“الجغرافيا تستخدم أولا للحرب”.. بهذه العبارة اختصر إيف لاكوست جوهر التحليل الجيوسياسي، واضعا المعرفة في قلب الصراع لا على هامشه، ومن هذا الزاوية لا يمكن التعامل مع تقرير يمنح سوريا 35 نقطة من أصل 100 في مؤشر الأمن الإنساني بوصفه قياسا تقنيا محايدا، بل يجب قراءته كخطاب معرفي عن السلطة والمجال، يعيد تعريف ما هو “آمن” ومن يملك حق تعريفه.
السؤال المركزي ليس كم بلغ مستوى الأمن؟ بل أي أمن، وعلى أي مجال، وتحت أي سلطة، وبأي معرفة؟
المؤشر بوصفه أداة معرفة سلطوية
المؤشرات الأمنية لا تكتفي بوصف الواقع، بل تنتجه معرفيا، وحين تختزل سوريا في رقم (35/100)، فإن هذا الرقم لا يقول فقط إن الضغط الأمني مرتفع، بل يعيد تصنيف البلاد ضمن خانة “الإدارة الأمنية” لا “الحل السياسي”، فتتحول المعرفة إلى أداة تطبيع مع وضع غير طبيعي، يعرف بوصفه “لا انهيار، ولا استقرار”.
لا تعد هذه المعرفة بريئة أو محايدة، لأنها لا تنتج خارج علاقات القوة، بل في صلبها، فالقدرة على القياس والتصنيف ليست فعلا تقنيا خالصا، بل امتيازا سلطويا يخول فاعله تحديد ما يرى وما يحجب، وما يعرف بوصفه “خطرا” أو “استقرارا”، وفي المقابل، يتحول من يقاس ويصنف إلى موضوع للمعرفة لا شريكا في إنتاجها، فتفرض عليه قراءة لواقعه لا يملك أدوات الطعن فيها، فيصبح المؤشر الأمني ممارسة جيوسياسية بامتياز، فلا يكتفي بوصف المجال، بل يعيد تشكيله رمزيا، ويطبع وضعا غير طبيعي بوصفه حالة مدارة وقابلة للاستمرار.
المجال السوري: ليس فضاء موحدا بل رقعة صراع
يفترض، نظريا، أن يعكس المؤشر وضعا وطنيا عاما، لكن الجغرافيا السورية تقاوم هذا الاختزال، فـ”المجال السوري اليوم مجزأ أمنيا”، لا بفعل خطوط تماس واضحة، بل عبر تفاوت مستويات السيطرة والردع والضبط.
انخفاض الحوادث العنيفة بنسبة 44% لا يعني أن المجال أصبح أكثر أمنا، بل أن العنف أعيد تنظيمه مكانيا:
- مناطق يمارس فيها عنف كامن عبر الخوف والمراقبة.
- مناطق تترك في حالة هشاشة دائمة.
- ومناطق تستخدم كورقة ضغط إقليمي.
لا يمكن التعامل مع الأمن بوصفه صفة متأصلة في المجال، أو نتيجة تلقائية للسيطرة العسكرية، بل كـ”وظيفة تفرض عليه من خارج بنيته الاجتماعية والسياسية”، فالمجال لا “يصبح آمنا” بذاته، بل يعاد تنظيمه أمنيا وفق حاجات السلطة التي تديره، فتضبط حركته وتقسم فضاءاته وتعاد هندسة علاقته بالسكان، فالأمن هنا ليس تعبيرا عن توازن مستقر، بل ممارسة سلطوية تهدف إلى جعل المجال قابلا للإدارة، لا للعيش، ويتحول المجال من فضاء اجتماعي حي إلى رقعة ضبط، يقاس استقرارها بمدى قابليتها للسيطرة، لا بقدرتها على إنتاج الطمأنينة أو الاستقرار المستدام.
الدولة: احتكار العنف أم إدارة التوازنات؟
في النموذج الكلاسيكي، الدولة هي من تحتكر العنف المشروع، لكن في سوريا، يكشف التقرير أن الدولة، أيا كان تعريفها العملي، لم تعد تحتكر إنتاج الأمن، بل تشارك في إدارته ضمن شبكة فاعلين داخليين وخارجيين.
أكثر من 150 ضربة جوية وقصف خارجي ليست مجرد انتهاك للسيادة، بل مؤشر على أن المجال السوري أصبح ساحة أمن مؤجر، تمارس فيه السلطة من خارج الحدود بقدر ما تمارس من داخلها، فالدولة هنا ليست مركزا للقرار الأمني، بل عقدة في شبكة سلطوية أوسع.
المدني: موقع الصراع الحقيقي على السلطة
إن مقتل4,670 مدنيا لا يمكن التعامل معه بوصفه أثرا جانبيا لصراع مسلح أو نتيجة عرضية لاختلالات ميدانية، لأن المدني في منطق الصراع السوري ليس خارج المعادلة، بل في قلبها، فهو نقطة الالتقاء بين المجال والسلطة، واستهدافه لا يوجه إلى جسده الفردي فحسب، بل إلى المجال الاجتماعي الذي ينتمي إليه بكل ما يحمله من شبكات قرابة، واقتصاد محلي، وذاكرة جماعية، فحين يقتل المدني فهو رسالة سياسية صامتة إلى المجتمع بأسره تتضمن حدود الطاعة والممكن والاعتراض.
استمرار هذا النمط من الاستهداف يكشف أن السلطة، أيا كانت بنيتها أو خطابها، لم تنجح في تحويل العنف من أداة فرض مؤقتة إلى أداة تنظيم مستدام، فالعنف لا يستخدم هنا للحسم أو لإنهاء الصراع، بل لإبقائه في حالة إدارة دائمة، حيث يعاد إنتاج الخضوع عبر الخوف، لا عبر الشرعية، ولا يصبح العنف وسيلة لبناء نظام، بل آلية لضبط مجتمع منهك، تدار علاقته بالسلطة عبر التهديد الدائم بإمكانية العودة إلى القتل، لا عبر عقد اجتماعي أو أفق سياسي.
انخفاض العنف: خطاب تهدئة أم إدارة أزمة؟
يتسم التقرير بدقة منهجية حين يصف التراجع في وتيرة العنف بأنه “ارتياح جزئي”، لأن هذا التوصيف يميز بوضوح بين مستويين غالبا ما يجري الخلط بينهما: انخفاض عدد الأحداث من جهة، وانخفاض القدرة التدميرية للعنف من جهة أخرى.
العنف لا يقاس فقط بتكراره، بل بقدرته على إحداث صدمة، وإعادة رسم حدود الخوف داخل المجال الاجتماعي، في الحالة السورية، يتحقق الأول دون الثاني؛ إذ تتراجع الحوادث بوصفها أرقاما، بينما تبقى البنية العنيفة قائمة بكامل طاقتها الكامنة.
هذا التناقض يعني أن المجال لا يعيش حالة تفريغ للتوتر، بل حالة تراكم منظم له، فالعنف لم يحل سياسيا، بل أجل أمنيا، ووضع في حالة كمون قابلة للاستدعاء عند الحاجة، وبدل أن تستدعى السياسة بوصفها أداة لتفكيك أسباب الصراع، جرى استبدالها بإدارة أمنية طويلة الأمد، هدفها منع الانفجار لا معالجة جذوره، في هذا السياق، لا ينتج “الهدوء” استقرارا، بل يراكم شروط هشاشته، ويحول المجال إلى فضاء معلق بين حرب مؤجلة وسلام غير ممكن.
35/100: رقم يكشف طبيعة السلطة لا كفاءتها
ما يقوله هذا الرقم، في جوهره، ليس أن السلطة الأمنية ضعيفة أو قوية، بل أنها سلطة بلا أفق سياسي، وقادرة على منع الانهيار، لكنها عاجزة عن إنتاج الاستقرار، فالرقم 35 هو:
- دليل على قدرة ضبط.
- وعلامة على فشل دمج.
- وإشارة إلى غياب مشروع وطني جامع.
إنه رقم يعكس توازن قوى هشا، لا عقدا اجتماعيا.
الأخطر ليس ما يقيسه التقرير، بل ما يستبعده:
- لا يقيس الأمن الاقتصادي كمولد أساسي للعنف.
- لا يقيس الأمن الاجتماعي المرتبط بالنزوح والتفكك.
- لا يقيس الأمن القانوني بوصفه شرطا للشرعية.
هذا الاستبعاد ليس تقنيا، بل سياسي، لأنه يبقي التحليل ضمن دائرة “إدارة الأزمة”، ويمنع انتقاله إلى سؤال بنية السلطة.
الأمن في سوريا ليس حالة، بل ممارسة سلطوية على مجال ممزق
سوريا، وفق التقرير ليست في حالة تحسن أو تدهور بقدر ما هي في وضعية إدارة دائمة للهشاشة، فالأمن لا يبنى، بل يدار، والعنف لا ينهى، بل يعاد توزيعه، والمعرفة لا تستخدم للفهم، بل للتطبيع مع واقع غير قابل للاستدامة.
إن 35/100 ليست رقما تقنيا، بل خطابا جيوسياسيابأنسوريا ليست ساحة حرب مفتوحة، لكنها أيضا ليست دولة مستقرة، بل مجال صراع مدار، تمارس فيه السلطة عبر الأمن، ويعاد تعريف الواقع عبر المعرفة.
سوريا: حين يصبح الأمن معرفة جيوسياسية لا حالة استقرار
المؤشرات الأمنية لا تكتفي بوصف الواقع، بل تنتجه معرفياً. الرقم 35/100 لا يقول فقط إن الضغط الأمني مرتفع، بل يعيد تصنيف البلاد ضمن خانة “الإدارة الأمنية” لا “الحل السياسي”، فالمعرفة تتحول إلى أداة تطبيع مع وضع غير طبيعي.
المجال السوري اليوم ليس فضاءً موحداً بل رقعة صراع مجزأة أمنياً، لا بفعل خطوط تماس واضحة، بل عبر تفاوت مستويات السيطرة والردع والضبط.
الدولة في سوريا لم تعد تحتكر إنتاج الأمن، بل تشارك في إدارته ضمن شبكة فاعلين داخليين وخارجيين. المجال السوري أصبح ساحة أمن مؤجر.
مقتل 4,670 مدنياً ليس أثراً جانبياً بل رسالة سياسية صامتة إلى المجتمع بأسره تتضمن حدود الطاعة والممكن والاعتراض.
التقرير يستبعد عن قياسه: الأمن الاقتصادي كمولد أساسي للعنف، والأمن الاجتماعي المرتبط بالنزوح والتفكك، والأمن القانوني بوصفه شرطاً للشرعية. هذا الاستبعاد ليس تقنياً بل سياسي، لأنه يبقي التحليل ضمن دائرة “إدارة الأزمة”، ويمنع انتقاله إلى سؤال بنية السلطة.
سوريا ليست في حالة تحسن أو تدهور بقدر ما هي في وضعية إدارة دائمة للهشاشة. الأمن لا يبنى بل يدار، والعنف لا ينهى بل يعاد توزيعه، والمعرفة لا تستخدم للفهم بل للتطبيع مع واقع غير قابل للاستدامة. الرقم 35/100 هو دليل على قدرة ضبط، وعلامة على فشل دمج، وإشارة إلى غياب مشروع وطني جامع.

