الاتفاق الذي أعلن بين قوات سوريا الديمقراطية وسلطة “دمشق” مجرد تسوية أمنية مؤقتة أو تفاهم إداري تقني، بل حدث جيوسياسي كثيف الدلالات، يعكس إعادة تشكيل قسري لتوازنات القوة في شمال – شرق سوريا، حيث ولد من رحم الإنهاك المتبادل، ومن تآكل هوامش المناورة لدى الطرفين، ليضع حدا لمرحلة كاملة من إدارة الصراع عبر الأمر الواقع، ويفتح الباب أمام طور جديد تعاد فيه صياغة العلاقة بين المركز والأطراف، لا بوصفها شراكة متكافئة، ولا كاستسلام كامل، بل كحل وسط فرضته موازين القوة والظرف الإقليمي والدولي.
يكشف الاتفاق عن منطق الدولة حين تضطر لاستعادة سيادتها لا عبر النصر الحاسم، بل عبر الترتيب التدريجي لتفكيك واقع قائم، ببطء محسوب وحسابات دقيقة، فالسياسة هنا لا تقاس ببلاغة البيانات ولا بحدة الشعارات، بل بقدرتها على إعادة ربط الأرض بالسلطة، والسلاح بالإدارة، والموارد بالقرار المركزي، وذلك في مسار طويل تتقدم فيه الدولة خطوة، وتختبر في كل خطوة حدود قوتها وقدرتها على الاحتواء، قبل أن تختبر قدرتها على الحكم.
الأرض بوصفها حجة سياسية
شكل الشمال-الشرقي السوري، على امتداد سنوات الحرب، مجالا سياسيا وجغرافيا خاصا بوصفه فضاء منفصلا وظيفيا عن مركز الدولة، فهو إقليم واسع ومنخفض الكثافة السكانية، وغني بالموارد الاستراتيجية، ومفصول عمليا عن مركز القرار، ما جعله بيئة ملائمة لتكاثر أنماط حكم بديلة.
هذا الانفصال لم يكن نتيجة خيار سياسي معلن، بقدر ما كان حصيلة تراكب الفراغ السلطوي مع الحماية الخارجية وتحول السيطرة العسكرية إلى أساس للشرعية، في منطقة مفتوحة على تدخلات دولية متعددة ومتعارضة.
في هذا المجال الهش، تأسس واقع “إدارة ذاتية” مسنود بقوة عسكرية منظمة، وبحماية دولية غير معلنة لكنها فاعلة ميدانيا، وباقتصاد موارد يقوم على النفط والحبوب والمعابر، أي على عناصر السيادة ذاتها، ويأتي الاتفاق الأخير باعتراف ضمني بأن هذا الواقع لم يكن طارئا ولا قابلا للإزالة دفعة واحدة، لكنه في الوقت نفسه إعلان عن عزم الدولة على إعادة إدخاله ضمن بنيتها، وإعادة لا تبنى على الاجتياح أو الكسر المفاجئ، لما يحمله ذلك من مخاطر التفكك والفراغ، بل على تفكيك مرحلي محسوب، يعيد ربط المجال بالدولة خطوة خطوة، ويحول السيطرة الواقعية إلى سيادة مدارة.
منطق الدمج لا منطق النصر
النصوص المعلنة عن دمج قوات “قسد” في المؤسسة العسكرية تعبير مكثف عن ميزان قوى دقيق فرض منطقه على طاولة التفاوض، فالدمج بخلاف الحل أو التفكيك القسري، يفترض اعترافا متبادلا لا يقال صراحة عبر اعتراف الدولة بوجود قوة عسكرية متماسكة راكمت خبرة وسيطرة ميدانية لا يمكن تجاوزها، واعتراف “قسد” في المقابل بأن الاستمرار ككيان مسلح خارج بنية الدولة لم يعد خيارا قابلا للاستدامة، بعدما ارتفعت كلفته السياسية والعسكرية وتقلصت مظلته الخارجية.
الخيار يحمل في طياته مخاطر بنيوية عميقة، فدمج قوة تشكلت خارج العقيدة العسكرية المركزية، وبسلسلة قيادة مستقلة، داخل جيش دون إعادة صياغة واضحة للهرمية القيادية والعقيدة القتالية، ينتج ازدواجية كامنة داخل المؤسسة العسكرية التي تعاني من غياب عقيدة وطنية جامعة وتشكلت من مجموعة فصائل، يتحول الدمج من أداة توحيد إلى مصدر هشاشة، ويغدو الاتفاق اختبارا حقيقيا لقدرة المركز لا على السيطرة بالقوة، بل على الامتصاص المؤسساتي، وعلى تحويل التعدد العسكري من عامل تفكك محتمل إلى عنصر منضبط داخل بنية دولة تسعى إلى إعادة بناء احتكارها المشروع للقوة.
ثالثا: الإدارة… قلب الصراع المؤجل
أكثر بنود الاتفاق حساسية تتعلق بالإدارة بوصفها جوهر السلطة اليومية، فدمج المؤسسات المدنية التي أنشأتها “الإدارة الذاتية” في هياكل الدولة يطرح سؤالا سياسيا يتجاوز الصيغة التقنية للدمج، فهل نحن أمام عودة فعلية إلى مركزية صلبة تعيد احتكار القرار من العاصمة، أم أمام لا مركزية مقنعة تدار من الأعلى لكنها تمارس محليا؟ هذا السؤال لا يحسم في النصوص، بل يترك عمدا مفتوحا، بما يعكس تردد الدولة بين استعادة السيطرة الكاملة وتجنب انفجار اجتماعي وإداري في منطقة اعتادت على نمط مختلف من الحكم.
تثبيت الموظفين المحليين يبدو خطوة لتفادي الفراغ المؤسسي والانهيار الخدمي، لكنه في الوقت نفسه يفتح مسارا تفاوضيا طويلا ومعقدا حول جوهر السلطة؛ من يقرر؟ من يمول؟ من يضع المناهج؟ أي لغة تدرس؟ وكيف تجبى الضرائب وتعاد توزيعها؟ فينتقل الصراع من خطوط التماس إلى المكاتب والبلديات والمدارس، وتغدو السياسة اليومية هي العامل الحاسم في تقرير مصير الاتفاق، واستقراره أو تآكله البطيء.
رابعا: الموارد… حيث تختبر السيادة
لا يمكن فهم هذا الاتفاق خارج معادلة الموارد من نفط وقمح ومياه، فالسيطرة على حقول النفط في الحسكة ودير الزور لا تختزل في بعدها المالي، بل تمثل جوهر السيادة نفسها، والدولة التي لا تتحكم بمواردها الأساسية تبقى سيادتها منقوصة، ومجرد كيان إداري بلا أدوات فعلية، وتبدو إعادة هذه الموارد إلى الإطار المركزي شرطا ضروريا لإعادة بناء الدولة، لا من حيث الإيرادات فحسب، بل من حيث القدرة على التخطيط والضبط وربط الاقتصاد الوطني بقرار سياسي واحد.
هذه العملية إذا جرت بمنطق الجباية لا بمنطق التنمية، ستصطدم سريعا بواقع اجتماعي هش ومطالب محلية مشروعة، فالمجتمعات التي عاشت سنوات على اقتصاد الموارد المباشر ستطالب بنصيبها من العائدات في شكل خدمات، وبنى تحتية، وفرص عمل، لا مجرد وعود سيادية مجردة، والفشل في تحويل “استعادة الموارد” إلى تحسن ملموس في شروط العيش يعيد إنتاج التوتر، لا بوصفه صراعا سياسيا مباشرا، بل كاحتقان اجتماعي واقتصادي قابل للانفجار، يعيد فتح سؤال الشرعية من باب الاقتصاد بعد أن أغلق مؤقتا من باب السلاح.
العامل الخارجي… الحاضر الغائب
الاتفاق مرتبط أيضا بحسابات القوى الخارجية التي شكلت الإطار غير المرئي لإدارة الصراع في شمال-شرق سوريا، فالولايات المتحدة، التي وفرت مظلة حماية سياسية وعسكرية لـ”قسد”، تبدو اليوم أقل استعدادا للاستثمار طويل الأمد في هذا الملف، سواء بفعل تبدل أولوياتها الإقليمية أو إرهاق الانخراط المباشر، وهذا التراجع النسبي دفع حلفاء الأمس إلى إعادة التموضع، والبحث عن تسويات تقلل كلفة العزلة المحتملة، وتؤمن انتقالا أقل خطورة من وضع الحماية الخارجية إلى وضع الاندماج الداخلي.
تراقب تركيا بحساسية عالية أي صيغة تنتج اعترافا سياسيا أو عسكريا دائما بالوجود الكردي المنظم على حدودها الجنوبية، ما يجعلها فاعلا غير مباشر في حسابات التنفيذ وحدوده، أما روسيا، فترى في الاتفاق فرصة لتعزيز منطق “الدولة الواحدة” الذي تفضله، ولتكريس نموذج تسوية يعيد الأطراف المحلية إلى المركز تحت مظلة سيادية واضحة، وهذا التوازن الخارجي الهش، القائم على مصالح متقاطعة لا على توافق استراتيجي، يجعل الاتفاق عرضة للاهتزاز مع أي تبدل إقليمي مفاجئ، ويحوله من تسوية مستقرة إلى ترتيب قابل لإعادة التفاوض عند أول اختلال في البيئة المحيطة.
سادسا: المجتمع المحلي… بين الأمل والحذر
على المستوى الاجتماعي، يثير الاتفاق مشاعر متناقضة، فجزء من السكان يرى فيه نهاية محتملة لحالة اللايقين والحصار غير المعلن، وجزء آخر يخشى فقدان مكتسبات ثقافية وإدارية تحققت خلال سنوات الحرب، والضمانات المتعلقة بالحقوق الثقافية والتعليمية ليست تفصيلا ثانويا، بل شرطا ضروريا لتحويل الاتفاق من صفقة نخب إلى عقد اجتماعي قابل للحياة.
ما يميز هذا الاتفاق أنه ليس بين دولتين، بل بين سلطة انتقالية وأحد أشكال الحكم المنفلتة سابقا، وهذا النوع من التفاوض يكشف عن مرونة السلطة الحالية؛ نتيجة الاملاء الخارجي، حين تكون مضطرة، وعن حدود قوتها حين لا تملك ترف الحسم، فالسلطة هنا لا تعود ككيان منتصر، بل كمنظم للفوضى، يحاول تحويل الوقائع العسكرية إلى انتظام إداري، والاختلاف السياسي إلى خلاف قابل للاحتواء.
ثامنا: سيناريوهات ما بعد الاتفاق
يمكن تصور ثلاثة مسارات:
- مسار التثبيت التدريجي حيث ينفذ الاتفاق ببطء، مع احتكاكات محدودة، لكنه ينجح في النهاية في إعادة دمج المنطقة ضمن السلطة.
- مسار التعطيل الناعم فتبقى البنود معلقة، ويستمر الواقع السابق بأسماء جديدة.
- مسار الانكفاء فيؤدي فشل التنفيذ أو تبدل المعادلات الخارجية إلى انهيار الاتفاق وعودة التوتر.
الاتفاق في جوهره ليس حلا نهائيا، بل إدارة لمسافة خطرة بين واقعين: سلطة تفرض سيادتها، وقوة محلية تريد ضمان بقائها، والنجاح لن يقاس بسرعة التنفيذ، بل بقدرة الأطراف على تحويل الجغرافيا من ساحة صراع إلى إطار تنظيم، وعلى إدراك أن السيادة، في زمن ما بعد الحرب، لا تفرض فقط بالقوة، بل تبنى بالصبر، والتفاوض، وقدرة القوى الدولية على لجم الأطراف للقبول والامتثال ضمن حدود من الخسارة المتبادلة، وامتلاك القدرة على قراءة الأرض قبل رفع الشعارات.
التحليل الجيوسياسي: اتفاق دمشق – قسد
خريطة العلاقات بين الأطراف الرئيسية
المحاور الجيوسياسية الرئيسية
الاتفاق ليس تسوية أمنية مؤقتة بل حدث جيوسياسي كثيف يعكس إعادة تشكيل قسري لتوازنات القوة.
الدولة تضطر لاستعادة سيادتها لا عبر النصر الحاسم بل عبر الترتيب التدريجي لتفكيك واقع قائم.
دمج قوات “قسد” في المؤسسة العسكرية يعكس ميزان قوى دقيق واعترافاً متبادلاً:
- اعتراف الدولة بوجود قوة عسكرية متماسكة
- اعتراف قسد بأن الاستمرار خارج بنية الدولة لم يعد مستداماً
دمج المؤسسات المدنية يطرح سؤالاً سياسياً جوهرياً:
هل نحن أمام عودة إلى مركزية صلبة أم أمام لا مركزية مقنعة؟
ينتقل الصراع من خطوط التماس إلى المكاتب والبلديات والمدارس.
السيطرة على حقول النفط في الحسكة ودير الزور تمثل جوهر السيادة.
الفشل في تحويل “استعادة الموارد” إلى تحسن ملموس في شروط العيش يعيد إنتاج التوتر.
القوى الخارجية شكلت الإطار غير المرئي لإدارة الصراع:
- الولايات المتحدة: أقل استعداداً للاستثمار طويل الأمد
- تركيا: تراقب بحساسية عالية
- روسيا: ترى فرصة لتعزيز منطق “الدولة الواحدة”
الأطراف الفاعلة والمصالح المتقاطعة
سيناريوهات ما بعد الاتفاق
ينفذ الاتفاق ببطء، مع احتكاكات محدودة، ويتمكن في النهاية من إعادة دمج المنطقة ضمن الدولة. الدولة تنجح في تحويل السيطرة الواقعية إلى سيادة مدارة.
تبقى بنود الاتفاق معلقة، ويستمر الواقع السابق بأسماء جديدة. التوتر يتحول إلى صراع خفي في المكاتب والمؤسسات مع غياب الحل الجذري.
يؤدي فشل التنفيذ أو تبدل المعادلات الخارجية إلى انهيار الاتفاق وعودة التوتر المباشر. الدولة تفشل في اختبار الامتصاص المؤسساتي.
تحليل مقارن: قبل وبعد الاتفاق
| المجال | قبل الاتفاق | بعد الاتفاق | التحديات |
|---|---|---|---|
| الوضع العسكري | قوة عسكرية مستقلة خارج بنية الدولة | دمج تدريجي في المؤسسة العسكرية الوطنية | الازدواجية في القيادة والعقيدة |
| الإدارة المحلية | إدارة ذاتية مستقلة مع مؤسسات خاصة | دمج في هياكل الدولة مع تثبيت الموظفين | التردد بين المركزية واللامركزية |
| السيطرة على الموارد | سيطرة محلية على النفط والموارد | إعادة ربط بالقرار المركزي | تحويل الجباية إلى تنمية |
| العلاقات الخارجية | حماية أمريكية مباشرة | إعادة تموضع مع ضعف المظلة الخارجية | الحساسية التركية والرهان الروسي |
| الوضع الاجتماعي | مجتمع معتاد على نمط حكم بديل | مجتمع بين الأمل في الاستقرار والخوف من الضياع | تحويل الاتفاق إلى عقد اجتماعي |
مسار التحول المتوقع
تطبيق أولي مع احتفاظ كل طرف بجزء من نفوذه. اختبار حدود التزام الأطراف.
انتقال الصراع إلى المكاتب والإدارة. تحديد من يقرر ويمول ويخطط.
إما تحويل الاتفاق إلى واقع دائم أو بدء تآكله البطيء مع تصاعد الاحتكاكات.
الخلاصة الجيوسياسية
الاتفاق في جوهره ليس حلاً نهائياً، بل إدارة لمسافة خطرة بين واقعين:
- دولة تريد استعادة سيادتها عبر التفكيك التدريجي للواقع القائم
- قوة محلية تريد ضمان بقائها في ظل تراجع المظلة الخارجية
- مجتمع يبحث عن استقرار بعد سنوات من اللايقين
النجاح لن يقاس بسرعة التنفيذ، بل بقدرة الأطراف على تحويل الجغرافيا من ساحة صراع إلى إطار تنظيم، وعلى إدراك أن السيادة في زمن ما بعد الحرب لا تفرض فقط بالقوة، بل تبنى بالصبر والتفاوض.

