ما بثته قناة i24NEWS عن “تسوية أمنية” محتملة مع سوريا لا يمكن قراءته بوصفه خبرا بالمعنى الصحفي التقليدي، ولا حتى بوصفه تسريبا تفاوضيا مكتمل الأركان، بل خطاب منتج بعناية، يهدف إلى إعادة تعريف الجبهة السورية في الوعي الأمني الإسرائيلي، وليس الإعلان عن اختراق سياسي، فاللغة تصبح اللغة أداة جيوسياسية، ويغدو ما يقال أهم أحيانا مما يخفى.
تتجنب رواية i24 أي إيحاء باتفاق سلام أو مسار سياسي، فلا حديث عن اعتراف متبادل، ولا عن تطبيع، ولا عن مفاوضات رسمية، وما يطرح ترتيب أمني محدود الوظيفة، يركز على تثبيت الهدوء في الجولان، وضبط الحضور العسكري غير السوري، ومنع تحول الجنوب السوري إلى منصة احتكاك مباشر مع “إسرائيل”، وهذه ليست مفردات سلام، بل مفردات إدارة مخاطر.
التسوية كإدارة مساحة لا كحل نزاع
لا تفهم الجغرافيا بوصفها مسرحا محايدا للأحداث، بل كعنصر فاعل في الصراع، وما تطرحه i24 هو إعادة توصيف الجولان لا كأرض متنازع عليها سياسيا، بل كـحيز أمني ينبغي تحييده، والجبهة هنا لا تغلق لأن الصراع انتهى، بل لأن فتحها لم يعد يخدم الحسابات الحالية.
هذه المقاربة تكشف أن “التسوية” ليست هدفا بحد ذاتها، بل وسيلة لضبط الإيقاع، فالجغرافيا السورية تعاد قراءتها بوصفها منطقة عازلة، لا طرفا تفاوضيا، والتحول في التوصيف جوهر الرسالة، فالصراع مع سوريا قابل للتبريد، حتى لو بقيت أسبابه السياسية قائمة.
لماذا الآن؟ سؤال التوقيت
توقيت تقرير i24 ليس تفصيلا ثانويا، فيأتي في لحظة إقليمية مشبعة بالقلق من توسع دائرة المواجهة، خصوصا في ظل التصعيد المتواصل حول الملف الإيراني، ففي مثل هذه اللحظات، تسعى “إسرائيل” إلى تحييد أكبر عدد ممكن من الجبهات، أو على الأقل إعادة تصنيفها كجبهات منخفضة الخطورة.
هنا تؤدي القناة دور “الممهد الإدراكي” فلا تعلن قرارا عسكريا، لكنها تزرع فكرة أن الجبهة السورية قابلة للإغلاق الوظيفي، وتنقل الرسالة إلى أكثر من اتجاه، فإلى الداخل الإسرائيلي بأن الحدود الشمالية يمكن ضبطها، وإلى الفاعلين الإقليميين بأن سوريا ليست ساحة الاشتباك القادمة.
ما الذي تقوله i24… وما الذي تتجاهله
إذا كان ما تقوله القناة واضحا في حدوده الأمنية، فإن ما تتجاهله لا يقل دلالة، حيث لا يظهر في الرواية أي مقابل سياسي لسلطة دمشق، ولا أي إشارة إلى سيادة أو استعادة أراض، ولا حتى إلى دور سوري فاعل في صياغة الترتيب، فسوريا تقدم كـموضوع للتنظيم لا كشريك في القرار.
هذا التجاهل ليس نقصا في المعلومات، بل اختيار تحريري، فالتسوية، كما تصاغ، لا تحتاج إلى صوت سوري، لأنها لا تفترض تفاوضا متكافئا، فهي أقرب إلى صيغة “الامتثال الأمني” منها إلى الاتفاق، ويصبح الصمت السوري، سواء كان مقصودا أو مفروضا، جزءا من بنية الخطاب.
الجولان كنموذج للضبط طويل الأمد
تستحضر رواية i24 الجولان بوصفه مثالا ناجحا لإدارة الصراع، فمنذ اتفاق فض الاشتباك عام 1974، بقيت هذه الجبهة الأكثر هدوءا، رغم الحروب الإقليمية المتعاقبة، وهذا التاريخ يستدعى اليوم لتأكيد فرضية أن الهدوء ليس استثناء، بل خيارا يمكن تثبيته إذا توافرت الشروط الأمنية.
