قرار المكياج في اللاذقية: كيف تكشف القرارات الصغيرة شكل السياسات العامة السورية؟

لم يكن التعميم المنسوب إلى محافظة اللاذقية، والقاضي بمنع وضع المكياج خلال الدوام الرسمي في الجهات العامة، مجرد إجراء إداري عابر، حيث تحول إلى مادة سجال عام، ليس بسبب أثره المباشر، بل لأنه مس سؤالا أعمق من حدوده الشكلية، فكيف تدار السياسات العامة في سوريا اليوم، وفي أي اتجاه تمضي الدولة في لحظة انتقالية دقيقة؟

في الدول التي تمر بتحولات كبرى، لا تقاس السياسات العامة بما تعلنه من شعارات أو خطب مطولة، بل بما تكشفه قراراتها الصغيرة، فالتفاصيل لا البلاغات الرسمية، هي التي تفضح اتجاهات السلطة الحقيقية، فلا يبدو الجدل الذي أثاره هذا التعميم حادثة هامشية، بل نافذة كاشفة على شكل السياسات العامة السورية الراهنة: سياسات تفتقر إلى رؤية كلية، وتغرق في إدارة السلوك الفردي بدل الانشغال بإدارة الدولة ومشكلاتها البنيوية.

دولة بلا سردية

تميل الدول الخارجة من أزمات عميقة إلى صياغة “سردية جامعة” تشرح للناس إلى أين تتجه، وما الذي تغير، ولماذا يطلب منهم الصبر أو التكيف، في الحالة السورية، تبدو هذه السردية غائبة أو مبتورة، ويحل مكانها تراكم تعاميم وقرارات جزئية، لا يربطها إطار فكري أو سياسي واضح.

حين تنشغل الإدارات المحلية بمظهر الموظفات، أو بملابس السباحة، أو بتفاصيل شكلية للسلوك العام، فهي لا تفعل ذلك لأنها لا تملك ملفات أكثر إلحاحا، بل لأنها لا تملك أدوات فعالة لمعالجة تلك الملفات، فيتحول السهل إلى أولوية وعلى تعدي ريح على الحريات الفردية، والمعقد إلى مؤجل دائم.

من السياسة العامة إلى الضبط الإداري

السياسة العامة، في معناها الحديث، هي فن ترتيب الأولويات؛ ما الذي يجب أن تتدخل فيه الدولة، وما الذي ينبغي أن تتركه للمجتمع، لكن في سوريا هو أقرب إلى ضبط إداري بلا فلسفة؛ تدخلات متفرقة في الحياة اليومية لا تنتج أثرا اقتصاديا أو اجتماعيا ملموسا، لكنها تولد شعورا عاما بالوصاية.

حيث يكتسب دلالة خاصة في مرحلة يفترض أنها انتقالية، فبدل أن تستثمر هذه المرحلة لإعادة تعريف علاقة الدولة بالمواطن على أساس الحقوق والكفاءة والمساءلة، يجري استنساخ منطق تظهر فيه الدولة كحكم أخلاقي، لا كمنظم عادل.

لماذا النساء دائما؟

ليست مصادفة أن تتعلق معظم هذه القرارات بالنساء؛ مكياج ولباس وسلوك، ففي المجتمعات التي تعاني من هشاشة مؤسساتية، يصبح جسد المرأة مساحة سهلة للسيطرة الرمزية، ففرض القيود عليه لا يحتاج إلى بنية قانونية معقدة، ولا يثير مقاومة منظمة، لكنه يعطي انطباعا زائفا بـ”الضبط” و”الهيبة”.

لا يعكس الجدل حول المكياج نزعة محافظة فحسب، بل يكشف فقرا بنيويا في الخيال السياسي، وعجزا عن تصور أدوات حكم حديثة لا تمر عبر الجسد والرمز، إنما عبر السياسات والنتائج، فعندما تختزل السلطة في تنظيم المظهر، فهذا يعني ضمنيا أنها فقدت ثقتها بقدرتها على إنتاج إنجازات ملموسة تقاس بالكفاءة والعدالة وتحسين شروط العيش، وحين تعجز الدولة عن التأثير في الاقتصاد أو في جودة الخدمات، تميل إلى تعويض ذلك بالسيطرة على السلوك، وكأنها تستبدل إدارة المصالح العامة بإدارة الرموز، والحوكمة الفعلية بضبط شكلي لا يغير من الواقع شيئا سوى تعميق الإحساس بالوصاية.

