لم يعد الحديث عن مستقبل سوريا حكر اعلى الخطاب السياسي أو الخرائط العسكرية، بل باتت البيانات والمؤشرات الرقمية أداة أساسية لفهم اتجاهات الاستقرار والصراع، خصوصا في الشمال الشرقي ذي الأغلبية الكردية.
البيانات لا تحسم الصراعات، لكنها تساعدنا على فهم اتجاهها، وعلى التمييز بين ما يتغير فعلا وما يبدو متغيرا فقط في الخطاب.
يمكن في الوضع السوري اجراء قراءة كمية لخمس مجموعات من المؤشرات، جرى تتبعها زمنيا بين عامي 2022 و2026، ثم إسقاط اتجاهاتها المتوقعة حتى عام 2028، والتركيز على الشمال الشرقي السوري والمناطق ذات الغالبية الكردية، التي شكلت خلال العقد الماضي إحدى أكثر ساحات الصراع تعقيدا في البلاد.
المؤشرات الخمسة هي: العنف السياسي، إنتاج النفط، النزوح والعودة، السيطرة الإدارية، والعلاقات الدبلوماسية، ودراستها مجتمعة، لا بوصفها أرقاما منفصلة بل كنظام مترابط، تعطي صورة مختلفة لمستقبل سوريا بالظهور.

من السلاح إلى الأمن: ماذا يعني تراجع العنف؟
تشير بيانات النزاع المسلح إلى تراجع حاد في مستوى العنف في المناطق الكردية، فبين عامي 2022 و2026، انخفض مؤشر كثافة الاشتباكات من مستوى مرتفع جدا (85 نقطة) إلى ما يقارب 30 نقطة، مع توقع أن يواصل التراجع إلى حدود 20 نقطة بحلول 2028، فالعنف تراجع بأكثر من ثلاثة أرباعه خلال ست سنوات.
لكن هذا لا يعني أن الصراع انتهى، فما تعنيه الأرقام هو أن طبيعة الصراع تغيرت، فبدل المعارك المفتوحة، نشهد اليوم نمطا جديدا؛ إدارة أمنية وتنسيق واحتكاكات موضعية.
التحول الأبرز كان بعد اتفاق آذار 2025، الذي فتح الباب أمام دمج تدريجي لقوات سوريا الديمقراطية في الهياكل الأمنية للدولة، ثم جاءت أحداث يناير 2026 — ولا سيما استعادة دمشق السيطرة على سجون تنظيم داعش ومخيم الهول — لتؤكد أن مركز الثقل انتقل من الميدان العسكري إلى إدارة الأمن.
من منظور البيانات، هذا التحول يرفع احتمال الوصول إلى استقرار أمني نسبي في المناطق الكردية إلى نحو 70%، شرط استمرار التنسيق بين سلطة دمشق وواشنطن والقوى المحلية.
النفط: عندما يصبح الاستقرار اقتصاديا
إذا كان الأمن هو شرط السياسة، فإن الاقتصاد هو شرط الاستدامة، حيث تظهر بيانات البنك الدولي أن إنتاج النفط في سوريا ارتفع من نحو 40 ألف برميل يوميا عام 2022 إلى قرابة 60 ألفا في 2026، مع توقع وصوله إلى 70 ألف برميل في 2028.
هذا الارتفاع لم يأت من فراغ، فتزامن مع عودة السيطرة الحكومية على حقول استراتيجية مثل العمر والرميلان، التي كانت سابقا تحت إدارة محلية، واللافت هنا أن التحليل الإحصائي يظهر ارتباطا قويا بين انخفاض العنف وارتفاع الإنتاج (معامل ارتباط R = 0.82) بلغة غير تقنية كلما هدأت الجبهات، عاد النفط، لكن الأرقام تخفي سؤالا سياسيا حساسا فمن يستفيد من هذا التحسن؟
الاقتصاد في المناطق الكردية يتحول من مصدر تمويل شبه مستقل إلى جزء من منظومة مالية مركزية، وإذا لم تترافق هذه المركزية مع آليات شفافة لتوزيع العائدات، ستتحول من عامل استقرار إلى مصدر توتر مؤجل.
السكان يصوتون بأقدامهم
من بين كل المؤشرات، يبقى النزوح والعودة الأكثر دلالة على المزاج الحقيقي للمجتمع، وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى انخفاض عدد النازحين داخليا من نحو 1.2 مليون شخص عام 2022 إلى أقل من 400 ألف في 2026، مقابل عودة تدريجية لما يقارب 600 ألف شخص إلى مناطقهم الأصلية.
هذا التحول كبير لا يمكن تفسيره بالخطاب السياسي وحده، فالناس لا تعود لأن البيانات تقول إن الوضع تحسن، بل لأنها بحاجة أن تعود بسبب الظروف الانسانية الخانقة التي تعيشها والتي تتأمل عودة الاستقرار فعليا.
والتحليل الإحصائي يدعم هذا الاستنتاج، فمعامل الارتباط بين العنف والنزوح بلغ 0.88، وهو رقم مرتفع جدا، فكلما انخفض العنف، عاد الناس.
سياسيا، هذا يعني أن الدولة تستعيد حضورها في الفضاء الاجتماعي، لا بالقوة بل عبر إعادة بناء الحد الأدنى من الثقة، وإذا استمر هذا الاتجاه حتى 2028، فإنه يعزز شرعية الدولة على الأرض، حتى في المناطق التي كانت خارج سيطرتها لسنوات.
انحسار الحكم الذاتي: ماذا تقول الخرائط؟
عند النظر إلى الخرائط، تبدو الصورة أكثر وضوحا.
فالمساحة التي كانت تخضع لسيطرة إدارية كردية فعلية تراجعت من نحو 25% من مساحة سوريا عام 2019 إلى حوالي 10% في 2026، مع توقع انخفاضها إلى 8% بحلول 2028.
التحليل الخطي يظهر تراجعا سنويا منتظما بنحو 2.8%، لكن الأهم من الرقم هو طبيعة هذا التراجع، فبدل الانهيار المفاجئ، نشهد تفكيكا تدريجيا للحكم الذاتي، يقابله توسع في التمثيل الإداري المحلي ضمن الدولة.
هذا التحول يعيد تعريف المشروع الكردي؛ من كيان سياسي مستقل بحكم الأمر الواقع، إلى نظام إدارة محلية داخل الدولة.
وهو نموذج يضمن الاستقرار، لكنه يحمل خطرا واضحا في إعادة إنتاج التهميش إذا لم تمنح هذه الإدارات صلاحيات حقيقية تتجاوز الشكل.
السياسة الخارجية: المؤشر الذي يسبق كل شيء
المؤشر الأكثر حساسية هو العلاقات الدبلوماسية، فبين عامي 2023 و2026، ارتفعت وتيرة اللقاءات والتفاهمات بين سلطة دمشق وأنقرة وواشنطن بنسبة 130%، وفي 2026، ظهر أول تفاهم ثلاثي غير مباشر حول ضبط الشمال الشرقي.
التحليل الإحصائي يظهر أن العلاقة مع تركيا هي العامل الخارجي الأكثر تأثيرا، فكلما تحسن التنسيق التركي–السوري، تراجعت التوترات ميدانيا، ومعامل الارتباط هنا بلغ 0.79.
الاستقرار الداخلي في الشمال الشرقي لم يعد مسألة محلية فقط، بل نتيجة مباشرة لتوازنات إقليمية، وإذا استمر هذا المسار حتى 2028، فإن احتمال دمج المناطق الكردية إداريا ضمن الدولة سيتجاوز 75%.
الصورة الكاملة: استقرار… لكن بشروط
عند جمع المؤشرات الخمسة، تظهر صورة متماسكة:
- العنف يتراجع.
- النفط يتحسن.
- السكان يعودون.
- السيطرة الإدارية تعود للمركز.
- والدبلوماسية تنشط.
إشارات إيجابية من منظور البيانات، لكن التحليل الكمي نفسه يحذر من ما يمكن تسميته الاستقرار الهش، فهو وضع تبدو فيه الأرقام مطمئنة، بينما تبقى الأسئلة السياسية الكبرى بلا إجابة واضحة.
فحتى الآن، لا توجد تسوية دستورية نهائية تضمن الحقوق الثقافية والإدارية للكرد، ولا إطار سياسي جامع يعيد تعريف العلاقة بين المركز والهامش.
وبناء على النموذج التنبؤي الحالي، تبدو سوريا في 2028 دولة موحدة إداريا، لكنها متعددة الحساسيات سياسيا.
الأرقام، في النهاية، لا تقول لنا ما يجب أن يحدث، لكنها تقول لنا ما الذي يحدث إذا استمر كل شيء على حاله، وفي الحالة السورية، ما تقوله البيانات بوضوح هو أن البلاد تخرج من زمن الحرب، لكنها لم تدخل بعد زمن التسوية الكاملة.

