قراءة تحليلية في الاقتصاد السوري بعد سقوط النظام: الأرقام والحوكمة

تشير أدبيات اقتصاديات ما بعد الصراع إلى أن السنة الأولى عقب التحولات السياسية الكبرى تكون غير كافية للحكم على الاتجاهات النهائية، لكنها كافية لرصد المسارات الناشئة  (emerging trajectories) الحالة السورية، وبعد مرور عام على انهيار النظام السابق، لا يزال الاقتصاد يعمل ضمن بيئة شديدة الهشاشة، إلا أن مجموعة من المؤشرات الكمية والنوعية تسمح بتحديد ملامح أولية للمسار العام، وكذلك مصادر اختناقه البنيوية.

أولاً: ديناميات تعافٍ تقودها العوامل الديموغرافية والتجارية

لا يمكن فهم مسار الاقتصاد السوري في عامه الأول بعد التحول السياسي من خلال مؤشرات النمو الكلي وحدها، إذ أن ديناميات التعافي الراهنة لا تنبع من سياسات اقتصادية متكاملة بقدر ما تتشكل بفعل عوامل ديموغرافية وتجارية مباشرة، ويقتضي تحليل هذه المرحلة التمييز بين ما يعكس تحسناً بنيوياً، وما يمثل استجابة ظرفية لزوال القيود وتغير أنماط الطلب.

  1. النمو: بين التقدير الرسمي والواقع الميداني

قدّرت مؤسسات دولية، من بينها البنك الدولي، معدل النمو الحقيقي للاقتصاد السوري في عام 2025 بنحو 1%، غير أن هذا الرقم يبدو غير متسق مع مجموعة من المؤشرات الجزئية، لا سيما تلك المتعلقة بالاستهلاك، وحركة الاستيراد، والنشاط العقاري.

يُقدَّر الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لسوريا بنحو20  مليار دولار، مقارنة بأكثر من 60 مليار دولار قبل عام 2011، وفي اقتصاد بهذا الحجم، فإن أي صدمة طلب إيجابية، لو كانت محدودة، تُترجم إلى نسب نمو أعلى مما تعكسه النماذج المحافظة.

  • عودة السكان كعامل نمو كلي

تشير بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وتقديرات محلية إلى عودة ما لا يقل عن 1.2 مليون لاجئ خلال عام واحد، إضافة إلى عدد غير محدد من العائدين غير المسجلين، تمثل هذه العودة ما يزيد عن 5% من إجمالي السكان قبل الحرب.

اقتصادياً، لا تُعد هذه العودة مجرد زيادة سكانية، بل:

  • توسعاً في قاعدة الاستهلاك المحلي.
  • ارتفاعاً في الطلب على السكن (خصوصاً في دمشق وحلب وحمص).
  • وزيادة في المعروض من العمل، وإن كان غير منظم.

حتى في ظل انخفاض الإنتاجية الفردية، فإن الأثر الصافي على الناتج الكلي يبقى إيجابياً في المدى القصير.

  • التجارة والانفتاح الخارجي

أسهمت إزالة القيود بين مناطق كانت مفصولة إدارياً واقتصادياً في استعادة جزء من التجارة الداخلية، كما أن الانفتاح الدبلوماسي سمح بعودة قنوات دعم خارجي، لا سيما في قطاع الطاقة.

على سبيل المثال، تعادل مبادرة دعم واحدة لإمدادات الغاز قدمتها دولة قطر ما يقارب 30% من إجمالي المساعدات الإنسانية لسوريا في عام 2024، وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، وهذا الرقم وحده يوضح حجم الأثر الذي يمكن أن تُحدثه تدخلات قطاعية مركّزة في اقتصاد منخفض القاعدة.

ثانياً: الاستثمار وإعادة الإعمار – فجوة بين الحجم والفعالية

يمثل الاستثمار وإعادة الإعمار الحلقة الأكثر حساسية في مرحلة ما بعد الصراع، ليس فقط بسبب أحجام التمويل المطروحة، بل بسبب الفجوة بين القيم المُعلنة والقدرة الفعلية على تحويلها إلى أصول إنتاجية مستدامة، ومن ثمّ فإن تقييم هذه المرحلة يقتضي الانتقال من تتبع الأرقام الإجمالية إلى فحص طبيعة الأدوات الاستثمارية نفسها، ومدى واقعيتها، وأطر حوكمتها.