هذا الاستدعاء يتجاهل حقيقة أساسية بأن الهدوء في الجولان لم يكن نتيجة تسوية سياسية، بل بسبب توازن ردع صارم وضبط دولي، وإعادة إنتاج هذا النموذج اليوم تعني القبول باستمرار الصراع في شكله المجمد، لا حله.
التسوية بلا سلام: مفارقة مقصودة
في خطاب i24، تستخدم كلمة “تسوية” بمرونة لافتة، فلا تشير إلى نهاية الصراع، بل إلى إعادة تنظيمه، والضربات يمكن أن تستمر، لكن بوتيرة أقل؛ الرسائل ترسل، لكن عبر قنوات محسوبة؛ التوتر لا يختفي، لكنه يدار.
هذه المفارقة، تسوية بلا سلام، تعكس جوهر المقاربة الإسرائيلية الحالية؛ تقليل كلفة الصراع بدل السعي إلى حسمه، وتصبح سوريا ساحة اختبار لنموذج الصراع البارد، حيث يفضل الضبط على الانفجار، والتأجيل على الحسم.
سوريا: الطرف الغائب الحاضر
رغم غياب الصوت السوري عن الرواية، تبقى سوريا حاضرة بوظيفتها الجغرافية، فهي “الممر الإجباري” الذي تمر عبره التوازنات، لا الفاعل الذي يصوغها، وهذا الموقع الهش يعكس واقعا أوسع؛ دولة منهكة، تدار أزمتها من الخارج، وتختزل أدوارها في بعدها الأمني.
لا تبدو التسوية المقترحة مكسبا سوريا، بل عبئا إضافيا، إذ تكرس التعامل مع البلاد كساحة ضبط، لا كدولة ذات مصالح سياسية كاملة.
خطاب لا اتفاق
ما تقدمه i24 ليس إعلان سلام، ولا حتى بداية مسار تفاوضي، بل خطاب أمني يعيد رسم حدود الجبهة السورية في المخيال الاستراتيجي “الإسرائيلي”، فهو يقول إن الصراع يمكن تبريده دون حله، وإن الجغرافيا يمكن إدارتها دون الاعتراف بتاريخها السياسي.
“التسوية” ليست سوى صيغة مؤقتة، محكومة بميزان القوى، وقابلة للتعديل أو الإلغاء مع أول تغيير في الحسابات، فهو تسوية الضرورة، لا القناعة؛ تسوية تدار من فوق، لا تبنى بين طرفين.
ما يقال عن الجغرافيا ليس وصفا بريئا، بل ممارسة سلطة، وما تقوله i24 عن سوريا اليوم ليس خبرا، بل إعادة تعريف للصراع لا ينهيه، بل يضعه في حالة انتظار بارد، إلى أن تتغير شروط اللعبة من جديد.
تحليل خطاب i24: التسوية الأمنية مع سوريا
تفكيك الخطاب الأمني وإعادة رسم الجبهة السورية في الوعي الاستراتيجي الإسرائيلي
طبيعة الخطاب
ما تقدمه i24 ليس خبرًا صحفيًا تقليديًا بل خطابًا مُنتجًا بعناية يعيد تعريف الجبهة السورية في الوعي الأمني الإسرائيلي.
مفردات إدارة المخاطر
تتجنب الرواية أي إيحاء باتفاق سلام أو مسار سياسي، وتركز بدلاً من ذلك على الترتيبات الأمنية المحدودة.
إعادة توصيف الجغرافيا
الجغرافيا السورية تُعاد قراءتها كمنطقة عازلة وليس كطرف تفاوضي، والجولان يُعرض كحيز أمني يجب تحييده.
توقيت الخطاب
يأتي في لحظة إقليمية مشبعة بالقلق من توسع دائرة المواجهة، بهدف تحييد أكبر عدد ممكن من الجبهات.
الطرف الغائب
لا يظهر في الرواية أي مقابل سياسي لدمشق، ولا أي إشارة إلى سيادة أو استعادة أراض.
نموذج الصراع البارد
تفضيل الضبط على الانفجار، والتأجيل على الحسم، وتقليل كلفة الصراع بدل السعي إلى حسمه.
تسوية بلا سلام
إعادة تنظيم الصراع وليس إنهاءه، حيث تستمر الضربات بوتيرة أقل، وترسل الرسائل عبر قنوات محسوبة.

