحمى من التلاعب والمضاربة.
الدين، في وظيفته الأصلية، يوجه الضمير، لا السياسة النقدية، واستخدامه لملء فراغ في الثقة المؤسسية يحوله إلى غطاء بدلا من معيار، وينتج نوعا من الاستقرار الزائف القائم على الطمأنة لا على الكفاءة.
الليرة بين الإيمان والوظيفة
تظهر تجربة استبدال العملة السورية الجديدة أن أزمة السياسة النقدية في البلاد لم تعد أزمة أدوات، بل أزمة لغة وثقة، فالليرة التي كانت يوما رمزا للسيادة الاقتصادية، أصبحت اليوم موضوعا للتبرير الأخلاقي.
الفتوى حاولت تهدئة المخاوف، لكنها في الوقت نفسه كشفت هشاشة الإطار المؤسساتي الذي جعل من الطمأنة بديلا عن الشرح، ومن الشرعية الرمزية بديلا عن الضمانة المؤسسية.
استقلالية المصرف المركزي لا تنهار فقط عندما يملى عليه القرار، بل عندما يعجز عن شرح قراراته بلغة الاقتصاد، وحين يحتاج إلى استعارة شرعية ليبرر فعله.
النقود لا تثق بالنوايا ولا بالمقاصد، بل بالمؤسسات، وما لم تستعد السياسة النقدية السورية لغتها الأصلية، لغة الأرقام والمساءلة ، فإن الليرة ستبقى عالقة بين الإيمان بوعد السماء والإيمان بوعد السوق، في بلد يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى عقلانية صلبة تعيد للمال معناه، وللمؤسسات وزنها.
السياسة النقدية السورية بين الفتوى والوظيفة
التحليل النقدي: الفتوى كبديل عن الثقة المؤسسية
مصادر الثقة في السياسة النقدية السورية: تحول من الأدوات الاقتصادية إلى الرموز الشرعية
الاستقلالية المفقودة
المصرف المركزي السوري فقد استقلالية خطابه عندما وصف الفتوى بأنها “سند علمي وشرعي”، محولاً النقاش من نطاق الكفاءة إلى نطاق الشرعية.
اللغة التقنية المفقودة
المصرف لم يعد يشرح سياسته بأدوات الاقتصاد مثل معدلات الفائدة والسيولة، بل بلغة الثقة الرمزية التي لا يمكن قياسها أو مساءلتها.
الاستقرار الزائف
الفتوى تمنح شرعية معيارية لكنها لا تقدم ضمانة نقدية بأن الاستبدال سيحقق الاستقرار أو يمنع التضخم.