  1. مذكرات التفاهم: قراءة كمية

أُعلن خلال عام واحد عن مذكرات تفاهم استثمارية بقيمة إجمالية تقارب 25.9 مليار دولار، غير أن التحليل التفصيلي لطبيعة هذه المذكرات يظهر أن:

  • نحو 67.5% من الشركات الموقعة تُصنف كشركات منخفضة المخاطر (مسجلة، ذات سجل تشغيلي).
  • بافتراض تحوّل 20% فقط من هذه المذكرات إلى مشاريع فعلية خلال خمس سنوات، فإن حجم الاستثمار المتوقع يبلغ5.2  مليارات دولار.

هذا الرقم يعادل نحو 26% من الناتج المحلي الإجمالي الحالي، وهو مستوى كفيل بإحداث أثر مضاعف (multiplier effect)  ملموس في حال توجيهه بكفاءة.

  • مشكلة الانتقاء والحوكمة

الإشكالية المركزية لا تتعلق بفشل بعض المشاريع، بل بغياب:

  • معايير موحدة لتقييم الجدوى.
  • إجراءات اختيار تنافسية.
  • وثائق عامة تتيح التحقق والمساءلة.

في غياب هذه الأدوات، تتحول الاستثمارات من أداة لإعادة البناء إلى عامل مخاطرة مؤسسية، خصوصاً في اقتصاد يحاول استعادة ثقة المانحين والأسواق.

  • انحياز نحو المشاريع القابلة للتسويق

تشير طبيعة المشاريع المطروحة إلى تركّز ملحوظ في البنية التحتية التجارية الكبرى، ورغم قدرتها على رفع الناتج الكلي، فإن أثرها على الرفاه الاجتماعي غالباً محدود، مقارنة بالاستثمار في:

  • المياه والصرف الصحي.
  • الكهرباء.
  • الأشغال العامة كثيفة العمالة.

في المقابل، لا توجد حتى الآن آلية تمويل واضحة لهذه القطاعات، خصوصاً في ظل نقاشات حول تخفيضات ضريبية تقلّص الإيرادات العامة.

ثالثاً: الدولة والحوكمة – المحدد الحاسم للاستدامة

لا يمكن تقييم فرص التعافي الاقتصادي بمعزل عن الإطار المؤسسي الذي تُتخذ داخله القرارات الكبرى، حيث تُظهر تجارب الدول الخارجة من النزاعات أن نوعية الحوكمة لا تقل أهمية عن حجم الموارد المتاحة، وفي السياق السوري، تبرز بنية الدولة الناشئة وتوزيع الصلاحيات داخلها كعامل حاسم في تحديد ما إذا كان التعافي سيبقى ظرفياً أم سيتحول إلى مسار مستدام.

  1. تمركز القرار الاقتصادي

تُقدَّر كلفة إعادة الإعمار بأكثر من 200 مليار دولار، بينما تدار المؤسسات المحورية (الصندوق السيادي، صندوق التنمية، هيئة الاستثمار) ضمن هيكل تنفيذي ضيق، مع ضعف أدوار السلطتين التشريعية والقضائية.

من منظور الاقتصاد السياسي، لا يُعد هذا التمركز مشكلة بحد ذاته، بل يصبح كذلك عندما يترافق مع:

  • غياب آليات رقابة مستقلة.
  • ضبابية في توزيع الصلاحيات.
  • وعدم وضوح قواعد اتخاذ القرار.
  • إدارة الأصول المصادَرة

يتلقى الصندوق السيادي أصولاً مصادَرة من رجال أعمال مرتبطين بالنظام السابق، لكن:

  • الأساس القانوني لآليات المصادرة غير محدد بدقة.
  • لا توجد استراتيجية معلنة لإدارة هذه الأصول أو إعادة توظيفها.
  • ولم تُعتمد إجراءات شفافة لتعيين قيادة الصندوق.

في بيئة قانونية ضعيفة، تتحول هذه الثغرات إلى مخاطر استثمارية وسياسية في آن واحد.

  • التمثيل وصناعة السياسات

أظهر تتبع تعيين 626 مسؤولاً رفيع المستوى منذ آذار 2025 أن النخبة الحاكمة تتسم بتجانس مرتفع (رجال، عرب، سنّة)، ورغم أن هذا النمط ليس استثنائياً عالمياً، إلا أن غياب آليات تشاور موازية يعمّق فجوة السياسات.

تشير دراسات ما بعد النزاع إلى أن إدماج النساء والفئات المهمشة يرفع فعالية السياسات الاقتصادية، لا لاعتبارات أخلاقية فقط، بل لقدرتهم على تحديد القيود الواقعية في الاقتصاد المحلي.

تشير المؤشرات إلى أن الاقتصاد السوري خرج من مرحلة الجمود الكامل، لكنه لم يدخل بعد مرحلة التعافي، فالنمو الحالي مدفوع بعوامل ظرفية مثل العودة السكانية، والطلب المكبوت، والانفتاح الجزئي، وهي عوامل غير كافية لضمان الاستدامة.