الدولة التي تراقب ولا تنتج

المفارقة المؤلمة أن هذا التشدد السلوكي يتزامن مع تراجع فعلي في قدرة الدولة على الإنتاج:

  • خدمات عامة متدهورة.
  • رواتب لا تكفي الحد الأدنى من العيش.
  • بيروقراطية مرهقة تستهلك وقت الموظف والمواطن معا.

يصبح التركيز على المظهر نوعا من الهروب الإداري، فبدل إصلاح بنية الأجور، أو تحديث آليات العمل، أو مكافحة الفساد الصغير الذي ينهش المؤسسات، تنقل المعركة إلى مساحة رمزية لا تكلف شيئا… إلا ثقة الناس.

غياب القانون… وحضور المزاج

أخطر ما تكشفه هذه القرارات ليس مضمونها بحد ذاته، بل الطريقة التي تنتج وتمرر بها حيث تعاميم غير منشورة على نحو رسمي، وتعليمات شفهية قابلة للتأويل، وتسريبات تختبر عبر وسائل التواصل قبل أن تقنن أو تسحب.

هذا النمط لا يعكس مجرد خلل إجرائي، بل يدل على دولة تدار بمنطق المزاج والارتجال أكثر مما تدار بمنطق القانون والمؤسسات، فحين تغيب القواعد المكتوبة، يحل محلها تقدير فردي متقلب، وتتحول السلطة من إطار منضبط إلى ممارسة يومية غير قابلة للتنبؤ.

في النظم الرشيدة، حتى أكثر القرارات تفصيلا وهامشية تستند إلى نص قانوني واضح، وتخضع للنقاش العام، ويمكن الطعن بها أو مراجعتها ضمن آليات معروفة، أما حين تصبح القاعدة ضبابية، فإن الموظف والمواطن معا يدفعان إلى العيش في منطقة رمادية، فلا يعرفان بدقة ما هو المسموح وما هو الممنوع، ولا من يملك سلطة القرار النهائية، ولا متى يمكن أن يتغير هذا القرار أو يلغى، وفي مثل هذا المناخ، لا تنتج الطاعة بقدر ما ينتج القلق، ولا يبنى الانضباط بقدر ما تتآكل الثقة بين الدولة ومواطنيها.

السياسة بوصفها إدارة خوف

يمكن قراءة هذا النمط من السياسات باعتباره إدارة للخوف لا إدارة للتنمية، فالسلطة التي لا تملك مشروعا اقتصاديا مقنعا، ولا أفقا سياسيا واضحا، تميل إلى ضبط المجال العام لتقليص المفاجآت، لكن التاريخ يظهر أن المجتمعات لا تدار طويلا بالخوف الناعم؛ بل تنفجر باللامبالاة، ثم بالسخرية، ثم بالانسحاب الكامل من الشأن العام.

وما ردود الفعل الساخرة والناقدة على تعميم المكياج إلا مؤشرا مبكرا على ذلك، فالمجتمع لم يعد يخاف، لكنه لم يعد يثق أيضا.

السؤال الجوهري ليس هل يسمح بالمكياج أم لا؟ بل هل تريد الدولة السورية أن تكون دولة خدمات أم دولة وصاية؟

  • دولة تقاس بقدرتها على تحسين حياة الناس.
  • أم دولة تقاس بقدرتها على تنظيم سلوكهم؟

الجواب لا يأتي من تصريح رسمي، بل من نمط القرارات، وحتى الآن، يوحي هذا النمط بأننا أمام سياسات بلا بوصلة استراتيجية، تدار بالحد الأدنى من المخاطر، لا بالحد الأقصى من الطموح.

الأزمة الحقيقية ليست في غياب الموارد، بل في غياب الرؤية، وسوريا اليوم لا تعاني فقط من نقص المال أو الحصار أو الدمار، بل من سياسات عامة لا تعرف ما الذي تريد أن تكونه الدولة بعد كل ما حدث، وحين لا تعرف الدولة وجهتها، يصبح المكياج قضية وطنية، بينما تبقى الأسئلة الكبرى معلقة في الهامش.

تحليل السياسات العامة السورية | بين إدارة اليومي وفقدان البوصلة

السياسات العامة السورية:
بين إدارة اليومي وفقدان البوصلة الاستراتيجية

تحليل معمق لآلية صنع القرار الحكومي في المرحلة الانتقالية

القرار الصغير الذي كشف الأزمة الكبيرة

تعميم منع المكياج في الدوام الرسمي لم يكن مجرد إجراء إداري، بل نافذة كاشفة على شكل السياسات العامة السورية الراهنة: سياسات تفتقر إلى رؤية كلية، وتغرق في إدارة السلوك الفردي بدل الانشغال بإدارة الدولة ومشكلاتها البنيوية.

المفارقة: تشدد في ضبط المظهر يتزامن مع تراجع في قدرة الدولة على الإنتاج الفعلي
  • خدمات عامة متدهورة
  • رواتب لا تكفي الحد الأدنى للعيش
  • بيروقراطية مرهقة تستهلك وقت الموظف والمواطن

دولة بلا سردية جامعة

في الدول الخارجة من أزمات، تظهر “سردية جامعة” تشرح للناس إلى أين تتجه، وما الذي تغير، ولماذا يطلب منهم الصبر أو التكيف.

“في الحالة السورية، تبدو هذه السردية غائبة أو مبتورة، ويحل مكانها تراكم تعاميم وقرارات جزئية لا يربطها إطار فكري أو سياسي واضح.”

من السياسة العامة إلى الضبط الإداري

السياسة العامة هي فن ترتيب الأولويات، أما في سوريا فهي أقرب إلى ضبط إداري بلا فلسفة.

الواقع الحالي
تدخلات متفرقة في الحياة اليومية لا تنتج أثراً اقتصادياً ملموساً
المأمول
إعادة تعريف علاقة الدولة بالمواطن على أساس الحقوق والكفاءة والمساءلة
النتيجة: توليد شعور عام بالوصاية بدلاً من بناء الثقة

لماذا النساء دائماً؟

في المجتمعات التي تعاني من هشاشة مؤسساتية، يصبح جسد المرأة مساحة سهلة للسيطرة الرمزية.

“فرض القيود على الجسد لا يحتاج إلى بنية قانونية معقدة، ولا يثير مقاومة منظمة، لكنه يعطي انطباعاً زائفاً بـ’الضبط’ و’الهيبة’.”
الكشف الحقيقي: فقر في الخيال السياسي، وعجز عن تصور أدوات حكم حديثة لا تمر عبر الجسد والرمز

الهروب الإداري

بدلاً من إصلاح البنى التحتية والمؤسسية، يتم نقل المعركة إلى مساحة رمزية لا تكلف شيئاً… إلا ثقة الناس.

المشكلة الهيكلية البديل الرمزي
إصلاح بنية الأجور التركيز على المظهر الخارجي
تحديث آليات العمل تعليمات سلوكية شكلية
مكافحة الفساد المؤسسي ضبط التفاصيل اليومية

غياب القانون… وحضور المزاج

تعاميم غير منشورة، تعليمات شفهية قابلة للتأويل، تسريبات تختبر عبر وسائل التواصل قبل أن تقنن أو تسحب.

الخطر: دولة تدار بمنطق المزاج والارتجال أكثر مما تدار بمنطق القانون والمؤسسات
  • تقدير فردي متقلب بدلاً من القواعد المكتوبة
  • سلطة غير قابلة للتنبؤ
  • منطقة رمادية للموظف والمواطن
“في مثل هذا المناخ، لا تنتج الطاعة بقدر ما ينتج القلق، ولا يبنى الانضباط بقدر ما تتآكل الثقة بين الدولة ومواطنيها.”

شاركنا رأيك

برأيك، ما هو جوهر أزمة السياسات العامة في سوريا؟
غياب الرؤية الاستراتيجية
التركيز على الرمزية بدلاً من الجوهر
هيمنة المنطق الأمني على الإداري
عدم وضوح العلاقة بين الدولة والمجتمع

الخلاصة: السؤال الجوهري

هل تريد الدولة السورية أن تكون دولة خدمات أم دولة وصاية؟

دولة الوصاية
تقاس بقدرتها على تنظيم سلوك المواطنين
دولة الخدمات
تقاس بقدرتها على تحسين حياة الناس

“الأزمة الحقيقية ليست في غياب الموارد، بل في غياب الرؤية. وسوريا اليوم لا تعاني فقط من نقص المال أو الحصار أو الدمار، بل من سياسات عامة لا تعرف ما الذي تريد أن تكونه الدولة بعد كل ما حدث.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *