لم يكن مسار الليرة السورية خلال عام 2025 مجرد انعكاس لتقلبات اقتصادية عادية، بل شكل حالة دراسية نادرة لعملة تتحرك عند تقاطع السياسة والسيولة والتوقعات، فمنذ أواخر 2024 دخلت الليرة مرحلة جديدة، خرجت فيها من منطق “الإدارة المباشرة” الذي ساد لسنوات، لتصبح خاضعة بدرجة غير مسبوقة لتفاعل السوق مع الإشارات، لا مع الأساسيات وحدها.
قراءة هذا المسار تتطلب الابتعاد عن السرد الانطباعي، والنظر إلى سعر الصرف بوصفه سلسلة بيانات يومية تكشف أنماطا متكررة من تراجع بطيء وطويل، تقطعه قفزات حادة وقصيرة العمر، هذا السلوك غير المتناظر هو المفتاح لفهم ما جرى، وما يمكن أن يجري لاحقا.
صدمة التحول: حين يعاد تسعير المخاطر دفعة واحدة
في الأسابيع الأخيرة من عام 2024، شهدت الليرة واحدة من أعنف تحركاتها التاريخية، إذ انتقلت بسرعة من مستوى شبه مستقر إلى مستويات متدنية قياسية، وهذه الحركة لا يمكن تفسيرها بأدوات الاقتصاد الكلي التقليدية، إذ لم يسبقها تغير فجائي في الميزان التجاري أو الكتلة النقدية أو الإنتاج.
ما حدث كان إعادة تسعير شاملة للمخاطر، ففي لحظات التحول السياسي الكبرى، تتحرك الأسواق وفق منطق الاحتمالات القصوى، فالخوف من الفراغ، وتعطل المؤسسات، وغموض شكل السلطة المقبلة، كلها اجتمعت لتدفع العملة إلى ما يشبه “القاع النفسي”، وفي لغة البيانات، كانت تلك صدمة توقعات خالصة.
التعافي السريع: قوة الإشارة قبل قوة التدفق
اللافت أن هذا الانهيار لم يدم طويلا، فخلال فترة قصيرة، استعادت الليرة جزءا كبيرا من قيمتها، وهذا التعافي السريع لا يدل على تحسن اقتصادي فعلي، بل على فعالية الإشارات السياسية المبكرة في خفض علاوة المخاطر، فعندما تطمئن سلطات الأسواق حول الودائع، وتخفف القيود على التداول، فإنها لا تضخ دولارات، لكنها تخفف الخوف، وهو متغير لا يقل تأثيرا في المدى القصير.
من زاوية تحليلية، يمكن وصف هذه المرحلة بأنها تصحيح مبالغ فيه لحركة مبالغ فيها أصلا، فالسعر عاد إلى مستوى أقرب لما يمكن اعتباره “توازنا نفسيا”، وليس مستداما تدعمه التدفقات أو الإنتاج.
تحسن مشروط: بداية عام جديد بلا قواعد صلبة
مع دخول عام 2025، بدأت الليرة مسار تحسن تدريجي مع عودة جزئية للنازحين، وتدفق محدود للحوالات، والسماح القانوني باستخدام العملات الأجنبية في التعاملات التجارية، وكلها عوامل ساهمت في زيادة عرض النقد الأجنبي داخل السوق.
غير أن قراءة البيانات تظهر بوضوح أن هذا التحسن كان هشا، ففي كل مرة تستقر فيها الليرة نسبيا، كانت تعاود التراجع ببطء، والسبب الجوهري يكمن في فجوة هيكلية، فالطلب على الدولار، مدفوعا بالاستيراد، كان ينمو أسرع من أي مصدر مستدام للعملة الصعبة.
هذا النمط من استقرار قصير يعقبه تراجع أطول يشير إلى أن السوق كانت تبحث عن مستوى توازن جديد، لكنها لا تجده فتستمر في إعادة التسعير تدريجيا.
السيولة المحلية: حين يتحسن السعر لأن النقد نادر
أحد أكثر العوامل تأثيرا، وإن بدا غير بديهي، كان شح السيولة بالليرة، فالقيود على السحوبات، وتأخير الرواتب، قلصت حجم النقد المتداول في اقتصاد يعتمد أساسا على المعاملات النقدية، والنتيجة كانت تحسنا واضحا في سعر الصرف.
لكن هذا النوع من التحسن إشكالي، فهو لا يعكس قوة العملة، بل ضعف قدرتها على الدوران، والسعر يتحسن لأن الناس لا تملك ما تنفقه، لا لأن الاقتصاد ينتج أكثر أو يصدر أكثر، ومثل هذه التحركات تكون مؤقتة، وتخفي تحتها ضغوطا تتراكم بصمت.
السوق والتوقعات: لماذا كانت القفزات قصيرة العمر؟
خلال العام، تكرر نمط لافت؛ إعلان سياسي أو إشارة خارجية إيجابية تؤدي إلى تحسن حاد في سعر الصرف خلال يوم أو يومين، يعقبه تراجع شبه كامل خلال فترة وجيزة، هذا السلوك يعكس سوقا تدار بالتوقعات المتقدمة، حيث يسعر الاحتمال قبل تحققه، ثم يعاد تصحيح السعر عند غياب الأثر الملموس.
هذه التحركات تصنف كصدمات عالية الشدة وقصيرة الأجل، وهي تفسر لماذا كان عدد أيام التراجع أكبر من أيام التحسن، رغم أن التحسن عندما يحدث يكون أسرع وأقوى، فالسوق لا تبني اتجاها صاعدا، بل تقفز ثم تعود.
الانعطاف النقدي: حين تدخل الكتلة النقدية اللعبة
منتصف العام شهد نقطة تحول حاسمة مع ضخ كتلة نقدية كبيرة عبر زيادات الأجور والمعاشات، ومن منظور كمي، هذه واحدة من أكبر صدمات السيولة في فترة قصيرة، فالأثر لم يكن فوريا، لكنه كان واضحا في الاتجاه.
بدءا من الصيف، دخلت الليرة مسار تراجع بطيء ولكن ثابت، ولم يكن هناك انهيار حاد، بل انزلاق تدريجي، يعكس ترجمة هذه السيولة إلى إنفاق، ثم إلى ضغط تضخمي، ثم إلى طلب إضافي على الدولار، هذا السلوك يتسق تماما مع نماذج الاقتصاد النقدي في بيئات تعاني أصلا من اختلالات تجارية.
الاتجاه العام: ما الذي تقوله السلسلة الزمنية؟
عند النظر إلى العام تظهر ثلاث سمات رئيسية:
- الاتجاه طويل الأجل كان تراجعيا، رغم فترات التحسن.
- التقلب كان مرتفعا، ما يعكس هشاشة الثقة.
- السعر استجاب للإشارات أسرع من استجابته للتغيرات الحقيقية.
هذه السمات تشير إلى عملة تعيش في حالة انتقالية، لم تستقر بعد على قواعد جديدة للسياسة النقدية أو التجارية.
إلى أين يمكن أن يتجه المسار؟
في غياب احتياطيات كبيرة من النقد الأجنبي، ومع محدودية أدوات السياسة النقدية الفعالة، يبقى سعر الصرف محكوما بالسيولة الفعلية لا بالأهداف المعلنة، وما لم يتغير التوازن بين الإنتاج والاستيراد، سيبقى الضغط قائما.
من المرجح أن يستمر نمط التراجع البطيء، تتخلله قفزات مؤقتة مدفوعة بالأخبار، فأي تحرر واسع للسيولة المحتجزة يؤدي إلى صدمة إضافية، لكنها ستكون لمرة واحدة، يعقبها امتصاص تدريجي.
حين تتكلم الأرقام بلا ضجيج
تكشف قراءة العام الماضي أن الليرة السورية لم تكن تتحرك وفق منطق الانهيار الحتمي ولا التعافي السريع، بل وفق منطق أدق؛ توازن هش بين الخوف والسيولة والتوقعات، والأرقام لا تظهر كارثة وشيكة، لكنها لا توحي باستقرار قريب أيضا.
لا يمكن للعملة أن تستقر طويلا على أساس الإشارات وحدها، ومن دون توسع إنتاجي حقيقي، وتخفيف مستدام لعجز التجارة، سيبقى سعر الصرف مرآة دقيقة لاقتصاد يحاول إعادة تعريف نفسه، خطوة بطيئة تلو أخرى.
📈 تطور سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار (تقديري)
الرسم البياني التفاعلي لتقلبات سعر الصرف
البيانات التفصيلية لتطور السعر (السوق السوداء)
| الفترة الزمنية | الحدث/السياق الرئيسي | سعر الصرف التقريبي (ل.س/دولار) | الاتجاه |
|---|---|---|---|
| كانون الأول 2024 (بداية) | ما قبل انهيار النظام | 14,500 – 15,000 | مستقر نسبيًا |
| كانون الأول 2024 (منتصف) | تحرير حلب وحماة | 25,000 (ذروة) | انهيار حاد |
| كانون الأول 2024 (نهاية) | بداية استقرار أمني نسبي | 15,000 – 16,000 | تحسن سريع |
| كانون الثاني 2025 | رفع قيود جزئية وتحسن نفسي | 13,000 – 14,000 | تحسن |
| شباط 2025 | شح السيولة وقيود السحب | 8,500 – 9,000 | تحسن قوي |
| آذار 2025 | عودة الضغط التجاري | 9,500 – 10,500 | تراجع تدريجي |
| نيسان 2025 | استقرار هش | 11,000 – 12,000 | تذبذب |
| أيار 2025 (منتصف) | إعلان نية رفع العقوبات الأميركية | ~9,500 | تحسن حاد |
| أيار 2025 (نهاية) | تلاشي أثر الإعلان | ~10,500 | تصحيح |
| حزيران 2025 | ترقب + ضبط الحوالات | ~10,000 | استقرار نسبي |
| تموز 2025 | رفع الرواتب بنسبة 200% | 10,500 – 11,000 | بداية تراجع |
| آب 2025 | ترجمة السيولة إلى إنفاق | ~11,000 | تراجع بطيء |
| أيلول 2025 | ضغط تضخمي تدريجي | 11,200 – 11,500 | تراجع |
| تشرين الأول 2025 | استقرار ضعيف | ~11,500 | أفقي مائل للهبوط |
| تشرين الثاني 2025 | ضغوط تجارية مستمرة | 11,800 – 12,000 | تراجع |
| كانون الأول 2025 (بداية) | إعلانات مرتبطة بقانون قيصر | ~11,200 | تحسن مؤقت |
| كانون الأول 2025 (منتصف–نهاية) | تصحيح السوق | ~12,000 | تراجع |
مقارنة مع السعر الرسمي
السعر الرسمي (تقديري)
| الفترة | السعر الرسمي التقريبي |
|---|---|
| نهاية 2024 | ~12,500 |
| بداية 2025 | ~13,000 |
| بعد شباط 2025 | ~12,000 |
| من أيار حتى نهاية 2025 | ~11,000 (ثابت تقريبًا) |
الفجوة بين السعرين
تقلصت الفجوة بين السعر الرسمي والسوق السوداء بعد شباط 2025 نتيجة:
- شح السيولة في السوق
- قيود السحب والتحويلات
- ليس بسبب قوة العملة الأساسية
الاتجاه العام: تقلص الفجوة من ذروة 13,000 ل.س إلى حوالي 1,000 ل.س في بعض الفترات
ملاحظات تحليلية مختصرة
- الفجوة بين السعر الرسمي والسوق السوداء تقلّصت بعد شباط 2025 نتيجة شح السيولة لا قوة العملة.
- التحركات الأكبر (صعودًا) ارتبطت بأحداث سياسية لا بتغيرات إنتاجية أو اقتصادية هيكلية.
- الاتجاه العام منذ تموز 2025 هو تراجع بطيء منتظم مع تقلبات قصيرة مرتبطة بأخبار سياسية.
- الليرة السورية تظهر حساسية عالية للأحداث السياسية والأمنية أكثر من المؤشرات الاقتصادية التقليدية.
- فترة الاستقرار النسبي (شباط – أيار 2025) ارتبطت بتحسن الوضع الأمني وضبط السوق المالي.