إن تحويل التعافي من حالة إلى مسار يتطلب:

  1. إطاراً استراتيجياً واضحاً لإعادة الإعمار.
  2. حوكمة استثمارية شفافة قائمة على المعايير.
  3. توزيعاً أوسع لصنع القرار الاقتصادي.

من دون ذلك، يبقى خطر إبقاء السوريين بحالة فقر مدقع، ولو بأدوات جديدة وخطاب مختلف.

الرسوم البيانية – الاقتصاد السوري بعد عام على سقوط النظام

الاقتصاد السوري بعد عام على سقوط النظام: قراءة تحليلية

رسوم بيانية تفاعلية تعكس المؤشرات والحوكمة الاقتصادية

تطور الناتج المحلي الإجمالي (مليار دولار)

• بلغ الناتج المحلي الإجمالي ذروته قبل 2011 بأكثر من 60 مليار دولار

• انخفض الناتج إلى 20 مليار دولار في عام 2025 (تقديري)

• الهدف المنشود لعام 2030 يصل إلى 45 مليار دولار في حال استمرار التعافي

عودة السكان كعامل نمو كلي

• عودة 1.2 مليون لاجئ مسجل خلال عام واحد (5% من إجمالي السكان قبل الحرب)

• أعداد إضافية غير مسجلة من العائدين الداخليين والخارجيين

• التأثير الاقتصادي: توسع قاعدة الاستهلاك، ارتفاع الطلب على السكن، زيادة المعروض من العمل

مصادر الدعم الخارجي (مقارنة)

• مبادرة دعم الغاز القطرية تعادل 30% من إجمالي المساعدات الإنسانية عام 2024

• إزالة القيود بين المناطق المفصولة سابقًا أسهمت في استعادة التجارة الداخلية

• الانفتاح الدبلوماسي سمح بعودة قنوات الدعم الخارجي المركزة

مذكرات التفاهم الاستثمارية (مليار دولار)

• إجمالي مذكرات التفاهم المعلنة: 25.9 مليار دولار

• 67.5% من الشركات الموقعة تُصنف كشركات منخفضة المخاطر

• التوقع: 20% فقط من المذكرات تتحول إلى مشاريع فعلية خلال 5 سنوات (5.2 مليار دولار)

• هذا الرقم يعادل 26% من الناتج المحلي الإجمالي الحالي

توزيع المشاريع الاستثمارية المقترحة

• تركّز ملحوظ في البنية التحتية التجارية الكبرى (45%)

• فجوة في تمويل القطاعات الاجتماعية الأساسية: المياه والصرف الصحي، الكهرباء، الأشغال العامة

• غياب آلية تمويل واضحة للقطاعات الاجتماعية مع نقاشات حول تخفيضات ضريبية

كلفة إعادة الإعمار وتوزيع الصلاحيات

• التكلفة التقديرية لإعادة الإعمار: أكثر من 200 مليار دولار

• تدار المؤسسات المحورية ضمن هيكل تنفيذي ضيق

• ضعف أدوار السلطتين التشريعية والقضائية في الرقابة

توزيع النخبة الحاكمة (626 مسؤولًا رفيع المستوى)

• تجانس مرتفع في النخبة الحاكمة (رجال، عرب، سنّة)

• غياب آليات تشاور موازية يعمّق فجوة السياسات

• دراسات ما بعد النزاع تشير إلى أن إدماج النساء والفئات المهمشة يرفع فعالية السياسات الاقتصادية

آليات الرقابة والحوكمة الاستثمارية

• غياب معايير موحدة لتقييم الجدوى

• ضعف الإجراءات الاختيارية التنافسية

• محدودية الوثائق العامة التي تتيح التحقق والمساءلة

• غياب آليات رقابة مستقلة على القرار الاقتصادي

إدارة الأصول المصادرة – التحديات

• الأساس القانوني لآليات المصادرة غير محدد بدقة

• لا توجد استراتيجية معلنة لإدارة الأصول أو إعادة توظيفها

• لم تُعتمد إجراءات شفافة لتعيين قيادة الصندوق السيادي

• تتحول هذه الثغرات إلى مخاطر استثمارية وسياسية في بيئة قانونية ضعيفة

الخلاصة: تشير المؤشرات إلى أن الاقتصاد السوري خرج من مرحلة الجمود الكامل، لكنه لم يدخل بعد مرحلة التعافي المستدام. النمو الحالي مدفوع بعوامل ظرفية مثل العودة السكانية، والطلب المكبوت، والانفتاح الجزئي، وهي عوامل غير كافية لضمان الاستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *