الأكراد وسوريا الجديدة: نقد السردية الأميركية عن التخلي والاستقرار

في الشرق الأوسط، لا تموت القضايا، بل تُدفن مؤقتا تحت طبقات من التسويات، والقضية الكردية واحدة من تلك الملفات التي تُعاد صياغتها كل عقد بلغة جديدة، فيما يبقى جوهرها ثابتا؛ شعب بلا دولة، وشراكات دولية لا تصمد عند أول اختبار مصالح.

ما يجري اليوم في شمال شرقي سوريا، كما ترصده فريدا غيتيس في World Politics Review، ليس انعطافة مفاجئة، بل عودة مألوفة إلى منطق قديم، يجري تقديمه هذه المرة تحت عنوان “إعادة توحيد الدولة”، وهنا ليس مهما مجادلة الوقائع التي أوردها كاتب المقالة، بل البحث في المنطق الذي قدمه في قراءته.

1

السردية السائدة تقول إن سوريا الخارجة من الحرب لا يمكن أن تُدار إلا من مركز واحد، وإن أي تجربة حكم ذاتي، مهما بلغت فعاليتها، تشكل تهديدا كامنا لفكرة الدولة، فتُعاد شرعنة المركزية لا بوصفها خيارا سياسيا، بل حقيقة جغرافية – تاريخية لا تقبل النقاش، فلا يُنظر إلى الإدارة الذاتية الكردية كنموذج محتمل لإعادة بناء سوريا، بل كاستثناء مؤقت انتهت صلاحيته بانتهاء الحاجة العسكرية إليه.

المفارقة أن المناطق الكردية كانت، طوال سنوات، الأكثر استقرارا والأقل فوضى، والأوضح التزاما بمعايير حكم محلي حديث، من مشاركة النساء في القتال والسياسة، إلى إدارة تعددية للأقليات، لكن هذه الإنجازات لم تتحول إلى رأسمال سياسي قابل للدفاع عنه دوليا، على العكس، بدت وكأنها عبء أخلاقي على نظام إقليمي لا يحبذ النماذج التي يصعب التحكم بها.

حين أعلن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع عن إعادة الجنسية للأكراد والاعتراف بلغاتهم وطقوسهم، بدا المشهد وكأنه لحظة تصالح تاريخي، غير أن السياسة لا تُقاس بالنوايا المعلنة، بل بتوازن القوة الذي يرافقها. فما يُعاد هنا ليس سلطة الأكراد على مصيرهم، بل إدماجهم الرمزي في دولة تستعيد مركزيتها الكاملة، والهوية تُمنح، لكن السلاح يُسحب، واللغة يعترف بها، لكن القرار يُنقل إلى دمشق؛ إنها تسوية تُعيد إنتاج معادلة قديمة عبر الاعتراف الثقافي مقابل التفريغ السياسي.

2

في خلفية هذا المشهد، تقف الولايات المتحدة بوصفها لاعبا غائبا حاضرا في آن واحد، فواشنطن لم تُخف يوما أن علاقتها بـ”قوات سوريا الديمقراطية” كانت علاقة وظيفة لا شراكة، والمهمة كانت واضحة هزيمة تنظيم “الدولة الإسلامية”، وحين أُنجزت المهمة، لم تعد هناك ضرورة استراتيجية للإبقاء على كيان مسلح مستقل يربك التفاهمات مع أنقرة ودمشق، فلم يكن التخلي مفاجئا، بل نتيجة منطقية لعقيدة ترى الحلفاء أدوات مرحلية.

أما تركيا، فتدخل المشهد من زاوية مختلفة، لكنها تصل إلى النتيجة نفسها، وبالنسبة لأنقرة، لا يمكن القبول بأي كيان كردي منظم، حتى وإن أعلن ولاءه لسوريا موحدة، فالمسألة ليست حدودا أو موارد، بل سابقة سياسية، ووجود نموذج كردي ناجح على حدود تركيا الجنوبية يظل خطرا بنيويا، مهما تغيرت الأسماء والشعارات، فيُعرف “الاستقرار” باعتباره غياب القوة الكردية، لا غياب الصراع.

3

يمر التحول السياسي للرئيس الانتقالي أحمد الشرع بسلاسة لافتة، فماضيه الجهادي يُذكر، لكنه لا يُناقش بوصفه عاملا محددا لطبيعة السلطة الجديدة، بل كمرحلة طُويت مع الاعتراف الدولي، وهذا النوع من إعادة التأهيل السريع ليس جديدا في الشرق الأوسط، حيث تُغفر الأيديولوجيات السابقة ما دامت السلطة الحالية قادرة على تطبيق كل الاملاءات الخارجية، وعدم المطالبة بالحقوق الوطنية، غير أن ثمن هذا التجاهل لا يُدفع في العواصم، بل في المناطق الطرفية، حيث  المكونات الأقل عددا “الأقليات” أول من يختبر حقيقة “التحول”.

الخسارة الأوضح في هذه المعادلة تلك التي لا تُقاس بسهولة؛ خسارة النساء، فالنموذج الكردي لم يكن مجرد تجربة عسكرية، بل تجربة اجتماعية كسرت بنى تقليدية راسخة، وتفكيك هذا النموذج لا يعني فقط إعادة رسم خطوط السيطرة، بل إرجاع عقارب الساعة الاجتماعية إلى الوراء، وتمر هذه المسألة في الخطاب الدولي كأثر جانبي، لا كجوهر سياسي.

4

الحديث عن “صمود الأكراد” في خاتمة القصة يبدو، للوهلة الأولى، تعبيرا عن احترام، لكنه في العمق تبرير غير معلن لتركهم وحدهم، فحين يُفترض أن شعبا ما قادر دائما على النجاة، يصبح التخلي عنه أقل كلفة أخلاقيا، والصمود يتحول من حق إلى واجب، ومن خيار إلى قدر.

ما تكشفه هذه اللحظة السورية ليس فقط مصير الأكراد، بل طبيعة النظام الدولي نفسه الذي يفضل الدولة القوية على الدولة العادلة، والاستقرار السريع على السلام المستدام، والتسويات التي تُرضي العواصم على الحلول التي تحمي الأطراف، وفي هذا النظام، تبقى الجغرافيا أكثر صدقا من الخطاب، وتبقى الجبال مرة أخرى أكثر وفاء من التحالفات.

المصدر الأساسي:
فريدا غيتيس، Syria’s Kurds Are Now at the Mercy of Damascus،
World Politics Review، 29 كانون الثاني/يناير 2026.

ما بعد التخلي: الأكراد، الدولة، ووهم الاستقرار في سوريا الجديدة

ما بعد التخلي: الأكراد، الدولة، ووهم الاستقرار في سوريا الجديدة

في الشرق الأوسط، لا تموت القضايا، بل تُدفن مؤقتًا تحت طبقات من التسويات

1 السردية السائدة: المركزية كحقيقة جغرافية – تاريخية

الإدارة الذاتية الكردية (الواقع)

• الأكثر استقرارًا خلال سنوات الحرب

• أقل فوضى وأوضح التزامًا بمعايير الحكم المحلي الحديث

• مشاركة فعالة للنساء في القتال والسياسة

• إدارة تعددية للأقليات

السردية المركزية (الخطاب)

• سوريا لا تُدار إلا من مركز واحد

• الحكم الذاتي تهديد كامن لفكرة الدولة

• المركزية حقيقة جغرافية-تاريخية لا تقبل النقاش

• الإدارة الكردية استثناء مؤقت انتهت صلاحيته

“لا يُنظر إلى الإدارة الذاتية الكردية كنموذج محتمل لإعادة بناء سوريا، بل كاستثناء مؤقت انتهت صلاحيته بانتهاء الحاجة العسكرية إليه.”

2 الفاعلون: عقائد المرحلة والتحولات الاستراتيجية

الولايات المتحدة

العقيدة: علاقة وظيفة لا شراكة

المهمة: هزيمة داعش (أُنجزت)

الموقف الحالي: التخلي المنطقي

التفكير: حلفاء مرحليون

تركيا

الهاجس: السابقة السياسية الكردية

التعريف: الاستقرار = غياب القوة الكردية

الخوف: نموذج كردي ناجح على الحدود

الهدف: تفكيك الكيان الكردي المنظم

دمشق (السلطة الجديدة)

الإستراتيجية: إعادة التوحيد المركزي

الأسلوب: الاعتراف الثقافي مقابل التفريغ السياسي

الرمزية: إعادة الجنسية والاعتراف باللغة

الواقع: سحب السلاح ونقل القرار

“واشنطن لم تُخف يوما أن علاقتها بـ’قوات سوريا الديمقراطية’ كانت علاقة وظيفة لا شراكة… لم يكن التخلي مفاجئا، بل نتيجة منطقية لعقيدة ترى الحلفاء أدوات مرحلية.”

3 التحولات السياسية والثمن الاجتماعي

التحول السلس للسلطة الجديدة

الماضي

ماضي جهادي للرئيس الانتقالي أحمد الشرع يُذكر لكن لا يُناقش

الحاضر

مرحلة طُويت مع الاعتراف الدولي – إعادة تأهيل سريع

الثمن

يدفعه سكان المناطق الطرفية والأقليات أولاً

الثمن الاجتماعي غير المُقاس

الخسارة الكبرى

تلك التي لا تُقاس بسهولة: خسارة التجربة الاجتماعية المتقدمة

تفكيك النموذج

ليس مجرد إعادة رسم خطوط سيطرة، بل إرجاع عقارب الساعة الاجتماعية إلى الوراء

التجاهل الدولي

تعتبر المسألة الاجتماعية أثرًا جانبيًا، لا جوهرًا سياسيًا

خسارة النساء: العودة إلى الوراء الاجتماعي

النموذج الكردي المفقود: لم يكن مجرد تجربة عسكرية، بل تجربة اجتماعية كسرت بنى تقليدية راسخة، خاصة فيما يتعلق بمكانة ودور المرأة في المجتمع والسياسة.

4 النظام الدولي ووهم “صمود الأكراد”

🌍 تفضيلات النظام الدولي

• الدولة القوية على الدولة العادلة

• الاستقرار السريع على السلام المستدام

• التسويات التي تُرضي العواصم

• الجغرافيا أكثر صدقًا من الخطاب

منطق “الصمود” المُعاد

• الصمود يتحول من حق إلى واجب

• من خيار إلى قدر محتوم

• التخلي يصبح أقل كلفة أخلاقيًا

• الجبال أكثر وفاءً من التحالفات

“حين يُفترض أن شعبا ما قادر دائما على النجاة، يصبح التخلي عنه أقل كلفة أخلاقيا، والصمود يتحول من حق إلى واجب، ومن خيار إلى قدر.”
— خلاصة التحليل

الخلاصة: ما تكشفه اللحظة السورية

ما تكشفه هذه اللحظة ليس فقط مصير الأكراد، بل طبيعة النظام الدولي نفسه الذي يفضل الدولة القوية على الدولة العادلة، والاستقرار السريع على السلام المستدام، والتسويات التي تُرضي العواصم على الحلول التي تحمي الأطراف.

في هذا النظام، تبقى القضية الكردية ملفًا يُعاد صياغته كل عقد بلغة جديدة، فيما يبقى جوهرها ثابتًا: شعب بلا دولة، وشراكات دولية لا تصمد عند أول اختبار مصالح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *