من الوعظ إلى السياسة: قراءة في خطاب إدارة المسألة الكردية في سوريا

ليست الكلمات التي تقال في سوريا، خصوصا حين تصدر عن مرجعيات دينية عليا، مجرد تعبيرات أخلاقية أو وعظية، فهي في الغالب، سياسات عامة ناعمة، تصاغ بلغة القيم، لكنها تؤدي وظيفة الضبط وإعادة الترتيب.

وفق هذه الرؤية يمكن قراءة الكلمة التي وجهها مفتي سوريا، الشيخ أسامة الرفاعي إلى الأكراد ضمن سياق من إدارة الدولة السورية لتعدديتها، وعبر استبدال السياسة بالخطاب الأخلاقي حين يتعذر الحل السياسي.

الخطاب دعوة إلى “وحدة الكلمة” و”رابطة الإيمان” ونبذ “العصبيات والقوميات”، لكنه يكشف أنه خطاب تعريف وليس خطاب وحدة، فهو يعرف ما هو مقبول، وما هو مشكوك فيه، وما ينبغي إخراجه من المجال العام.

الدولة حين تتكلم بلا دولة

ما يلفت في الخطاب موقع المتكلم، فالمفتي لا يتحدث باسم حكومة، ولا يعرض سياسة رسمية، ولا يقترح مساراً تشريعياً أو إدارياً، ولكن كلمته تؤدي وظيفة سياسية صريحة في إعادة تأطير المسألة الكردية، وهذه المفارقة في خطاب غير سياسي يؤدي وظيفة سياسية ليست جديدة في سوريا، بل هي إحدى آليات الحكم المستقرة، فحين تعجز الدولة عن إنتاج عقد اجتماعي جامع، تستدعي الدين ليؤدي وظيفة التهدئة والضبط.

تمارس السياسة هنا دون أن تسمى سياسة، وتدار الخلافات بوصفها “فتناً”، وتختزل المطالب بوصفها “عصبيات”، ويطلب من المجتمع أن يصلح نفسه أخلاقياً، بدل أن تصلح الدولة بنيتها.

رابطة الإيمان كبديل عن المواطنة

في جوهر الخطاب، تطرح “رابطة الإيمان” باعتبارها الرابط الأعلى القادر على تجاوز القوميات والانتماءات الأخرى، يبدو هذا طرحاً وحدوياً، لكن في العمق نحن أمام إزاحة لمفهوم المواطنة، فالوحدة هنا لا تبنى على حقوق متساوية، ولا على اعتراف متبادل بالهويات، بل على الذوبان في إطار ديني جامع، غير محدد سياسياً أو قانونياً.

هذه الصيغة تبقي الدولة خارج المساءلة، وتحيل الخلاف إلى مستوى أخلاقي، فمن يطالب بحقوق ثقافية أو سياسية لا يناقش بوصفه مواطناً، بل يؤطر بوصفه مهدداً للوحدة، وتتحول القومية لا بوصفها مشروعاً سياسياً، بل بوصفها هوية جمعية إلى شبهة.

القومية بوصفها مشكلة لا سؤالاً

حين يضع الخطاب “القوميات” في السياق نفسه مع “العصبيات” و”الحركات المستوردة”، فهو لا ينتقد ممارسات سياسية بعينها، بل ينزع الشرعية عن القومية كفكرة، وهذا جوهر السياسة العامة السورية اليوم؛ التعامل مع التعدد القومي لا بوصفه معطى بنيوياً، بل بوصفه خللاً ينبغي احتواؤه أو تذويبه.

عمليا فإن الخطاب لا يطرح سؤال كيف يمكن دمج الهوية الكردية ضمن دولة سورية تعددية؟ بل يستبدل بسؤال أخلاقي؛ لماذا لا يتخلى الأكراد عن قوميتهم لصالح رابطة أوسع؟ وبهذه المنهجية لا تقدم إجابة سياسية، بل موعظة.

صلاح الدين… النموذج المشروط

استدعاء صلاح الدين الأيوبي في الخطاب ليس تفصيلاً ثقافياً، بل أداة أيديولوجية، فهو يقدم لا بوصفه قائداً كردياً، بل نموذجاً لتجاوز القومية، والرسالة واضحة: القيمة التاريخية للكردي تتحقق حين يتخلى عن خصوصيته، لا حين يطالب بالاعتراف بها.

هذا الاستخدام الانتقائي للتاريخ يعكس تصوراً ثابتاً في السياسات العامة السورية؛ القبول مشروط، فالكردي يقبل بوصفه مسلماً، أو مناضلاً، أو قائداً وحدوياً، لكن يرفض بوصفه صاحب قضية قومية قائمة بذاتها.

أين السياسة؟

اللافت في الخطاب ليس فقط ما يقوله، بل ما يتجاهله، فلا ذكر للحقوق اللغوية، ولا للإدارة المحلية، ولا للتمثيل السياسي، وكل ذلك يمحى، ويستبدل بسردية أخلاقية عن “الفتنة” و”وحدة الصف”.

هذا الصمت ليس سهواً، بل خيار، فإدخال هذه القضايا إلى النقاش يعني الانتقال من الوعظ إلى السياسة، ومن الدعوة إلى الوحدة والسؤال عن شروطها، وهو انتقال لم تقدم عليه الدولة السورية بعد.

خطاب إدارة لا خطاب حل

لا تهدف الكلمة إلى معالجة المسألة الكردية بوصفها قضية سياسية–حقوقية قائمة بذاتها، بل إلى إدارتها رمزياً عبر إعادة تدوير معادلة خاصة، فهناك مطالب لا يعترف بشرعيتها، وخطاب وحدوي عالي النبرة لكنه مجرد من الأدوات، ودولة تنسحب من دورها التعاقدي وتظهر عبر وسيط ديني يضطلع بوظيفة التهدئة والضبط، فلا تحل الإشكالية، بل يعاد تأجيلها، ويعاد تعريفها بوصفها خللاً أخلاقياً لا اختلالاً بنيوياً في العلاقة بين الدولة ومواطنيها.

تتجلى المفارقة السورية الكبرى حين تطالب المجتمعات بأن تكون موحدة، من دون أن توفر لها شروط الوحدة؛ فتستدعى الأخوة بدل العدالة، وتقدم الموعظة بدل السياسة، ويطلب من رجال الدين أن يوحدوا الكلمة ويطفئوا التوترات، فيما لا يطلب من الدولة أن تعيد مساءلة ذاتها، أو أن تعيد تعريف نفسها بوصفها دولة مواطنة، تتسع للتعدد وتعالجه عبر الحقوق والمؤسسات، لا عبر الخطاب الأخلاقي وحده.

ما بعد الخطاب

لا يمكن قراءة هذا الخطاب بوصفه حادثة معزولة، بل جزءاً من نمط مستقر في التفكير السياسي السوري عبر الهروب من السياسة إلى الأخلاق، ومن الحقوق إلى القيم، ومن التعدد إلى الوحدة المجردة.

وما لم تكسر هذه الحلقة عبر اعتراف صريح بالتعدد، وصياغة سياسات عامة قائمة على المواطنة والمساواة بالحقوق بين الجميع لا الوعظ، ستبقى الخطابات تتكرر، وستبقى “الوحدة” شعاراً يستدعى عند كل أزمة، دون أن تتحول إلى واقع.

وهذا، في جوهره، ليس نقداً للخطاب الديني، بل مساءلة لاستخدامه؛ متى يصبح الدين جسراً للعدالة، ومتى يتحول إلى ستار يؤجلها؟
وهو سؤال، في سوريا، لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة سياسية.

تحليل خطاب المسألة الكردية في سوريا

من الوعظ إلى السياسة: إدارة المسألة الكردية في الخطاب العام السوري

تحليل خطاب مفتي سوريا الشيخ أسامة الرفاعي إلى الأكراد وآليات تحويل القضايا السياسية إلى خطاب أخلاقي
إطار التحليل: الآليات الخطابية لإدارة المسألة الكردية
الخطاب كبديل للسياسة

يتحول الخطاب الديني إلى أداة سياسية ناعمة عندما تعجز الدولة عن إنتاج حلول سياسية:

  • السياسة تُمارس دون أن تُسمى سياسة
  • الخلافات تتحول إلى “فتن” أخلاقية
  • المطالب تُختزل إلى “عصبيات”
  • الدولة تنسحب من دورها التعاقدي
“الدولة حين تعجز عن إنتاج عقد اجتماعي جامع، تستدعي الدين ليؤدي وظيفة التهدئة والضبط”
رابطة الإيمان مقابل المواطنة

يطرح الخطاب “رابطة الإيمان” كبديل لمفهوم المواطنة القائم على الحقوق:

  • الوحدة تُبنى على الذوبان الديني لا الحقوق المتساوية
  • الاعتراف المتبادل بالهويات يُستبدل بإطار ديني جامع
  • الدولة تبقى خارج دائرة المساءلة
  • المطالب الحقوقية تُؤطر كتهديد للوحدة
التحول المفاهيمي:
المواطن → المؤمن
الحقوق → القيم
الاعتراف → الذوبان
القومية كمشكلة لا كسؤال

يتعامل الخطاب مع التعدد القومي كخلل ينبغي تذويبه لا كمعطى بنيوي:

  • القوميات توضع في سياق “العصبيات” و”الفتن”
  • ينزع الشرعية عن القومية كفكرة
  • يستبدل السؤال السياسي بسؤال أخلاقي
  • لا يعترف بالهوية القومية كحق
“لا يطرح الخطاب سؤال: كيف ندمج الهوية الكردية؟ بل يسأل: لماذا لا يتخلى الأكراد عن قوميتهم؟”
المستوى الخطاب الأخلاقي (الواقع الحالي) الخطاب السياسي (المطلوب)
طبيعة الحل إدارة رمزية وتأجيل للإشكالية معالجة سياسية-حقوقية جذرية
إطار الوحدة رابطة الإيمان والدينية الجامعة مواطنة قائمة على حقوق متساوية
تعامل مع القومية مشكلة أخلاقية (عصبية) ينبغي تذويبها هوية جماعية تحظى بالاعتراف والحماية
دور الدولة تنسحب وتستدعي وسيطًا دينيًا للضبط تشارك في صياغة عقد اجتماعي جديد
اللغة المستخدمة لغة القيم والوعظ والتهدئة لغة الحقوق والتشريعات والمؤسسات
صلاح الدين الأيوبي نموذج للتخلي عن القومية جزء من تراث كردي يُعترف به
ما يتضمنه الخطاب وما يتجاهله
صلاح الدين: النموذج المشروط

استدعاء صلاح الدين الأيوبي كأداة أيديولوجية:

  • يُقدم كقائد تجاوز قوميته لا كرمز كردي
  • القيمة الكردية تتحقق بالتخلي عن الخصوصية
  • استخدام انتقائي للتاريخ
  • القبول مشروط بالتخلي عن الهوية القومية

الرسالة: الكردي يُقبل بوصفه مسلمًا، ويُرفض بوصفه صاحب قضية قومية.

الصمت الدال

ما يتجاهله الخطاب يكشف عن الخيارات السياسية:

  • لا ذكر للحقوق اللغوية
  • غياب الحديث عن الإدارة المحلية
  • لا كلام عن التمثيل السياسي
  • تجاهل المطالب الثقافية
“هذا الصمت ليس سهوًا، بل خيار. إدخال هذه القضايا يعني الانتقال من الوعظ إلى السياسة”
الإطار العام: إدارة لا حل

خطاب إدارة الأزمة لا حلها:

  • يهدف إلى التهدئة الرمزية
  • يعيد تعريف الإشكالية كخلل أخلاقي
  • يؤجل الحل السياسي
  • يحول القضية الحقوقية إلى مسألة وعظية
المفارقة السورية:
تطالب المجتمعات بالوحدة دون توفير شروطها، وتستدعي الأخوة بدل العدالة، وتقدم الموعظة بدل السياسة.
الاستنتاجات الرئيسية: نحو كسر الحلقة

لا يمكن قراءة هذا الخطاب كحادثة معزولة، بل كجزء من نمط مستقر في التفكير السياسي السوري يقوم على:

  • الهروب من السياسة إلى الأخلاق
  • الانتقال من الحقوق إلى القيم
  • التحول من التعدد إلى الوحدة المجردة
  • استبدال العقد الاجتماعي بالخطاب الأخلاقي

كسر هذه الحلقة يتطلب اعترافًا صريحًا بالتعدد، وصياغة سياسات قائمة على المواطنة لا الوعظ، وتحويل “الوحدة” من شعار يُستدعى في الأزمات إلى واقع مؤسسي قائم على العدالة والاعتراف المتبادل.

السؤال الجوهري:
متى يصبح الدين جسرًا للعدالة، ومتى يتحول إلى ستار يؤجلها؟ هذا السؤال لم يعد ترفًا فكريًا في سوريا، بل ضرورة سياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *